Thursday, July 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
2

الصين وشبكتها المتطورة

هونج كونج ــ في مقال نُشِر مؤخرا، يُعَرِّف رجل الاقتصاد أكسل ليونهوفود نظام السوق بوصفه شبكة من العقود. ولأن العقود مرتبطة ببعضها البعض، فإن أي عجز في الوفاء بالديون المستحقة من شأنه أن يؤدي إلى سيل من الوعود غير المنجزة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى "تدمير الشبكة بالكامل تقريباً من العقود الرسمية وغير الرسمية والتي يحتاج إليها النظام لكي يؤدي وظائفه". ويتلخص دور الدولة في حماية وتعزيز وتنظيم هذه العقود وحقوق الملكية المرتبطة بها، فضلاً عن التدخل لمنع الفشل الشامل للنظام.

وهذه الشبكة من العقود ــ التي يتم التعامل معها غالباً باعتبارها من الأمور المسلم بها، إلى الحد الذي قد تصبح معه غير مرئية ــ تجسد القواعد الرسمية وغير الرسمية المتأصلة في نظام السوق الذي يشكل ويقيد السلوك الفردي والاجتماعي. وهي تشكل النسيج الذي تتألف منه كل المؤسسات الإنسانية.

وتمتلك الأنظمة الاقتصادية المتقدمة شبكات بالغة التعقيد من العقود، مثل المشتقات المالية. ويزعم ليونهوفود أن هذا يعني بالنسبة لأوروبا نهجاً ذا شعب ثلاث يركز على "مستويات المديونية"، و"عدم توافق تواريخ الاستحقاق"، و"وضعية الشبكة" ــ وهذا يعني "مدى ترابطها وما يتواجد بها من العقد الحرجة التي هي أضخم من أن يُسمَح لها بالفشل بها". وهذا لأن "شبكة العقود اكتسبت بعض التناقضات الخطيرة". والإصرار على ضرورة الوفاء بكل العقود من شأنه أن "يؤدي إلى انهيار الأقسام البالغة الضخامة من الشبكة"، فضلاً عن "العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لا يمكن حساب أبعادها".

وعلى النقيض من هذا، تعمل الأسواق الناشئة مثل الصين وفقاً لأنظمة أقل تطورا، وتنشأ لديها روابط تعاقدية/مؤسسية أكثر تعقيداً بمرور الوقت، وخاصة من خلال المعاملات الخاضعة للعولمة. وفي ظل الاقتصاد الصيني الموجه فإن أغلب العقود تتم بين أفراد ودول، في حين نشأت عقود السوق الأكثر تطوراً أو عادت إلى النشوء على مدى الأعوام الثلاثين الماضية فقط. والواقع أن الاستخدام الواسع النطاق لعقود السوق مع شركات الملكية العامة كان بمثابة تكيف حديث ومهم في التحرك باتجاه "اقتصاد السوق الاشتراكي".

ولكن من الممكن أيضاً أن نفهم شبكة العقود باعتبارها أنظمة سوق متكيفة معقدة، وتشتمل أيضاً على علاقات الدولة والأسرة. ولكي نفهم اقتصاد السوق الاشتراكي في الصين، فمن الضروري أن ندرس بشكل منهجي هذه الأشكال المختلفة من العقود والهياكل المؤسسية.

عقود الأسرة والقرابة: التي تحكم الزواج، والتبني، والمعايشة، والميراث، إلى آخر ذلك من أشكال الوحدة الأساسية للمجتمع البشري. وهذه العقود هي الأكثر قِدَماً والتي تظل تشكل الأساس للعلاقات الاجتماعية في الصين اليوم.

عقود الشركات: التي تضع الشخص القانوني الساعي إلى الربح في قلب المعاملات وتربط بين كل أصحاب المصلحة فيها. ولقد سجلت عقود الشركات نمواً مضطرداً على مدى الأعوام الثلاثين الماضية، ولكنها تتميز بسمات خاصة تعكس الدور الأساسي الذي تلعبه المؤسسات المملوكة للدولة في الصين.

عقود السوق: التي تُبرَم بين المنتجين والمستهلكين ــ و/أو بين المنتجين في سلاسل التوريد ــ وتربط الأفراد، والأسر، والشركات، والحكومات، والمنظمات العامة عن طريق الأسواق المحلية أو العالمية. وفي العقود القليلة الماضية، بدأت الصين في ممارسة قانون حديث للعقود وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية، وألزمت نفسها بالقواعد الدولية التي تحكم التجارة والاستثمار.

العقود المدنية غير الحكومية وغير الساعية إلى الربح: والتي تربط الناس معاً في أنشطة طائفية ودينية واجتماعية وسياسية. ولا تزال هذه العقود جديدة نسبياً وخاضعة للتطور في الصين.

العقود الاجتماعية المنشأة بقوة القوانين الدستورية والإدارية: والتي تحدد صلاحيات ومسؤوليات الدولة وهيئاتها التأسيسية في مقابل الأفراد والقطاع الخاص. وهي تتضمن سلطة فرض الضرائب والقيود على الأفراد والكيانات الخاصة من خلال القوانين الجنائية والإدارية والمدنية، فضلاً عن التزام الدولة بتوفير المنافع والخدمات العامة. ولقد نجحت الصين في تعزيز قوة دولتها الوحدوية بتطعيمها بإبداعات مؤسسية مهمة أسفرت عن ازدهار النمو والطبقة المتوسطة، ولكنها لا تزال تحتفظ بالبنية الإدارة المؤلفة من مستويات خمسة ــ الحكومة المركزية على القمة، والهيئات على مستوي الأقاليم والمدن والبلدات والقرى عند القاعدة ــ والتي نشأت لأول مرة قبل ألفي عام.

إن فك رموز بنية شبكة العقود يشكل المفتاح إلى فهم الكيفية التي يتصرف بها أي اقتصاد، بما في ذلك تكيفه الديناميكي غير الخطي مع القوى الداخلية والخارجية. وعلى حد تعبير عالم الفيزياء فريتيوف كابرا، فيتعين على المرء أن ينظر إلى الكائنات الحية، والأنظمة الاجتماعية، والأنظمة البيئية باعتبارها أنظمة من التكيف المترابط المتكافل المعقد. وهذا يعني أننا لا ينبغي لنا أن ننظر إلى الاقتصاد والمجتمع من منظور هرمي جامد أو من منظور السوق الميكانيكية، بل باعتبارهما شبكات أو طبقات من الحياة، حيث تشكل العقود الرسمية وغير الرسمية، المحترمة أو المنتهكة، جوهر النشاط البشري. والواقع أن فحص شبكات العقود لابد وأن يكون شبيهاً بفحص عالِم الأحياء لبنية الخلية وحمضها النووي.

ولقد أنشأت الصين أربع سلاسل توريد عاملة حديثة وعالمية النطاق في مجالات التصنيع، والبنية الأساسية، والتمويل، والخدمات الحكومية، وذلك بفضل شبكة عقودها المتطورة، المتوسعة، والمعقدة. ولكن كيف تمكنت الصين من بناء قاعدة صناعية حديثة في غضون فترة زمنية قصيرة نسبياً باستخدام عقودها الأبوية الأسرية التقليدية وهياكلها الدستورية العتيقة؟

لقد تمكنت الصين من خلال التجريب والتكيف والتطور ــ وهي العملية التي وصفت بأنها "عبور النهر بتحسس الصخور" ــ من إنشاء نظام أعلى، أو سلسلة توريد خامسة لعملية صنع القرار السياسي. والواقع أن "هندسة الحكم العالية المستوى" هذه، كما تُعرَف الصين، كانت تشكل ضرورة أساسية لتنسيق وإدارة سلاسل التوريد المختلفة والشبكة الإجمالية من العقود من أجل إيجاد التوازن الدقيق بين الأهداف الفردية، والأسرية، والشركاتية، والاجتماعية، والوطنية.

وتماثل هندسة الحكم العالية المستوى هذه نظام تشغيل الحاسب الآلي، الذي يدير المكونا�� البرمجية والأجهزة المختلفة لتشكيل وحدة كلية. والواقع أن مثل هذا الهيكل موجود في العديد من الاقتصادات، ولكنه في السياق الصيني، حيث تلعب الدولة دوراً مركزياً في الاقتصاد، يشكل ضرورة أساسية لفعالية النظام. وتتوقف الهيئة التي يتخذها هذا الهيكل على الكيفية التي يؤثر بها تاريخ الصين، وثقافتها، وسياقها المؤسسي، وشبكة عقودها المتطورة على النسيج الاجتماعي للبلاد.

ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedNathan Coppedge

    The obvious correlation that may be cited in the article is the correspondence between information networks and social or business networks. But it seems, apart from a metaphor, these similarities are not bridged. There is a big difference between entities in an informational sense and entities in a cultural, social, or ambitious sense. Perhaps China's development is underwritten by a virtue such as public service or intelligence, but this is not made explicit in the article.

    How can business infrastructure resemble information functioning is a question that obviously businesses must face consistently. Yet, how much innovation is actually achieved in the information field, at a symbolic level? Should it be necessary to say that information-infrastructure development is un-symbolic? This would be like saying that economies are forged at the whim of some brute natural force, which I sense is not exactly what is being argued, defended, or put forth. What does it mean to have an economy that is shaped by symbolic forces? Perhaps this question would seem ridiculous to most businessmen and financiers or government officials, because they feel that they are above the subjectivity of the common opinion, and the common perspective, or the 'weak forces' which form the basis of simple (social) contracts and so on.

    Surely there is no 'magical force' which dictates that a business or institution must operate symbolically. Yet under a concept of kinetic information, and fair representation---aspects which subtly relate to economics, perhaps currently under no distinct umbrella of support---the nature of the modular citizen seems to be represented here, as an element of infrastructure and even information architecture. How does the individual gain symbolic representation in the economy? From my point of view, it seems that such a description or embodiment might be derived in some way from what you describe, or some local-scale variation, maybe an economic application, or some reflection of economics in the structure of informational computing. I will leave it at loose ends---perhaps economics relates to the structure of the citizen, and government and economics of some description should be biased to favor personal development. Some would assume this is already implemented---but it seems to me that somehow, in some way, citizens are not being treated as information.

    --Nathan Coppedge, philosophical writer

  2. CommentedProcyon Mukherjee

    A very stimulating article on creation of a web of contracts that also directs us towards how an institutional framework could be created around Innovation and I am infuenced by two papers as follows:

    The first is the Research paper: "China's innovation policies: Evolution, institutional structure, and trajectory", which gives a vivid detail of how China emerged into a leading player on innovation in the area of Science and Technology and the second the book, ‘Dragon at the Door’, is one other example how it has gone beyond the institutional framework to adopt innovative practices which even the Western nations could emulate.

    It is worthwhile to go through the 287 policies issued by the China’s central government agencies between 1980 to 2005 and 79 policies introduced thereafter which include financial, tax and fiscal measures to incentivize innovation. One of the fundamental observation has been the widening of focus from universities and technological institutions to all sectors of the economy that enhanced the creation and commercialization of new products and processes and services in economic activities. The top down trial and error through which the framework had moved laid down the foundation of the National Innovation System that had one single aim of moving from competitiveness to all round social welfare. It is truly a great learning for all how a State led centrally orchestrated policy making institutional framework could be created that went through a series of evolutions that encompassed all the constituents of a well crafted innovation framework that includes Science and Technology investment, tax stimulus, financial support, government procurement, talent, IPR creation and protection, education and S&T popularization, building of bases and platforms for S&T and innovation coordination.

    When we are talking of web, as in this article it is worthwhile to note how a market based system (the fundamental requirement for innovation to thrive in an economy) could evolve from within the centrally controlled system of governance where the only suffrage is limited to universal direct election at the village level.

    Procyon Mukherjee

Featured