Friday, August 22, 2014
3

تشيلي في الشوارع

سانتياجو – لقد سافرت الى كل مكان تقريبا في الاشهر الاخيرة حيث كان يتم توجيه نفس السؤال لي : لماذا يحتج طلاب تشيلي وعائلاتهم ؟

ان هذا سؤال جيد . ان تشيلي هي واحدة من اكثر دول امريكا الجنوبية تقدما وحتى الان اكثرها استقرارا ولكن في العشرين سنة الماضية تمكن شعبها من تحقيق نضج ووعي سياسي فهم يطالبون بحقوق جديدة ويرفضون قبول القيود العالقة من الماضي غير البعيد للبلاد والذي تميز بانعدام الديمقراطية ونتيجة لذلك فإن واحدة من اكثر دول المنطقة رخاءا قد اصبحت أقلها انسجاما وتوافقا .

لقد شهدت تشيلي في السنوات الممتدة من سنة 1990 وهي سنة استعادة الديمقراطية وسنة 2010 نمو اقتصادي سريع والذي ضاعف دخل الفرد بمقدار ثلاث مرات مما ساعد على  تخفيض الفقر من خلال سياسات موجهة وفعالة للغاية . لقد كانت ما نسبته اربعين بالمائة من التشيليين يعيشون تحت خط الفقر سنة 1990 ولكن بحلول سنة 2000 انخفضت هذه النسبة الى 22% و بحلول سنة 2010 الى 11% مع نسبة لا تزيد كثيرا عن 3% تعيش في فقر مدقع .

ان تشيلي اليوم هي مكان مختلف تماما عن تشيلي قبل عشرين عاما . ان نسبة التسعة والعشرين بالمائة من السكان والذين تركوا حياة الفقر قد اصبحوا اليوم طبقة متوسطة اولية بطموحات واهداف جديدة.

ونتيجة لذلك فلقد ارتفعت الاصوات المطالبة بالمزيد من الفرص وظروف حياة افضل فالتشيليون يريدون سكن مناسب وخدمات صحية افضل وبيئة اكثر امنا وامكانية الحصول على فرص تعليم عالي –وهو العامل الاكثر اهمية في التقدم الاجتماعي .

ان عدد الطلاب الجامعيين في تشيلي قد ارتفع من 200 الف الى 1،1 مليون خلال عقدين من الزمان وهذا يعني ان حوالي سبعة من كل عشرة طلاب جامعيين هم اول افراد من عائلاتهم يحصلون على تعليم عالي. لكن معظم الجامعات التشيلية هي جامعات خاصة والمعاهد العامة تفرض رسوما دراسية باهظة. ان المنح والقروض التي تضمنها الدولة متوفرة ولكنها غير كافية لتلبية الطلب المتزايد. ان هذا النقص قد اجبر الطبقة المتوسطة الجديدة على ان تقتصد وتوفر وتقترض من اجل تعليم ابنائها وهذا يفرض اعباء مالية ضخمة – والتي اصبحت لا تطاق بشكل متزايد- على الالاف العائلات.

ان هذا العبء قد ساعد في تأجيج الاحتجاجات والتي يبدو انها تؤشر لنهاية دورة سياسية بدأت مع استعادة الديمقراطية سنة 1990 وبلغت أوجها في انتخاب حكومة يمينية سنة  2010 لأول مرة منذ تنحي بينوشيه عن السلطة .

خلال العشرين سنة الماضية بما في ذلك الفترة من 1990 -1998 عندما احتفظ بينوشيه بمنصبه كقائد عام للجيش ، احتفظ حلفاءه من الجناح اليميني بقدرتهم على استخدام الفيتو ضد التشريعات وهكذا وبالرغم من الدعم الشعبي المحدود لليمين القديم فإن التقدم تطلب تقديم تسويات فيما يتعلق بالعديد من القضايا بما في ذلك القوانين التي دعمت الديمقراطية الحقيقية وذلك من اجل الحصول على موافقة اعضاء مجلس الشيوخ المعينين والذين دافع غالبيتهم عن مؤسسات بينوشيه.

ان النظام الانتخابي والذي يتم بموجبه انتخاب ممثلين اثنين عن كل منطقة يعني ان الاقليه لديها ميزة تفضيلية واضحة والعديد من التشيليين يطالبون بتغيير جذري من اجل الانتقال لنظام انتخابي نسبي.

لكن هناك دورة اقتصادية تشارف على نهايتها كذلك فدخل الفرد السنوي في تشيلي والذي يبلغ حاليا 15 الف دولار امريكي يتفوق على بقية امريكا اللاتينية ولكن كيفية توزيع ذلك الدخل اصبح اكثر أهمية من صعود مستوى الدخل ففي الدول الاغنى فإن مؤشرات الثروة الرئيسة لم تعد تحدد من خلال النمو في دخل الفرد ولكن هناك ايضا عوامل اجتماعية واقتصادية تؤثر على المساواة وانعدامها.

اخيرا ، يوجد هناك دورة سياسة اجتماعية شارفت على نهايتها ايضا وهي سياسة حاولت اخراج الفقراء من دائرة الفقر وذلك من خلال الدعم والمخصصات المباشرة ولكن هذا لم يعد كافيا فمن اجل التقدم اجتماعيا اليوم يجب على الاصلاحات المالية ان تمول الخدمات المالية الجديدة والتي تطالب بها الطبقة المتوسطة. ان هذا يعني ان ما تحتاجه تشيلي في الاساس هو نظام مالي يقلل من انعدام المساواة.

ان كل هذا يفسر لماذا تشهد تشيلي والتي كانت تشكل نموذجا يحتذى به للدول المجاورة والتي تمر بمرحلة انتقالية ،  مثل هذه الاضطرابات . ان تشيلي هي دولة مستقرة في الاساس حيث تمكنت السلطات من ادارة المالية العامة بشكل مسؤول ومنذ سنة 2000 اتبعت سياسة اقتصادية عامة تتعامل بموجبها مع التقلبات الاقتصادية كما قامت الحكومة بشكل لا هوادة فيه بالتحقيق في جميع انتهاكات حقوق الانسان التي حصلت خلال فترة حكم بينوشيه.

لكن التشيليون اليوم لديهم نظرة اوسع للعالم حيث ان الشبكات الاجتماعية قامت بتمكينهم بشكل افضل وهم يستخدمون الانترنت كمنبر من اجل المطالبة بالمزيد من المشاركة في الشؤون العامة . ان هولاء السكان هم الموجودون في الشوارع والذين يطالبون بالتغيير ويرفضون الليبرالية الجديدة بما تتضمنه تلك الليبرالية من تحرر وفشل في حماية الضعفاء من سوء استخدام السلطة.

هل ستكون الطبقة السياسية سواء في الحكومة او المعارضة بالنضج الكافي لفهم ان دورة من السياسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي استغرقت عقدين من الزمان قد شارفت على نهايتها وان البلاد بحاجة الى نظرة جديدة للمستقبل ؟ أنا وغيري من الاشخاص الذين تولوا مناصب عامة يأملون بذلك فنحن نريد تشيلي ان تستمر كمنارة للتقدم الحقيقي في المنطقة وغيرها من الاماكن .

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedMike Muller

    This is a watered-down 'vanilla' explanation of the real cause of the unrest. The real cause is that the Chilean system is offering sub-prime education at a high cost, essentially the same phenomenon that happened in the real estate bubble in the US. Chilean students and their families realize this. The system has been and continued to be fundamentally rigged, and is not sustainable (metal commodities boom notwithstanding).

  2. CommentedMike Muller

    While it is true that more young Chileans are getting tertiary level education, this progress is flawed because of two related structural weaknesses. First, the quality of students is generally low because of poor primary and secondary education. Second, the growth in the tertiary student education is based on a -from a national perspective- flawed business model that seeks to maximize profit of the owners of educational institutions at the expense of quality of the educational service provided.

  3. CommentedFrank O'Callaghan

    The fundamental truth is that Human Rights are good for the Economy. Democracy and equality are the most productive forces in any society. Power imbalances almost always redistribute wealth. The question is merely to whom they distribute and from whom they take.

Featured