Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

كبح تدفقات رأس المال

نيويورك ـ كانت تنظيمات حسابات رأس المال في صميم المناقشات المالية العالمية طيلة عامين. والأسباب واضحة: فبعد أن شهد العالم عملية "التعافي المتعدد السرعات" على حد تعبير صندوق النقد الدولي، كانت البلدان المتقدمة حيث النمو البطيء حريصة على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة للغاية والاستعانة بسياسات نقدية توسعية، في حين عملت القوى الاقتصادية الناشئة حيث النمو السريع على تفكيك السياسات التوسعية التي تبنتها أثناء الركود. ولقد أثار هذا التباين موجة ضخمة من تدفقات رأس المال القادمة البلدان المتقدمة إلى الأسواق الناشئة، ومن المرجح أن تستمر هذه الموجة.

وتخشى القوى الاقتصادية الناشئة أن يدفع هذا الفيض من رؤوس الأموال أسعار الصرف في بلدانها إلى الارتفاع وأن يغذي العجز في الحساب الجاري وفقاعات الأصول، حيث تعلمت الأسواق الناشئة من خبراتها السابقة أن كل هذا يشكل وصفة أكيدة لاندلاع الأزمات في المستقبل. وتتفاقم المشكلة بفعل حقيقة مفادها أن إحدى الدول التي تتبنى سياسات توسعية هي الولايات المتحدة، التي تتمتع بأضخم قطاع مالي على مستوى العالم والتي تصدر العملة العالمية الأكثر انتشارا.

ليس من المستغرب إذن أن تستخدم أغلب الأسواق الناشئة ضوابط رأس المال في محاولة للتحكم في هذا الفيض. وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع الحكمة التي روج لها صندوق النقد الدولي وغيرها من الجهات في الماضي ـ والتي تزعم أن الأسواق الناشئة لابد وأن تحرر حسابات رأس المال لديها كجزء من عملية أوسع نطاقاً من التحرير المالي.

ولقد أدركت مجموعة العشرين في عام 2008 أن التمويل غير المقيد قد يعمل على توليد أزمات باهظة الكلفة؛ وبالتالي قررت إعادة تنظيم التمويل. ولكنها تركت تدفقات رأس المال العابرة للحدود خارج الأجندة بالكامل، وكأنها لا تشكل جزءاً من التمويل. فضلاً عن ذلك، فإن التنظيمات التي تؤثر على تدفقات رأس المال يطلق عليها بشكل يُعَد اعتداءً على اللغة وصف "الضوابط"، بدلاً من تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.

ولهذا السبب كان من المهم أن يتخذ صندوق النقد الدولي خطوات لمعالجة هذه القضية. ففي أوائل إبريل/نيسان، أصدر الصندوق وثيقتين علنيتين، رُفِعَت إحداهما إلى مجلس إدارة الصندوق إلى جانب "مذكرة للعاملين" أكثر فنية، فضلاً عن بيان أصدره المدير الإداري للصندوق دومينيك شتراوس كان. ولقد استندت هاتين الوثيقتين إلى مذكرة فنية أخرى صادرة قبل عام.

وكان الاستنتاج الأساسي الذي توصلت إليه كل من الوثيقتين هو أن التنظيمات المفروضة على تدفقات رأس المال عبر الحدود من الممكن أن تعمل كمكمل لسياسة الاقتصاد الكلي وما يطلق عليه التنظيمات المالية في إطار "الاقتصاد الكلي المتعقل". ولقد أظهر هذا أن البلدان التي استخدمت مثل هذه التنظيمات كانت الأقل تضرراً بالأزمة المالية العالمية الأخيرة، ويزعم العديد من خبراء الاقتصاد أن هذا يصدق أيضاً على الأزمة المالية الآسيوية أثناء الفترة 1997-1998.

ونحن نعرف من الخبرة والتجربة أن هناك العديد من التنظيمات المعقولة المنطقية، وليس فقط تلك التنظيمات التي أقرها صندوق النقد الدولي. ومن بين هذه التنظيمات فرض شرط الاحتياطي على التدفقات عبر الحدود ـ وهو ما تم تطبيقه بنجاح في شيلي، وكولومبيا، وأماكن أخرى ـ أو ما هو أفضل من ذلك، فرض شرط الاحتياطي على الديون العابرة للحدود. ومن الممكن أن تلعب الضرائب المفروضة على تدفقات رأس المال إلى الداخل دوراً مماثلا، وهذا ينطبق أيضاً على شرط الحد الأدنى لبقاء تدفقات رأس المال إلى الداخل.

ومن المعقول أيضاً حظر معاملات بعينها لأسباب الحيطة، وخاصة فيما يتصل بالاقتراض بالعملات الأجنبية بواسطة وكلاء اقتصاديين لا يمتلكون عائدات في تلك العملات. وبدلاً من ذلك، فإذا اقترض هؤلاء اللاعبون الاقتصاديون من مؤسسات مالية محلية، فإن التنظيمات من الممكن أن تماثل التدابير الأخيرة التي تبنتها البرازيل وكوريا الجنوبية، والتي اشتملت على متطلبات رأسمال عالية فيما يتصل بالالتزامات المرتبطة بها.

وفي وثيقة صدرت مؤخراً عن صندوق النقد الدولي، يقترح الصندوق مجموعة من المبادئ التوجيهية التي يتعين على الدول أن تستخدمها في تنظيم حسابات رأس المال (والتي يطلق عليها "تدابير إدارة تدفقات رأس المال"). وتؤكد المبادئ التوجيهية على أن هذه التنظيمات لابد وأن تكمل سياسات الاقتصاد الكلي المواجهة للتقلبات الدورية لا أن تحل في محلها. ولكن هذا يجعل تدابير إدارة تدفقات رأس المال تبدو وكأنها بمثابة الملاذ الأخير للتدخل، بحيث لا يتم استخدامها إلا بعد تجربة كل الحلول الأخرى الممكنة: تعديل سعر الصرف، وتكديس الاحتياطيات، وفرض سياسات الاقتصاد الكلي الصارمة. والواقع أن تدابير إدارة تدفقات رأس المال لابد وأن تلعب دوراً أساسياً في تجنب الإفراط في تقدير سعر الصرف وتكديس الاحتياطي في المقام الأول.

ويبدو أن صندوق النقد الدولي يفضل أيضاً أن تكون تدابير إدارة تدفقات رأس المال مؤقتة. ولكن هذا يتعارض مع "تعزيز الإطار المؤسس على أساس مستمر"، وهو توصية أخرى بين المبادئ التوجيهية. ويعني الإطار المؤسسي ضمناً أن تدابير إدارة تدفقات رأس المال لابد وأن تكون جزءاً من أدوات السياسة الدائمة لأي دولة، وأن يتم تشديد التنظيمات أو تخفيفها اعتماداً على المرحلة التي تمر بها من دورة الأعمال. والواقع أن التدابير المؤقتة المرتجلة كانت سبباً في تقليص الفعالية في العديد من البلدان.

فضلاً عن ذلك (وعلى نحو متناقض مع المبادئ التوجيهية مرة أخرى)، تكاد تدابير إدارة تدفقات رأس المال، من واقع تعريفها، تتطلب بعض التمييز بين المقيمين وغير المقيمين. فنحن نعيش على أية حال في ظل نظام عالمي حيث تستخدم البلدان المختلفة عملات مختلفة، وهو ما يعني ضمناً أن المقيمين وغير المقيمين لهم مطالب غير متماثلة فيما يتصل بالأصول الصادرة بتلك العملات.

والأهم من ذلك أن الإطار السياسي الصادر عن مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي لابد وأن تشتمل على آلية واضحة للتعاون مع البلدان التي تستخدم هذه السياسات. ولكننا لا نجد شيئاً من هذا في المبادئ التوجيهية، رغم أنها تعترف بأن تقلب حسابات رأس المال تشكل من ناحية ما عاملاً خارجياً سلبياً مفروضاً على البلدان المتلقية.

وقد يتطلب تنفيذ المبادئ التوجيهية الصادرة عن صندوق النقد الدولي إزالة بعض الشروط الواردة في العديد من اتفاقيات التجارة الحرة (وخاصة التي وقعتها الولايات المتحدة) والتي تقيد استخدام تنظيمات حسابات رأس المال. والأمر الأكثر أهمية أن البلدان تستطيع أن تستخدم أدوات مماثلة كجزء من نظام حقيقي للتنظيم الدولي، من أجل زيادة فعالية سياساتها النقدية التوسعية.

وأخيرا، لابد وأن يدرك أي تنظيم في هذا السياق أن قابلية حسابات رأس المال للتحويل ليست ملزمة لعملاء صندوق النقد الدولي. والواقع أن هذه المسألة حُسِمَت في عام 1997، عندما حاول المدير الإداري لصندوق النقد الدولي آنذاك، ميشيل كامديسوس، ضم بعض الالتزام في عملية تحرير حسابات رأس المال إلى بنود اتفاقية صندوق النقد الدولي. والواقع أن فشل هذه الجهود مسلم به ضمنا في المبادئ التوجيهية، وهو ما يشير إلى أنها لا تعبر عن أي التزامات جديدة تحت إشراف صندوق النقد الدولي.

ونستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الإطار الجديد لصندوق النقد الدولي موضع ترحيب، ولكن البلدان سوف تحتاج في الأعوام المقبلة إلى الحرية في إدارة حساباتها الرأسمالية أكثر من أي وقت مضى.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.