Friday, October 31, 2014
0

الجبل التالي الذي يتعين على الصين أن تتسلقه

ميلانو ـ لقد أصبحت الصين الآن في طريقها إلى الدخول في سلسلة معقدة من التحولات التي سوف ترسي الأساس لوضع الدولة المتقدمة الذي ترجو الوصول إليه في غضون ربع القرن القادم. فبعد ثلاثة عقود من النمو المطرد والاستجابات السياسية الناجحة إلى حد مذهل في التعامل مع الأزمة العالمية الأخيرة، ارتفعت ثقة الصينيين في أنفسهم إلى عنان السماء. ولكن الدروس التي قد تستخلصها الحكومة من الأزمة قد لا تكون الدليل التوجيهي الأفضل على الأمد البعيد.

فالصين تواجه عدة تحديات متوازية ومترابطة وتشكل أهمية حاسمة بالنسبة لتطورها الداخلي فضلاً عن علاقاتها الاقتصادية العالمية. ومن بين هذه التحديات:

·      إعادة الهيكلة الجزئية للاقتصاد بهدف تثبيت الوضع الناشئ للبلاد باعتبارها دولة ذات دخل متوسط؛

·      التحول على صعيد الاقتصاد الكلي إلى مستوى أعلى من دخول الأسر والاستهلاك، والمزيد من التوسع السريع للطبقة المتوسطة؛

·      عكس اتجاه التفاوت في الدخول الآخذ في التصاعد في البلاد الآن؛ وخفض المستوى البالغ الارتفاع من المدخرات نسبة إلى الاستثمار، وبالتالي تقليص الفائض في الحساب الجاري؛

·      الحد من كثافة استخدام الطاقة والكربون في تحقيق النمو المطلوب في المستقبل؛

·      الاضطلاع بمسؤوليات عالمية أكبر.

والواقع أن الصين بلغت النقطة حيث أصبح تأثيرها على الاقتصاد العالمي يشكل أهمية شاملة. ولكنها بلغت هذه النقطة عند مستوى أقل كثيراً من نصيب الفرد في الدخل مقارنة بأي دولة سبق لها التأثير على الاقتصاد العالمي بهذه الدرجة. والسبب وراء ذلك هو أن الصين الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان التي تنجح في تحقيق نمو مطرد وبالغ السرعة طيلة ثلاثين عاماً. لذا فقد أضيف التعامل مع تأثير البلاد على العالم إلى أجندة سياسية مقعدة بالفعل، في حين تتمتع أغلب البلدان بترف التركيز على الجانب المحلي .

إن الصين تحتاج إلى إيجاد التوازن بين هذه الأولويات الداخلية والدولية، ولكن الخبرة التاريخية التي قد تسترشد بها في سعيها إلى تحقيق هذه الغاية ضئيلة إلى حد كبير. (سوف تواجه الهند نفس المشكلة في غضون عقد من الزمان، مع استمرارها على مسار النمو السريع الحالي).

وبعد أن بلغ نصيب الفرد في الدخل نحو 4000 دولار أميركي (أو أكثر مع تعديلات القوى الشرائية)، فقد دخلت أجزاء كبيرة من اقتصاد الصين بالفعل، أو في طريقها إلى الدخول، إلى فئة الدولة ذات الدخل المتوسط. وهي مرحلة انتقالية صعبة، وقد تفقد الصين خلالها قوة الدفع مع تباطؤ التحولات البنيوية، كما حدث مع العديد من البلدان قبلها.

على سبيل المثال، بدأت قطاعات التصدير التي تحتاج إلى عمالة مكثفة في خسارة قدرتها التنافسية. ولابد من السماح لها بالانحدار أو الانتقال إلى الداخل (ثم الانحدار في النهاية). ولسوف يستعاض عنها بقطاعات تعتمد بقدر أعظم على التكنولوجيا ورأس المال البشري.

وفي هذه المرحلة الانتقالية فأن الخدمات سوف تنمو لا محالة. وسوف تزدهر أيضاً القطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى، والوظائف عند منبع ومصب الصناعات التجهيزية . ولابد في هذه المرحلة أيضاً أن تبدأ الماركات العالمية في الظهور، وسوف تستمر ملكية الحكومة للمؤسسات في التضاؤل. أما استثمارات القطاع العام فسوف تتحول نحو التعليم ومشاريع البحث والتطوير.

سوف تتولى الأسواق العالمية والمحلية، وليس الحكومة الصينية، دفع هذا التحول على نحو متزايد. وسوف ينحدر الميل إلى استهداف قطاعات بعينها. وسوف تكتسب السوق المحلية والطبقة المتوسطة المتنامية قدراً أعظم من الأهمية. وسوف تتسارع عملية التحضر بفضل الدعم الذي توفره استثمارات القطاع العام.

إن الدخل المتاح للأسر الصينية يبلغ نحو 60% من الدخل الوطني للصين، وتكاد معدلات ادخار الأسر تقترب من 30% من الدخل المتاح. والواقع أن الرقم الأول منخفض والثاني مرتفع مقارنة بالأرقام في بلدان أخرى. وبالنسبة للصين فإن هذا يضع الاستهلاك في حدود 40-45% من الناتج المحلي الإجمالي. ولتمكين السوق المحلية من تحريك نمو الدخل، وتعجيل نمو الطبقة المتوسطة، فلابد من تبديل هذين الرقمين.

إن دخل الأسر الصينية لابد وأن يرتفع، ومع توفير المزيد من الضمان الاجتماعي، والتأمين، والخدمات، فإن المدخرات الوقائية تصبح بلا ضرورة. وهذه العوامل من شأنها أن تدعم تحول الطبقة المتوسطة من خلال توسيع السوق المحلية باعتبارها محركاً للنمو، وأن تساعد في دعم النمو في مواجهة ضعف الطلب العالمي في المستقبل.

ولكن الأهم من ذلك أن النمو السريع للسوق المحلية، وخاصة في قطاع الخدمات، لابد وأن يحل محل قطاع التصدير باعتباره المحرك الأساسي لتشغيل العمالة وسحب سكان المناطق الريفية إلى الاقتصاد الحديث. ومع انتقال قطاع التصدير إلى قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، فلن يستمر في خدمة هذه الوظيفة بنفس القدر من الفعالية الحالية.

لقد نجح قطاع الشركات في الصين في تمويل قدر كبير من استثماراته بالاستعانة بالمكاسب المحتفظ بها من دون الاضطرار إلى جمع رأس المال من قطاع الأسر. وما زالت الحكومة تمتلك أكثر من 50% من المؤسسات المتبقية المملوكة للدولة، ولكنها لا تحتاج إلى الدخل ولا تستخدمه. ولابد من إعادة توجيه القسم الأعظم من هذين الرافدين الرئيسيين للدخل (الشركات والحكومة) إلى قطاع الأسر.

كان النمو المرتفع والتحضر من بين الأسباب التي أدت إلى ارتفاعات سريعة في الدخول في المناطق الحضرية، مع زيادات بسيطة في المناطق الريفية. فما زال أفراد مجموعة ضخمة من العمال المهاجرين وأسرهم (والذين يتراوح عددهم ما بين 150 إلى 200 مليون نسمة)، قرويين رسمياً، ولكنهم في الواقع سكان حضر هامشيين يتمتعون بحقوق مقيدة ولا يحصلون على الخدمات بسهولة. ويتم التعامل مع الارتفاع الناتج في مستوى التوترات الاجتماعية من خلال التوسع في توفير الخدمات الريفية، والاستثمار في البنية الأساسية الحضرية وتقديم الخدمات، وتوفيق أوضاع المهاجرين.

لقد واجهت الصين تحديات هائلة في الماضي ـ ولقد فاقت توقعات المتشككين عموماً. ولكن يتعين على الصين الآن أن تواجه ضغوطاً ومسؤوليات عالمية أيضاً. وهذا يعكس جزئياً حجم الصين وتأثيرها الهائل. ولكن الصين تواجه أيضاً بيئة خارجية قد تكون معادية في بعض الأحيان لشكل الحكم في البلاد؛ وقد تتجاهل أو تستخف بنجاح الحكومة الصينية في انتشال الملايين من الصينيين من قبضة الفقر؛ وقد تميل إلى النظر إلى الاقتصاد العالمي باعتباره لعبة يتساوى فيها طرفا المكسب والخسارة؛ وقد تعزو النجاح الاقتصادي الذي أحرزته الصين إلى سياسات غير تعاونية في مجالات مثل إدارة أسعار الصرف.

يتعين على الصين أن تواجه التحدي المتمثل في إعادة الهيكلة الداخلية بهدف دعم النمو، في حين تؤكد على حقها في التطور من دون التعرض للعقاب بسبب حجمها. ولكن يتعين عليها أيضاً أن تضطلع بقدر أعظم من المسؤولية عن الخلل في التوازن العالمي، والاستقرار الاقتصادي والمالي، والحوكمة، فضلاً عن تمثيل مصالح البلدان النامية الأقل قوة. والواقع أن بقية بلدان العالم لها مصلحة ضخمة في نتيجة هذا العملية المعقدة من إيجاد التوازن.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured