Tuesday, October 21, 2014
3

المشورة الزوجية للولايات المتحدة والصين

بكين ــ لا شك أن الصين استفادت من النظام العالمي الذي ابتدعته ودعمته الولايات المتحدة. والواقع أن الرحلة التي قام بها ريتشارد نيكسون إلى الصين في عام 1972 فتحت الباب لعودة الصين إلى المجتمع الدولي.

وكان القسم الأعظم من العقدين التاليين بمثابة شهر عسل العلاقات الصينية الأميركية. فعلى الصعيد الاقتصادي لم تكتف الولايات المتحدة بمنح الصين وضع الدولة الأولى بالرعاية التجارية فحسب، بل إنها تسامحت أيضاً مع النهج التجاري البحت الذي تبنته الصين في التعامل مع التجارة الدولية والتمويل، وبخاصة نظام سعر الصرف المزدوج. وفي التسعينيات استمرت العلاقات الاقتصادية الثنائية في التوسع. ثم بلغ الدعم الأميركي لاندماج الصين في النظام العالمي ذروته بالتحاق الصين بعضوية منظمة التجارة العالمية في عام 2001. ومنذ ذلك الحين، نمت صادرات الصين إلى خمسة أمثالها.

وبطبيعة الحال، كانت حماية الملكية الفكرية المنقوصة في الصين سبباً في الإضرار بالعلاقات بين البلدين (ولعل هذا أحد أوجه القصور الذي يلحق بالشركات الصينية ضرراً أعظم من ذلك الذي يلحقه بالشركات الأميركية من خلال ردع الشركات الأميركية ــ وغيرها من شركات الدول المتقدمة ــ عن نشر تكنولوجيات جديدة في الصين). كما أضر بالعلاقات أيضاً الدور الذي تلعبه المؤسسات المملوكة للدولة والدعم الصيني الرسمي للشركات الوطنية الكبرى العاملة في مجال التكنولوجيا (الشركات المتميزة التي يكاد يكون من المؤكد أنها تستخدم الأموال الحكومية بإسراف).

الواقع أن النهج الذي تتبناه الصين أقرب إلى المقامرة ضد كل الاحتمالات. إن الابتكارات التكنولوجية المتطورة الناجحة أحداث عشوائية تتبع قانون الأعداد الكبيرة. وعندما يُترك الأمر للسوق، فإن العديد من الشركات والأفراد يحاولون ابتكار كل جديد، وهذا يعني أن احتمالات النجاح الإجمالية من الممكن أن تزيد بشكل كبير. فالسوق تسمح لقانون الأعداد الكبيرة بالعمل، في حين يعمل الدعم الحكومي المركز لقِلة من الشركات المفضلة على تقويض ذلك القانون.

بيد أننا لا نستطيع أن نعتبر أياً من هذه العيوب، أو حتى سعر الصرف، سبباً جذرياً لاختلال التوازن العالمي اليوم. ولنتأمل هنا مسألة سعر الصرف. كانت المملكة المتحدة تتمتع بفائض في الحساب الجاري طيلة القرن السابق لنشوب الحرب العالمية الأولى، وكانت هذه نفس حال الولايات المتحدة طيلة ما يقرب من ثمانين عاماً قبل عام 1980. ولكن من الواضح أن هذا الفائض لم يكن نتيجة لتلاعب أي منهما بسعر الصرف.

فضلاً عن ذلك فإن الاقتصادات التي تمكنت من تضييق الفجوات الخارجية مع الولايات المتحدة بشكل كبير بعد الحرب العالمية الثانية، وبخاصة ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان، كانت تتمتع بفائض في الحساب الجاري طيلة فترات نموها السريع. ويتناقض هذا مع الحكمة التقليدية لدى خبراء الاقتصاد الأميركيين والتي تقول إن الدول السريعة النمو لابد أن تقترض اليوم في مقابل حصصها الأكبر في الاقتصاد العالمي في المستقبل.

وأحد التفسيرات المحتملة هنا أن العلاقة بين معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ووضع الحساب الجاري ليست خطية أحادية البُعد. فبالمقارنة بالبلدان ذات معدلات النمو البطيئة للغاية، فإن البلدان التي تتمتع بمعدلات نمو مرتفعة بشكل معقول لابد أن تقترض. ولكن عندما يستمر معدل نمو أي دولة في الارتفاع فإن معدل الادخار لديها سوف يزيد بوتيرة أسرع من زيادة معدل الاستثمار، لذا فمن المرجح أن يسفر هذا عن زيادة في فائض الحساب الجاري لديها.

وبالنسبة للدول "اللاحقة بالركب" مثل الصين فإن النمو السريع يكون مصحوباً عادة بتغيرات بنيوية سريعة تعمل على نقل عوامل الإنتاج، وخاصة العمالة، من أنشطة منخفضة الإنتاجية إلى قطاعات اقتصادية تتسم بإنتاجية أعلى. وهذا من شأنه أن يضيف إلى الفائض من خلال زيادة ربحية الشركات.

إن سياسة سعر الصرف الصينية لا تمثل مشكلة لأنها تشجع الصادرات، بل لأنها أرغمت البلاد على تكديس كميات ضخمة من احتياطيات النقد الأجنبي المسرفة. وعزوف الحكومة الصينية عن السماح بارتفاع سعر الصرف بسرعة أكبر يعكس نفورها من التقلبات الكبيرة غير المتوقعة، وبخاصة في ضوء تصميمها على جعل الرنمينبي عملة احتياطية دولية.

وفي حين يعوق اقتصاد الصين بعض الصعوبات البنيوية، فإن الولايات المتحدة ليست محصنة ضد مثل هذه التحديات. والحق أنني أتعجب دوماً من عزوف خبراء الاقتصاد في الولايات المتحدة عن مناقشة المشاكل البنيوية التي أدت إلى الأزمة الحالية، والتي تحول دون تعافي أميركا. ويبدو أن أغلبهم يتصورون أن الأزمة ناجمة عن سياسة نقدية سيئة وتراخي القيود التنظيمية التي تحكم عمل القطاع المالي؛ بل إن البعض يلقون باللائمة على المدخرات المتراكمة لدى الدول الآسيوية، وبخاصة الصين.

وقد يكون ذلك صحيحاً عندما نتحدث عن الأسباب الم��اشرة للأزمة. ولكن اندلاع الأزمة كان ضارباً بجذوره بشكل أعمق كثيراً في النسخة الأميركية من الرأسمالية، والتي ترمي إلى تحقيق مستويات عالية من المنافسة والإبداع والعائد والتعويض. ورغم أن هذا النموذج ساعدت الولايات المتحدة بكل تأكيد لتصبح الدولة صاحبة الاقتصاد الرائد على مستوى العالم، فإنه كان السبب أيضاً في إحداث مشاكل بنيوية حادة.

على سبيل المثال، عملت الولايات المتحدة في محاولتها لدعم مستويات عالية من الإبداع على الحفاظ على سوق العمل الأكثر مرونة على الإطلاق بين الاقتصادات الناضجة. ولكن هذا لا يتأتى بدون ثمن. فالشركات كثيراً ما تستغني عن قسم كامل من العلماء للتحول إلى منتج جديد، وهذا لا يدمر رأس المال البشري فحسب، بل وأيضاً حياة البشر. فضلاً عن ذلك فإن أسواق العمل المرنة تعني علاقات عمل متنازعة، وخاصة عندما تقارن بدول شمال أوروبا. فهذه البلدان أقل إبداعاً وابتكاراً من الولايات المتحدة، ولكن اقتصاداتها ومجتمعاتها قد تكون أكثر مرونة وقدرة على الصمود.

ومن ناحية أخرى، كان القطاع المالي، جوهرة الرأسمالية الأميركية، السبب وراء الأزمة ويعمل الآن على ترسيخ عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة. وباستثناء الدول المصدرة للنفط، فإن الدول التي يتجمع لديها فوائض في الحساب الجاري، مثل الصين وألمانيا واليابان، لديها قطاعات تصنيع أقوى مقارنة بقطاعاتها المالية، في حين تنعكس العلاقة بالنسبة للدول التي تعاني من عجز خارجي، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

وأخيرا، أثبتت الهيمنة الأميركية على العالم كونها نقمة بقدر كونها نعمة. فالدولار الأميركي يمثل 60% من التجارة العالمية، والولايات المتحدة لديها أقوى مؤسسة عسكرية على مستوى العالم، الأمر الذي يجعل منها ملاذاً آمناً للمستثمرين العالميين. ولكن في حين تعمل تدفقات رؤوس الأموال الكبيرة الداخلة إلى البلاد على تقليص تكاليف الاقتراض، فإنها تميل أيضاً إلى إحداث العجز في الحساب الجاري: حيث يؤدي انخفاض تكاليف رأس المال على دفع أسعار الأصول إلى الارتفاع، ثم يعمل تأثير الثروة على تشجيع الناس على الاستهلاك بما يتجاوز دخولهم.

إن السياسات التي يتبناها أو يناقشها صناع السياسات والباحثون في أميركا اليوم ــ التيسير الكمي، وحزم التحفيز المالي، وخفض العجز الحكومي ــ لا تسعى إلا إلى علاج أعراض مرض أشد عمقا. ويتعين على الولايات المتحدة كخطوة أولى نحو التعافي أن تخضع قطاعها المالي لإصلاحات جادة. وكما أشار لينين فإن الرأسمالية المالية هي أعلى أشكال الرأسمالية ــ أي أنها نهاية الرأسمالية.

ولعل لينين أخطأ في تحليله الأساسي، ولكننا نعلم اليوم أن استنتاجه ربما كان مصيباً لسبب آخر: فالرأسمالية المالية تفرض على أي بلد مديونية غير مستدامة. ومن المؤسف أن الإصلاحات المالية في أميركا كانت غير ناضجة في أفضل تقدير.

فعلى مدى ثلاثة عقود من الزمان، كانت كلمة "إصلاح" مخصصة للجانب الصيني من العلاقة الصينية الأميركية. وإن المرء ليتمنى أن تتعود الولايات المتحدة على وقع هذه الكلمة.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedTenzin Namdhak

    well this is definitely interestinng in the sense that now in the global recession China has become savior to the world. Certainly there seems a flaws in the way the model with lots of assumption that is not possible realistically has been used and implemented. And we are basically repeating the same thing in different forms every time business cycle reaches its top. American economy according to the author needs strong structural adjustment in its capacity to rebuild the stable economy, but it wonders whether China's economy that is cherish will last long with lots of other social and political determinants in making and considerinng it as a stronng contender in replacing America not just in terms of GDP and per capita income.

  2. Portrait of Christopher T. Mahoney

    CommentedChristopher T. Mahoney

    "financial capitalism forces a country into unsustainable indebtedness."
    That's a new one! It is true that huge debt capacity can lure a country into excessive indebtedness (Japan, US). But is there something about Switzerland or Hong Kong that we should know? I am not aware of an alternative to "financial capitalism".

  3. Commentedjames durante

    This is an excellent analysis. Funny, isn't it, that it takes a Chinese economist to tell some simple truths about the U.S. economy, namely that there are basic structural flaws constricting the economy. Focusing on a "flexible" (i.e., highly exploitable) labor market, an overtowering financial sector (i.e., a criminal class of banksters), and too much reliance on foreign capital cuts a little too close to the bone for the mainstream, neo-liberal economists that dominate the punditry.

    Capitalism is a religion for most economists in the U.S. especially those in high academe who are paid cheerleaders for banks and corporations. Yao Yang's analysis is the perfect antidote for Harvard Roe's limits of anti-austerity (http://www.project-syndicate.org/commentary/greece-and-the-limits-of-anti-austerity). But, for the Roe's of the world, the problem of capitalism is always not enough ability to exploit labor. The result is usually expressed by economists as a lack of demand; another way to describe it is poverty. But, as one can't admit that a capitalist country can be poor, the mainstream economists don't go there.

Featured