Saturday, October 25, 2014
0

المصارحة في إفريقيا

جاء تصميم وإخراج التحقيق الصحفي الرئيسي في العدد الأخير من صحيفة "دايلي جرافيك"، وهي الصحيفة الأكثر انتشاراً وتأثيراً في غانا، بحيث يحدث صدمة: "الحكم بالسجن على أربعة رجال من اللوطيين". فممارسات الشذوذ الجنسي تُجَرَم في غانا ـ وفي كثير من البلدان الواقعة جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا.

ويعارض زعيم أوغندا ياوري موسيفيني بشدة مسألة الشذوذ، وكذلك روبرت موغابي زعيم زيمبابوي الذي يستعد للحرب الآن. ويتذمر رئيس ناميبيا قائلاً إن الغرب يريد أن يفرض على إفريقيا قيمه الجنسية المنحلة وقد تنكرت في هيئة الدعوة إلى التسامح مع اللوطيين.

في الواقع، إن الحركة العالمية لمكافحة التعصب ضد المصابين بالإيدز أو حاملي عدواه ـ المرض الذي برز إلى الوجود في البداية كمرض يصيب الشواذ في الولايات المتحدة ـ قد فشلت في استدرار الكثير من التعاطف مع الشواذ في البلدان الواقعة إلى جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية. فحتى الآن لم يحصل اللوطيون أو السحاقيات على حماية قانونية ذات قيمة إلا في دولة جنوب إفريقيا.

ومع أن إلقاء القبض على الشواذ الذي حدث في غانا يعد نموذجاً للتعصب الأعمى في أفريقيا ضد الشواذ، إلا أن ذلك الحدث كان مثاراً للدهشة والصدمة لأن اللوطيين والسحاقيات ينتشرون بشكل واسع في أكرا عاصمة غانا. وغانا التي يبلغ تعداد سكانها عشرين مليوناً تعد دولة متسامحة إلى حد غير عادي. فعلى أرضها يعيش البيض، والآسيويون، والقادمون من الشرق الأوسط في انسجام. ولم تشهد غانا حرباً أهلية قط ـ الأمر الذي يعد وسام شرف في تلك المنطقة من أفريقيا والتي جُبِلَت على النزاع ـ ومنذ ثلاثة أعوام شهدت البلاد انتقال السلطة بشكل سلمي من حكومة منتخبة إلى حكومة منتخبة أخرى.

ومع أن الشذوذ الجنسي أو اشتهاء المثل يظل من المحرمات، إلا أن اللوطيين يبدون في أمان هناك، ونادراً ما يتعرضون لاعتداءات جسدية. في أكرا هناك نادٍ شعبي معاصر يدعى "الفراولة"، وهو مكان اعتاد اللوطيون التردد عليه. وهناك عدد قليل من النوادي الشهيرة، على الرغم من تحفظها، حيث يجتمع الشواذ من اللوطيين والسحاقيات. وهناك لوطي يقدم برنامجاً تلفزيونياً على الرغم من أن ميوله الجنسية ليست سراً.

كان في إلقاء القبض على اللوطيين رسالة تثير الحيرة، وعلى الأخص مع القبول الذي يلقونه هناك. والصحيفة التي نشرت الخبر صحيفة حكومية تحقق معدلات توزيع تفوق معدلات توزيع كل الصحف الأخرى مجتمعة. في اليوم التالي لنشر الخبر الأصلي، ذهبت صحيفة ديلي جرافيك إلى حد أبعد في التعبير عن اشمئزازها من الأنشطة التي يمارسها اللوطيون بنشر مقالة افتتاحية رئيسية حَمّل كاتبها الأوروبيين والأمريكيين المسئولية عن كل حالات الشذوذ الجنسي المنتشرة في غانا.

ولقد زعمت الصحيفة أن الرجال قد انجذبوا إلى مثل هذه الممارسات على يد رجل نرويجي كان يمنحهم النقود والهدايا في مقابل بعض الصور لهم وهم في أوضاع جنسية شاذة. ثم نشر ذلك النرويجي الصور في شبكة الإنترنت وأرسل نسخاً منها بالبريد إلى أصدقائه من مواطني غانا.

أنا لست من أهل غانا ولست لوطياً، لكنني أقمت في غانا لمدة طويلة، وأنا أرفض الرأي الذي سمعته في أجزاء أخرى أيضاً من أفريقيا، والذي يقول إن الأفكار الغربية عن النشاط الجنسي قد أدت إلى انحراف الأفارقة جنسياً. فمن واقع خبرتي، يواجه الأفارقة مسألة الشذوذ ببعض الجهل من الناحية الأخلاقية.

ويبدو أن الصحفيين هم الأكثر جهلاً في هذا الإطار. في العام الماضي عملت في غانا كمدير لمنظمة "صحفيون من أجل حقوق الإنسان"، وهي جماعة كندية تساعد الصحفيين الأفارقة على رفع أصواتهم في مواجهة العنف الذي يعاني منه مجتمعهم، وتعمل على رفع درجة وعيهم وإدراكهم لحقوق الإنسان التي تُنتهك هناك. ولقد أبدى رئيس تحرير صحيفة ديلي جرافيك دعمه لمنظمتي، وقمت أنا بعقد دورات تدريب لمراسليه ومحرريه. ولقد أسفرت دورات التدريب تلك عن تحقيقات صحفية ألقت الضوء على إساءة معاملة النساء والأطفال وفشل مؤسسات الحكم في تقديم الخدمات الواجبة للمواطنين. لكنني حين أعربت عن شكواي بشأن التحيز ضد اللوطيين، أجابني رئيس التحرير بأن اللوطيين لا يستحقون أي شكل من أشكال الحماية.

وعلى الرغم من أن هذا المثال قد يوحي بأن الأفارقة متحدون في مواجهة الشذوذ الجنسي، إلا أن هذا غير صحيح. فإن المدافعين عن اللوطيين يخشون أن يتم تفسير دعمهم للوطيين بأنهم هم ذاتهم من اللوطيين.

منذ عامين انقطع حبل الصمت لفترة وجيزة بواسطة كين أتافوا الذي تولى إدارة لجنة الصدق والمصالحة في غانا، والمسئولة عن التحقيق في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان على مدار عقدين من الحكم الدكتاتوري. قال أتافوا "لا ينبغي أن أترك وحيداً في كفاحي من أجل الحصول للوطيين على حقوقهم، فنحن نتحدث عن حالات انتهاك جوهرية للعدالة". ثم أضاف "ليس بالضرورة أن تكون طفلاً لكي تدافع عن حقوق الأطفال".

لقد غابت هذه النقطة عن فهم الناس في غانا. فبعد إلقاء القبض على اللوطيين تحدثت في جامعة غانا عن تغطية أجهزة الإعلام لقضية الشذوذ الجنسي. وبينما لم يعترض أحد على الأسلوب الذي تناولت به صحيفة ديلي جرافيك القضية، فإن أحداً لم يتعرض للشذوذ الجنسي بالشجب أيضاً. وبدلاً من ذلك فقد استمتعت إلى كلمة قصيرة من إحدى الطالبات عن تعرضها للسيدات المتزوجات الأكبر سناً اللاتي يراودنها عن نفسها في الملاهي الليلية. ثم تكلمت فتاتان أخريان عن تعرضهما لنفس الأمر، وأكدتا أن السحاقية تمارَس بشكل واسع في أكرا على الرغم من عدم الاعتراف بذلك من قِبَل الأجهزة العامة.

إن السحاقية بطبيعة الحال ممارسة أقل خطراً وتهديداً للرجال الذين يحكمون غاناً. فهم يرون أن وجود لوطيين بين الأفارقة أمر غير وارد، وأن أي احتكاك بدني بين الرجال يُفتَرض فيه البراءة.

ومع ذلك فإن التناقضات كثيرة. ذات يوم في احتفال تقليدي حيث يتلقى أحد الأطفال اسمه القبلي، شاهدت الأب الفخور وعدداً من أصدقائه الذكور يرقصون معاً أمام حشد من المبارِكين. وكانت حركات أولئك الرجال تحمل إيحاءات جنسية، وفي بعض الأحيان كانوا يتلامسون ويمسك كل منهم بيد الآخر. وبينما كنت أشاهد شرح لي أحد الأوروبيين إلى جواري أن ذلك الضرب من الرقص مقبول طالما لم يتخذ التلامس بين الرجال شكلاً محدداً.

في غانا وفي كثير من دول أفريقيا تسود ثقافة من الصمت تجاه حب الشخص لمثيله ـ وهي ثقافة يرى كثيرون من أهل الغرب ـ إيماناً منهم بحقوق الإنسان والانفتاح على الغير ـ أنها ثقافة غير مقبولة. ومع ذلك، فإن فكرة الاعتراف قد لا تكون حلاً مناسباً لكل إفريقي شاذ. فالمفاهيم حول ما هو صواب وما هو خطأ كثيراً ما تنهار تحت التناقضات العنيدة بين التقاليد والحداثة، وبين الفرد والمجتمع.

في الدول الإفريقية الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى أجد نفسي أتذكر المثل القائل إن الصمت من ذهب. فتحت غطاء الصمت يحجم اللوطيون عن تحريك الصراعات التي قد تنجم عن المزيد من التأييد المعلن للشذوذ الجنسي. لكن إلقاء القبض مؤخراً على بعض اللوطيين في غانا يكشف عن الثمن الحقيقي لاتباع هذه الاستراتيجية.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured