Thursday, April 17, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الواقعية الدستورية في كينيا

نيروبي ـ أخيراً وبعد طول انتظار، سوف تحصل كينيا على دستور جديد، وهو الأمل الذي راوغ البلاد طيلة عقود من الزمان، حتى بات من الواضح للجميع مدى احتياج البلاد إليه. والواقع أن الطريقة السلمية التي جرت بها عملية التصويت للاستفتاء على الدستور الجديدة ـ بعد مرور بضع سنوات فقط منذ عصف ببلدي الصراع العنيف الذي قادته إليه الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها ـ تستحق أيضاً أن نحتفل بها. فبالبعد عن العنف أثبتت كينيا بشكل قاطع أن شعبها قادر على تسوية خلافاته بالطرق السلمية.

كانت المساعي التي بذلتها كينيا لوضع دستور جديد طويلة ومؤلمة. وأثناء حملته الانتخابية في عام 2002 وعد الرئيس ماوي كيباكي بأن حكومته في حالة فوزه سوف تقدم للبلاد دستوراً جديداً في غضون مائة يوم من توليه لمنصبه. وتحت قيادة ياش بال غاي، رجل القانون الكيني الشهير الذي تشتمل سيرته الذاتية في مجال العمل الدولي على مساعدة بلدان مثل أفغانستان في كتابة دساتيرها، بدأت أعمال المؤتمر الدستوري الوطني الكيني.

ولكن بعد مرور مائة يوم لم يخرج الدستور الجديد إلى الوجود، ولم يخرج حتى بعد مرور مائتي يوم. وتحولت الأيام إلى شهور، والشهور إلى أعوام. وبحلول عام 2004 انهارت عملية مراجعة الدستور، وكان ذلك راجعاً إلى الخلافات الكبيرة التي نشأت بين معسكر كيباكي في حكومة الائتلاف وبين بقية البلاد. وتم حل لجنة مراجعة الدستور.

وبعد هذه المحاولة الفاشلة، أمر كيباكي المدعي العام اموس واكو بتدوين تصور حكومته للدستور الجديد. وفي عام 2005 دعا كبياكي إلى عقد استفتاء للتصويت على وثيقة واكو. ولكن أهل كينيا رفضوا تلك الوثيقة.

وأدى الفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن الدستور الجديد إلى تفتت الائتلاف وانقسام البلاد. ثم بحلول عام 2007، ومع ترشح كيباكي لإعادة انتخابه رئيساً للبلاد، كان تفاؤل أهل كينيا بشأن مستقبل البلاد قد أصبح أقل مما كان عليه حين تولى منصبه لأول مرة.

وكان القسم الأعظم من خيبة أملهم راجعاً إلى فشل كيباكي في الوفاء بوعوده التي بذلها في عام 2002، والتي كان تقديم الدستور الجديد من بين أهمها. ثم حين أعلِن في ظل ظروف مثيرة للشبهات بعد انتخابات عام 2007 عن فوز كيباكي ، نفد صبر أهل كينيا. وانفجرت البلاد في أعمال العنف العرقية التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص وتشريد مئات الآلاف.

من حسن الحظ أن هذا العنف أصبح الآن من الماضي. فاليوم أصبح لدينا دستور جديد، وكينيا تحتفل. ولكن ما الذي نحتفل به حقا؟ في أوج حملة الترويج للاستفتاء، أظن أننا نسينا أن نسأل أنفسنا كيف قد يساعدنا تغيير دستورنا القديم في تغيير حياتنا. ويبدو أننا تصورنا أن مجرد التصديق على قانون أساسي جديد من شأنه أن ينهي على الفور المشاكل العديدة التي يعاني منها بلدنا.

ولكن لا ينبغي لأهل كينيا أن يسمحوا لأنفسهم بالانجراف بعيداً بفعل هذا الانتصار السياسي؛ فلن يتغير بلدنا بين عشية وضحاها. والواقع أن شكوكي (وليس تشاؤمي) نابعة من النظر إلى سجل كينيا فيما يتصل بفرض القانون. ورغم أن الأنصار يركزون على الوثيقة الجديدة فحسب، فإن الأمر لا يحتاج إلى رجل قانون مخضرم لكي يلاحظ أن الدستور القديم كان يشتمل على قوانين جيدة لم يتم تنفيذها على الإطلاق.

ومن بين الأمثلة على هذا قانون العجز لعام 2003. فعندما تم استنان هذا القانون أشاد به دعاة حقوق الإنسان بوصفه القانون القادر على إنهاء معاناة كل المصابين بالعجز من أهل كينيا، ولكن رغم مرور سبعة أعوام فإن قِلة قليلة منهم استفادوا من هذا القانون. ومن بين الانتهاكات الأشد وضوحاً لهذا القانون كانت مخالفة القسم 23 منه، والذي يقضي بتجهيز كافة مركبات النقل العام بحيث يتمكن المعاقون من استخدامها.

ففي أوقات الذروة في نيروبي يكاد يكون من المستحيل أن يتمكن أي من المعاقين من الوصول إلى وسط المدينة باستخدام وسائل النقل العامة لمزاولة مهنته في الأعمال البسيطة، التي تشتمل عادة على بيع الحلويات وتلميع الأحذية بالقرب من الأرصفة. والواقع أن هؤلاء المصابين بالعجز الذين لا يغادرون وسط المدينة في وقت مبكر يضطرون إلى الانتظار إلى ما بعد الغسق، حين يصبح بوسعهم الحصول على مقعد في أي حافلة عامة. وفي الوقت عينه، تستمر الحكومة في إصدار تراخيص جديدة للمركبات التي لا تلتزم بهذا القانون.

وبطبيعة الحال، هناك الفساد المستشري الذي نجح في التملص من الجهاز القضائي والشرطة في كينيا لأعوام طويلة. ولكن هل نعتقد حقاً أن المسؤولين عن فرض القانون وغيرهم من المسؤولين في الهيئات الحكومية الأخرى قد يتوقفون عن قبول الرشاوى لمجرد موافقة أهل كينيا على دستور جديد؟

إن دستور كينيا الجديد لن يكون ذا تأثير يُذكَر ما لم ننظر نحن أهل كينيا بعين الانتقاد إلى أنفسنا. وبقدر ما كانت رحلة إقرار الدستور الجديد عامرة بالمصاعب فإن عملية التصديق كانت في غاية السهولة مقارنة بالكفاح الذي ينتظرنا. ذلك أن الوفاء بالوعود الكبرى التي يقدمها الدستور الجديد يتطلب حرصنا جميعاً على تغيير هذه الثقافة التي تشجع الفساد.

ولا يجوز لنا بعد الآن أن نجلس في ارتياح ونشير بأصابع الاتهام إلى المسؤولين في الحكومة، في حين نتحايل في الوقت عينه على القانون من خلال تقديم الرشوة للمسؤولين. والحقيقة المرة هي أن الراشي والمرتشي فاسدون في أغلب الأحوال. ولم يزدهر الفساد في مجتمعنا إلا لأن أغلب أهل كينيا لا يتورعون عن تقديم الرشوة. وإذا لم نعترف بهذه الحقيقة البسيطة فسوف نجد أنفسنا بحلول انتخابات عام 2012 وقد عدنا إلى حيث كنا في أعقاب انتخابات 2007 المتنازع عليها.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured