Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

نكرات الصين

منذ عودة الألعاب الأوليمبية على يد بيير دي كوبرتين ، ظلت خاضعة للسياسة. فقد أقيمت الدورة الأوليمبية الأولى في العام 1896 في مدينة أثينا من أجل إحراج الأتراك الذين كانوا يحتلون شمال اليونان حتى ذلك الوقت. واحتفلت دورة برلين في العام 1936 بانتصار الإيديولوجية النازية. وفي العام 1988 فتحت دورة سيول الأبواب أمام تحول كوريا الجنوبية إلى الديمقراطية.

لن تكون دورة الألعاب الأوليمبية التي تستضيفها بكين هذا الصيف أقل خضوعاً للسياسة، ولكن هل تكون شبيهة بدورة برلين أو دورة سيول؟ هل تستغل كأداة لتمجيد وتأليه نظام استبدادي أم تؤشر إلى بداية زوال ذلك النظام؟

يراهن العديد من المراقبين المتفائلين، الذين لطَّفَت علاقاتهم الوثيقة بالنظام الشيوعي من آرائهم، على الانتقال التدريجي السلس من الاستبداد نحو المجتمع المفتوح. بيد أن الأحداث الأخيرة لا تدعم مثل هذه التأويلات الحميدة. فمنذ بداية هذا العام، كانت عمليات قمع الناشطين في مجال حقوق الإنسان، والمحامين، وأصحاب المدونات على شبكة الإنترنت أشد قسوة من أي وقت مضى.

لا أحد يعلم على وجه التحديد كم عدد المعارضين الديمقراطيين الذين سُـجِنوا أو كان مصيرهم أسوأ من السجن. ولا توجد أي وسيلة لإدخال الضحايا المجهولين ضمن الأعداد الحقيقية للضحايا، أو الأسباب الحقيقية وراء الحكم على بعض الضحايا بالإعدام. ولا ندري لماذا يُـرسَل العديد منهم دون محاكمة إلى "مراكز إعادة التربية". نحن مضطرون إذاً، في غياب الإحصائيات الجديرة بالثقة، إلى التركيز على اثنين من أبرز الشخصيات في حركة مناصرة الديمقراطية في الصين: هيو جيا و تشين غوانتشنغ .

في السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي لجأ عشرون من ضباط الشرطة إلى استخدام أشد أشكال العنف البدني في اعتقال هيو جيا أمام زوجته وطفله الذي لم يتجاوز عمره الشهرين، فتعاملوا معه وكأنه قد يحاول مقاومتهم. إلا أن هيو جيا شاب ضئيل الحجم في الرابعة والثلاثين من عمره، ويعاني من مرض عضال في الكبد. فضلاً عن ذلك فهو من أشد المؤمنين بنبذ العنف، ومن المعجبين بالدلاي لاما، ومن أتباع فكر المهاتما غاندي ، ومن أشد المخلصين للبوذية.

ما الذي يدفع الحزب الشيوعي الجبار إلى استخدام كل قوته لاختطاف ـ لا أجد تعبيراً أفضل لوصف ما حدث ـ مثل ذلك العدو الضئيل؟ يوجه إليه الحزب تهمة "التمرد والخيانة"، إلا أنه لم يخالف أي قانون، ولا يتزعم أي جيش ثوري مضاد، ولم يكن على وشك الإطاحة بالحزب.

الحقيقة أن أفعال هيو جيا السياسية كانت أكثر تواضعاً من هذا إلى حد كبير. ففي العام 2000 قرر ترك الدراسة في جامعة بكين حين عَـلِم أن الآلاف من فلاحي منطقة هينان يحتضرون بمرض الإيدز بعد أن باعوا دمائهم لتجار محليين. ومنذ بدأ ذلك الوباء في التفشي، كان نشاطه الرئيسي ينحصر في توزيع الأدوية وتقديم الدعم المعنوي بين قرى هينان المبتلاة بذلك القدر المشئوم.

لم تعمل السلطات المحلية على تيسير أعمال الخير التي كان هيو جيا يقوم بها هناك، رغم تحملها لبعض المسئولية عن تفشي ذلك الوباء؛ فضلاً عن ذلك، ومع حظر إنشاء الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية في الصين، فلم يكن بوسع هيو جيا إلا أن يعمل بمفرده. ولو كان قد سعى إلى إنشاء أي نوع من التنظيم لدعمه في تقديم أعمال الخير، لكان بذلك قد خالف القانون.

بيد أن تلك المأساة التي يعيشها ضحايا هينان جعلت هيو جيا يدرك أنها راجعة في الأساس إلى غياب حقوق الإنسان في الصين. لذا فقد أنشاء موقعاً على شبكة الإنترنت يعمل كغرفة دردشة بين الباحثين الصينيين الذين يشاركونه اهتمامه. كان ذلك الموقع، الذي أغلقته الحكومة الآن، قد نشر تقريراً عن مصير تشين غوانتشنغ .

تشين فلاح كفيف ومحام علم نفسه بنفسه، وكان قد تظاهر في العام 2005 احتجاجاً على اختطاف ثلاثة آلاف من النساء من مسقط رأسه في لين يي. كان هؤلاء النسوة قد أخضعن لعمليات تعقيم أو أرغمن على الإجهاض سعياً إلى مكافحة الزيادة السكانية في المنطقة. وحيث أن ذلك النوع من العنف المتطرف ينتهك القانون الصيني، فقد لجأ تشين إلى رفع التماس إلى الحكومة المركزية ـ وهو الشكل القانوني الوحيد من بين أشكال الاحتجاج في الصين. وبينما كان يحمل التماسه في طريقه إلى بكين، مصحوباً بمجموعة صغيرة من المحامين، اتُـهِم تشين بتعطيل حركة المرور على الطرق المكتظة وصدر بحقه حكماً بالسجن لمدرة أربعة أعوام.

ولكن تُـرى ما السبب الذي يجعل مثل هذه الأفعال المعتدلة، الراسخة في التقاليد الأخلاقية الصينية، تستفز مثل هذه التصرفات القمعية المتطرفة؟ فمن الواضح أن هيو و تشين يحترمان القانون. ولم يدْع أي منهما إلى العنف أو الثورة. الحقيقة أنهما يتحدثان إلى الصحافيين الأجانب الذين يرسلون التقارير عن أفعالهما؛ ومثل هذه الاتصالات ليست مخالفة للقانون.

ولكن يبدو أن شبح حادثة سوفييتية سابقة يطارد الحزب الشيوعي في الصين الآن. فلن يُـسمَح لأي صيني ممن هم على شاكلة ساخاروف أو سولجينيتسين بتلويث "نجاح" الحزب. إن سجن هيو جيا و تشن غوانتسنغ يشكل إشارة واضحة إلى عدم انطلاق أي عملية تحول نحو الديمقراطية في الصين خارج سيطرة الحزب.

حين يتحدث قادة الصين عن الديمقراطية في تصريحاتهم الرسمية، فهم يقصدون الديمقراطية "المنظمة"، من القمة إلى القاعدة. وأي محاولة للتحرك نحو الديمقراطية من جانب المجتمع المدني فلسوف تُـسحق في مهدها.

من الواضح أن الصين ليست على الطريق نحو الديمقراطية على الطريقة الغربية، ولن يعمل النمو الاقتصادي كمقدمة للمجتمع الحر ما دام بوسع الحزب أن يمنع ذلك. إن الطموح الحقيقي للنظام يتلخص في ابتكار بديل للديمقراطية الغربية: أو نوع من الاستبداد المستنير تحت وصاية الحزب الشيوعي وقادته من أهل "الجدارة". ومن المؤكد أن الألعاب الأوليمبية يجري تصميمها الآن بحيث تروج لذلك النموذج البديل.

ولكن ما مدى شرعية مثل ذلك النموذج؟ ربما يوافق أعضاء الحزب الذين يبلغ عددهم ستين مليون صيني، جميعهم تقريباً من الذكور وسكان المدن، وما يقرب من مائتي مليون صيني يشاركون في تقاسم الأرباح الناجمة عن النمو الاقتصادي السريع، على شرعيته. ولكن ماذا عن حوالي مليار من البشر الذين يعيشون في فقر مدقع (ثلاثمائة مليون منهم يعيشون بدخل يقل عن دولار أميركي واحد يومياً)، والذين حُـرِموا من أية حقوق، كيف ينظرون إلى مثل هذا الاستبداد المستنير؟ لا أحد يدري، إذ أنهم لا يستطيعون التعبير عن رغباتهم وأمانيهم.

ربما يمثل هيو جيا و تشن غوانتشنغ ذلك المليار الصامت أكثر مما يمثلهم الحزب. وقد يفسر لنا هذا السبب الذي دفع الحزب إلى سحق هذين الشخصين ـ والسبب الذي لابد وأن يدفع أي مشارك محترم في الألعاب الأوليمبية التي سيشهدها هذا الصيف إلى المطالبة بالإفراج الفوري عنهما.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.