Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

الصين ودبلوماسية "لا أسمع شراً"

منذ تأسست جمهورية الصين الشعبية كانت تلتزم بسياسة خارجية تتلخص في عدم التدخل في شئون الدول الأخرى ـ أو هكذا كانت تزعم. ولكن مع نهوض الصين السريع واندماجها المتزايد في العالم الخارجي، أصبح هذا المبدأ عتيقاً على نحو متزايد.

ففي الخارج، أصبح الدور الذي تلعبه الصين في أماكن مثل السودان وبورما مشيناً على الصعيد الدولي، بل وأصبح يلطخ سمعتها بصورة واضحة. والحقيقة أن الصين بصيانتها لعلاقاتها الدافئة مع الأنظمة القمعية وحمايتها من التعرض للعقوبات الدولية، تخاطر بأن ينظر إليها العالم باعتبارها شريكة لهذه الأنظمة. فكلما كان صوت الصين حاسماً في حل الأزمات أو منع إراقة الدماء، يلجأ دبلوماسيوها إلى تكرار العبارات المبتذلة بشأن عدم التدخل.

لم تكن "الثورة الزعفرانية" التي شهدتها بورما مؤخراً تشكل تحدياً فحسب بالنسبة للصين، بل لقد كانت بمثابة الفرصة لممارسة نفوذها. إلا أنها فشلت في اختبار الزعامة الدبلوماسية مرة أخرى حين تقاعست عن التحرك واكتفت بالدعوة إلى ضبط النفس. وبفضل تواطؤ الصين ما زالت معاناة شعب بورما مستمرة.

إن محاولة الصين الجمع بين التقاعس عن العمل ونزعتها التجارية في التعامل مع شركائها التجاريين من العالم الثالث تشهد على نفاق سياساتها الخارجية. ذلك أن الصين لا تتورع عن التخلي عن مبدأ عدم التدخل كلما كان الأمر متعلقاً بالوصول إلى الموارد الطبيعية.

ولم يمر هذا دون أن يلحظه أحد، وخاصة بعد انتشار موجة من الحركات المناهضة للصين في كافة أنحاء أفريقيا. ففي زامبيا، كان تجاهل شركات التعدين الصينية لوفاة العاملين لديها من الأفارقة سبباً في استفزاز احتجاجات ضخمة ضد التواجد الصيني في البلاد. ورغم نجاح الصين مؤخراً في تهدئة الموقف بالتهديد بسحب استثماراتها من البلاد، إلا أنها بموقفها هذا تكون قد نكصت عن تعهدها بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.

مما لا شك فيه أن التدخل في الشئون الداخلية لدولة أخرى ليس شراً محضاً في كل الأحوال. وقد يكون التدخل محل تقدير إن كان مسخراً لدعم النمو وحقوق الإنسان، بصرف النظر عن النظام الذي يقوم بذلك التدخل. فالنفوذ الهائل الذي تتمتع به الصين على بعض زملائها من الأنظمة الاستبدادية، يشكل الأمل الأفضل في تليين قسوة هذه الأنظمة. ولكن هل من الممكن إقناع الصين باستخدام نفوذها على نحو بنّاء، بدلاً من التظاهر بالحياد حين يكون العالم في مسيس الحاجة إلى مساعدتها؟

حتى الآن، لم يدرك قادة الصين فضيلة نبذ مبدأ عدم التدخل. ويبدو أن حججهم تحمل قدراً من الصبغة العملية أيضاً: فهم لا يريدون أن يتسببوا في انهيار كوريا الشمالية بالمبالغة في القسوة في التعامل معها؛ وهم يخشون أن يخسروا نفوذهم في بورما لصالح الهند أو الولايات المتحدة؛ أما عن دارفور، فلا أحد يفعل الكثير من أجلها، وعلى هذا فإن تعريض الإمدادات السودانية من النفط للخطر بالضغط على النظام في الخرطوم يبدو بلا معنى. إلا أن تحري الجانب العملي من الأمور لا ينبغي أن يتعدى حدوداً معينة، وخاصة حين يسمح ذلك بتفاقم الأوضاع الخطيرة.

إن تدليل الصين للأنظمة الديكتاتورية في سبيل حصولها على الموارد الطبيعية يتعارض مع مصالحها بعيدة الأمد في الاعتراف بها كقوة حميدة وشرعية تستحق الاحترام الدولي الذي تتوق إليه. وإذا ما مارست الصين ضغوطها على النظام العسكري الحاكم في بورما لإرغامه على الامتناع عن ذبح شعبه، فلسوف تكتسب قدراً عظيماً من الرصيد الأخلاقي في نظر العالم أجمع. فضلاً عن ذلك فإن الصين قادرة على تهدئة الشكوك التي تقض مضجع جيرانها، والتي تغذيها نهضتها الحالية، من خلال بذل مثل هذه الجهود لدعم الاستقرار الإقليمي.

إن الصين تواجه الآن معضلة. هل تنحي مصالحها الضيقة جانباً وتضطلع بمسئولياتها العالمية؟ الحقيقة أن إجابتها على هذا السؤال سوف تحدد إلى حد كبير نظرة العالم إليها لعقود قادمة. وإذا لم تكن الصين تريد أن يُـنظَر إليها باعتبارها شريكة في الجرائم التي ترتكبها الأنظمة التي تتعامل معها، فقد حان الوقت كي تبدل مفهومها للتدخل الدبلوماسي.

إذا ما أصرت الصين على مفهومها لسياسة عدم التدخل، فلسوف يصبح من الصعب عليها بصورة متزايدة أن تخفي خبث هذا المبدأ وشره تحت أي قناع. فما زال الطريق طويلاً أمام الصين قبل أن تتمكن من الاضطلاع بدورها كشريك مسئول في كل ما يتصل بأمن وسلام العالم. والحقيقة أن إصلاح مبدأ عدم التدخل يشكل خطوة ضرورية في ذلك الاتجاه.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.