Friday, October 31, 2014
0

إغلاق الفجوة الأمنية في آسيا

طوكيو ــ لم تكن المفاجأة كبيرة عندما أعلن الرئيس باراك أوباما في أواخر العام الماضي أن الولايات المتحدة سوف تعمل على تعزيز مكانتها في شرق آسيا وخفض قواتها في أوروبا. إن البيئة الأمنية في شرق آسيا لا يمكن التنبؤ بها، وهي سريعة التغير، خلافاً لبيئة أوروبا الأمنية، حيث الاستقرار النسبي. وعلى هذه الخلفية، فإن الجهود المبذولة الآن لتأسيس إطار شامل متعدد الأطراف في التعامل مع المنطقة من الممكن أن تتعلم من التاريخ الحديث لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

والولايات المتحدة ليست وحدها في تحويل تركيزها الأمني باتجاه شرق آسيا. فالقرار الذي اتخذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتن باستضافة الاجتماع الأول لمنظمة التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والباسيفيكي في فلاديفوستوك في شهر سبتمبر/أيلول يعكس اهتمام البلاد المتنامي بالمنطقة. ومثلها كمثل الولايات المتحدة، حضرت روسيا قمة شرق آسيا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وكانت قمة شرق آسيا، إلى جانب المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، في شهر يوليو/تموز الماضي بمثابة إسهام بالغ الأهمية لتحسين البيئة الأمنية في المنطقة. وتقوم الجهود التي يبذلها المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا لبناء نمط بنّاء وأكثر قابلية للتنبؤ بتطوراته في التعامل مع منطقة آسيا والباسيفيكي على ثلاث مراحل: بناء الثقة، والدبلوماسية الوقائية، وتسوية النزاعات. وفي مؤتمره الوزاري الثامن عشر في العام الماضي، دخل المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا المرحلة الثانية، الدبلوماسية الوقائية، في حين استمر في تعزيز تدابير بناء الثقة.

وكان التعاون البحري محط اهتمام في كل من الاجتماع الوزاري للمنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا وفي قمة شرق آسيا، لأسباب ليس أقلها أن الأنشطة التي تزاولها الصين في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي عملت على توليد حالة جديدة من الشكوك وعدم اليقين في المنطقة. ولقد رحب المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا بتبني "المبادئ التوجيهية لتنفيذ الإعلان بشأن سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي". وعلى نحو مماثل، ركزت قمة شرق آسيا على "مكافحة القرصنة البحرية، وعمليات البحث والإنقاذ في البحر، والبيئة البحرية، والأمن البحري، والاتصال البحري، وحرية الملاحة، ومصائد الأسماك، وغير ذلك من مجالات التعاون".

كما ركز الاجتماعان على إدارة الكوارث، فتوصل وزراء المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا إلى تفاهم مشترك حول تعزيز التعاون الإقليمي. ومن المنتظر أن يلعب مركز التنسيق للمساعدات الإنسانية التابع لمنظمة آسيان في جاكرتا دوراً مركزياً في بناء شبكة معلومات خاصة بالكوارث في مختلف أنحاء المنطقة، وفي وضع تدابير ملموسة لإدارة الكوارث.

وعلى نحو مماثل، شددت العديد من الدول التي حضرت قمة شرق آسيا على الحاجة إلى القدرات الكفيلة بتمكينها من الاستجابة، مثل أعمال الإغاثة الطارئة في الكوارث. كما أعلن رئيس الوزراء الياباني يوشيهيكو نودا عن استعداد بلاده لاستضافة مؤتمر دولي هذا الصيف حول الكوارث الكبرى، الأمر الذي يعطي اليابان الفرصة لتقاسم الدروس التي تعلمتها من زلزال وتسونامي شرق اليابان العظيمين. ومن الأهمية بمكان أن يتلخص الهدف في جعل المنطقة أكثر قدرة على الصمود في وجه الكوارث الطبيعية كجزء من إطار أوسع نطاقاً للتعاون الإقليمي.

إن التغيرات السريعة التي تشهدها منطقة آسيا والباسيفيكي تتطلب انتهاج السياسات الكفيلة بتعظيم فرص النمو في حين تعمل على تقليص المخاطر. ولهذا السبب اقترح كويشيرو جامبا وزير خارجية اليابان بناء "شبكة جديدة مفتوحة ومتعددة الطبقات" مع دول منطقة آسيا والباسيفيكي الأخرى. وتعبير "متعددة الطبقات" هنا يعني التعاون المتعدد الأطراف فيما يتصل بأنشطة مختلفة يمكن تعزيزها من خلال آليات ثنائية أو ثلاثية أو متعددة الأطراف. والواقع أن العمل ضمن الأطر التي حددها المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا وقمة شرق آسيا يتفق بالفعل مع هذا المفهوم، وتعمل اليابان الآن على إقامة حواراتها الثلاثية الخاصة مع الصين وجمهورية كوريا، وكذا مع الولايات المتحدة وأستراليا.

وتعتقد اليابان أن هذه الشبكات لابد أن تكون مفتوحة أمام كل بلدان منطقة آسيا والباسيفيكي، لأن إنشاءها يتطلب المشاركة الكاملة من جانب الصين. ولكن القاعدة المطلوبة لتشكيل الأساس لهذه الشبكة لابد أن يلتزم بوضوح بالقانون الدولي، ولقد عكس الإعلان الختامي لاجتماع المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا هذا التخوف بوضوح.

وهنا يأتي دور الدروس المستفادة من تجربة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تعزيز الجهود الناشئة في آسيا لإقامة بنية إقليمية. وعلى الرغم من الاختلافات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية الكبيرة بين منطقة آسيا والباسيفيكي وأوروبا، فإن تدابير بناء الثقة والأمن في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تستحق الدراسة المتأنية.

تهدف مثل هذه التدابير إلى تقليص مخاطر نشوء الصراعات من خلال زيادة الثقة بين الدول المشاركة في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والإسهام في تعظيم الشفافية في مجال التخطيط العسكري وغير ذلك من الأنشطة. والواقع أن وثيقة فيينا، التي تُعَد المفتاح الرئيسي لفهم هذه الجهود التي تبذلها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، تفرض التبادل السنوي للمعلومات حول القوى العسكرية الموجودة، وبنية القوات المسلحة، والأسلحة الرئيسية والأنظمة الدفاعية. وهي تفرض أيضاً تبادل المعلومات سنوياً حول التخطيط الدفاعي والميزانيات الد��اعية.

إن تبني مثل هذه التدابير في منطقة آسيا والباسيفيكي من شأنه أن يفيد كثيراً في تعزيز الثقة بين الدول الآسيوية. ولقد تم اتخاذ خطوات قليلة في هذا الاتجاه بالفعل في إطار المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا، بما في ذلك النشر لأكثر من عشرة أعوام للتوقعات الأمنية السنوية استناداً إلى مساهمات من دول المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا. وفي عام 2010، عمل وزراء المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا على توسيع مجال هذه الآفاق بالاستعانة بصيغة موحدة ومبسطة، والتي تتضمن نشر مبادئ الدفاع الوطني، والإنفاق على الدفاع، والعدد الإجمالي للأفراد في القوات المسلحة لأي دولة مشاركة.

ولقد اشتمل الأمر على تبني توجهين رئيسيين في تلبية التحديات الأمنية الإقليمية الحديثة: التحالفات التقليدية الشبيهة بنمط منظمة حلف شمال الأطلسي، والتي تعد العدة لمواجهة أي تهديد محتمل لأي من الدول الأعضاء، وبناء أطر عمل شاملة ومتعددة الأطراف على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي تتضمن كل العناصر الفاعلة داخل أي منطقة.

وكما يُظهِر تاريخ أوروبا في مرحلة ما بعد عام 1945 بوضوح، فإن التحالفات التقليدية والأطر الشاملة المتعددة الأطراف من الممكن أن تؤدي دوراً مكملاً، وهي تشكل ضرورة أساسية للحفاظ على السلام الإقليمي والاستقرار. والآن تشهد منطقة آسيا والباسيفيكي جهوداً ترمي إلى إنشاء إطار عمل شامل ومتعدد الأطراف مماثل عبر المنتدى الإقليمي لاتحاد دول جنوب شرق آسيا وقمة شرق آسيا. ولكن برغم النجاح الذي قد تحققه مثل هذه الجهود، فإنها كفيلة بتعزيز، وليس التقليل من، أهمية العلاقات الثنائية القائمة، مثل التحالف بين اليابان والولايات المتحدة.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured