Tuesday, September 23, 2014
0

الحرب والسلام في الفضاء الإلكتروني

كمبريدج ــ قبل عامين أصيب البرنامج النووي الإيراني بعدوى كانت عبارة عن شفرة كمبيوتر مختلة، فدمرت هذه الشفرة العديد من أجهزة الطرد المركزي المستخدمة لتخصيب اليورانيوم. ولقد أعلن بعض المراقبين أن هذا التخريب الواضح كان بمثابة نذير بنشوء شكل جديد من أشكال الحرب، كما حذر وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا الأميركيين من خطر وقوع هجوم أشبه بهجوم بيرل هاربر ولكنه سيبراني على الولايات المتحدة. ولكن ما الذي نعرفه حقاً عن الصراع السيبراني؟

إن المجال السيبراني الذي يتألف من أجهزة كمبيوتر وأنشطة إلكترونية ذات صلة يشكل بيئة معقدة من صنع الإنسان، والخصوم من البشر يتسمون بالعزيمة والذكاء. من الصعب تحريك الجبال والمحيطات، ولكن من الممكن تشغيل أو إغلاق أجزاء من الفضاء الإلكتروني بكبسة زر. ومن المؤكد أن تحريك الإلكترونات عبر العالم أرخص وأسرع كثيراً من تحريك سفن ضخمة لمسافات طويلة.

إن تكاليف إنتاج مثل هذه المركبات ــ قوات المهام التي تتألف من حاملات طائرات متعددة وأساطيل من الغواصات ــ تخلق حاجزاً هائلاً أمام الغير، وتمكن الولايات المتحدة من فرض هيمنتها البحرية. ولكن الحواجز التي تعوق دخول المجال السيبراني منخفضة للغاية، الأمر الذي يسمح للجهات الفاعلة غير الحكومية والدول الصغيرة بلعب دور كبير بتكاليف زهيدة.

في كتابي "مستقبل القوة"، أزعم أن انتشار القوة بعيداً عن الحكومات يُعَد من أعظم التحولات السياسية التي طرأت على هذا البلد. ويشكل الفضاء السيبراني مثالاً ممتازا. فالدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا لديها قدرة أعظم من غيرها من الدول أو الجهات الفاعلة غير الحكومية على السيطرة على البحر والجو والفضاء، ولكن من غير المنطقي أن نتحدث عن الهيمنة في العالم السيبراني. فمن الواضح أن الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية المعقدة لدعم الأنشطة العسكرية والاقتصادية يخلق نقاط ضعف جديدة في الدول الكبرى تستطيع الجهات الفاعلة غير الحكومية استغلالها.

قبل أربعين عاما، أنشأت وزارة الدفاع الأميركية شبكة الإنترنت؛ واليوم تظل الولايات المتحدة بأغلب المقاييس الدولة الرائدة في هذا المجال من حيث استخداماتها العسكرية والمجتمعية. ولكن فرط الاعتماد على أجهزة كمبيوتر مرتبطة بشبكة واحدة ومستويات الاتصالات المتعددة يجعل الولايات المتحدة أكثر عُرضة للهجمات من أي دولة أخرى، ولقد أصبح الفضاء الإلكتروني مصدراً رئيسياً لانعدام الأمن، حيث باتت الغَلَبة للهجوم على الدفاع في هذه المرحلة من التطور التكنولوجي.

إن مصطلح "الهجوم السيبراني" يغطي مجموعة واسعة من الإجراءات، تتراوح بين المجسات البسيطة المستخدمة لمحو المواقع على شبكة الإنترنت، والحرمان من الخدمة، والتجسس، والتدمير. وعلى نحو مماثل يستخدم مصطلح "الحرب السيبرانية" (الإلكترونية) لتغطية مجموعة واسعة من السلوكيات، وهو يعكس تعريفات قاموسية للحرب تتراوح بين الصراع المسلح إلى التسابق العدائي (على سبيل المثال "الحرب بين الجنسين" أو "الحرب ضد المخدرات").

وعلى الطرف الآخر من النقيض، يستخدم بعض الخبراء تعريفاً ضيقاً للحرب الإلكترونية: "حرب غير دموية" بين الدول تشتمل فقط على الصراع الإلكتروني في الفضاء السيبراني. ولكن هذا يتجاهل الترابط المهم بين الطبقات المادية والافتراضية للفضاء الإلكتروني. وكما أظهر الفيروس "ستوكسنت" الذي أصاب البرنامج النووي الإيراني، فإن الهجمات التي تستخدم البرمجيات قد تسفر عن آثار مادية حقيقية.

وهناك تعريف أكثر فائدة للحرب الإلكترونية: عمل عدائي في الفضاء الإلكتروني تؤدي التأثيرات المترتبة عليه إلى تضخيم العنف المادي أو تعادله. في العالم المادي، تفرض الحكومات ما يشبه الاحتكار على نطاق واسع من استخدامات القوة، ويتمتع المدافع بمعرفة وثيقة بالتضاريس، وتنتهي الهجمات إما بسبب الاستنزاف أو الإرهاق. وهنا تفرض عملية تدبير الموارد ونقلها تكاليف باهظة.

أما في العالم السيبراني، فإن الجهات الفاعلة متنوعة (ومجهولة في بعض الأحيان)، والمسافات المادية تصبح بلا أهمية، ولا تتكلف بعض أشكال الهجوم سوى تكاليف زهيدة. ولأن شبكة الإنترنت كانت مصممة لتيسير الاستخدامات وليس توفير الأمن، فإن المهاجمين يتمتعون بميزة تجعلم متفوقين على المدافعين. والتطور التكنولوجي، بما في ذلك الجهود الرامية إلى "إعادة هندسة" بعض الأنظمة لتوفير قدر أعظم من الأمن، كفيل في نهاية المطاف بتغيير هذه الحقيقة، ولكن في الوقت الحالي تبقى الحال على ما هي عليه. فالطرف الأكبر حجماً يتمتع بقدرة محدودة على نزع سلاح العدو أو تدميره أو احتلال أرضه، أو استخدام الاستراتيجيات المضادة على نحو فعّال.

ورغم أن حرب الفضاء الإلكتروني لا تزال في بدايتها في هذه المرحلة، فإنها تعتبر التهديد المحتمل الأشد خطورة على الإطلاق. وبوسع الدول الكبرى التي تمتلك موارد فنية وبشرية واسعة النطاق من حيث المبدأ أن تخلق دماراً مادياً هائلاً بما في ذلك شكل من أشكال الردع بين الدول من خلال الحرمان والتشابك، والقدرات الهجومية، والتصميمات اللازمة للتعافي السريع للشبكات والبنية الأساسية إذا فشل الردع. وعند نقطة ما، فقد يكون من الممكن تعزيز هذه الخطوات بالاستعانة بقواعد بدائية معينة، والحد من التسلح، ولكن العالم لا يزال عند مرحلة مبكرة من هذه العملية.

إذا تعاملنا مع "النشاط التخريبي" الذي تمارسه جماعات إيديولوجية باعتباره إزعاجاً مخلاً بالنظام في هذه المرحلة، فإننا نتجاهل أربعة فئات رئيسية من التهديدات السيبرانية، كل منها في منطقة زمنية مختلفة: فالحرب السيبرانية والتجسس الاقتصادي يرتبطان إلى حد كبير بالدول، كما ترتبط الجريمة السيبرانية والإرهاب السيبراني بالجهات الفاعلة غير الحكومية. وبالنسبة للولايات المتحدة فإن أعلى التكاليف تنشأ حالياً عن التجسس والجريمة، ولكن على مدى الأعوام العشرة المقبلة أو ما إلى ذلك قد تصبح أمور مثل الحرب والإرهاب أعظم تهديداً مما هي عليه اليوم.

فضلاً عن ذلك، فإن الفئات المختلفة قد تتداخل على نحو متزايد مع نشوء وتطور التحالفات والتكتيكات. ومن وجهة نظر الأدميرال مايك ماكونيل، المدير السابق للاستخبارات الوطنية الأميركية "فإن آجلاً أو عاجلا، سوف تتمكن الجماعات الإرهابية من تحقيق التطور السيبراني. فالأمر أشبه بانتشار الأسلحة النووية، إلا أنه أسهل كثيرا".

لقد بدأ العالم للتو يرى لمحات من الحرب السيبرانية ــ في الهجمات التي أدت إلى الحرمان من الخدمة والتي صاحبت الحرب التقليدية في جورجيا في عام 2008، أو التخريب الأخير لأجهزة الطرد المركزية الإيرانية. إن الدول تمتلك أعظم القدرات، ولكن الجهات الفاعلة غير الحكومية من المرجح أن تشن هجوماً كارثيا. والحجم الأرجح لهذه الهجمة السيبرانية يعادل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وليس الهجوم على بيرل هاربر كما يتردد كثيراً اليوم. والآن حان الوقت لكي تجلس الدول على طاولة واحدة لمناقشة كيفية الحد من هذا الخطر الذي يهدد السلام العالمي.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured