Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

تغيير أفريقيا من الداخل

روما ـ إن جنوب السودان مهدد في الوقت الحالي بأزمة غذائية حادة. وفي شرق أفريقيا حيث أصبح الملايين من الناس معتمدين بالفعل على المساعدات الغذائية، بات الارتفاع الحاد في تكاليف زراعة المحاصيل الأساسية يلوح في الأفق.

وهذا ليس سوى أحدث مصدر من مصادر القلق في هذه الفترة المضطربة التي بدأت قبل عامين حين ضرب نقص المواد الغذائية العديد من البلدان في أفريقيا وآسيا نتيجة لارتفاع حاد في الأسعار على مستوى العالم. وكان ارتفاع أسعار الغذاء يعني أن الفقراء من الناس، والذين يناضلون بالفعل من أجل تلبية احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، أصبحوا أشد فقراً. وفي أعقاب ارتفاع أسعار الغذاء العالمية جاءت الأزمة المالية العالمية، والتي كانت أشد ضرباتها موجهة إلى أفقر فقراء العالم.

إن الزراعة تمثل صاحب العمل وخالق فرص العمل والسبيل الرئيسي إلى التصدير في أغلب البلدان النامية. وتاريخياً، كانت الزراعة بمثابة المحرك للأداء الاقتصادي في العديد من البلدان، فولَّدَت النمو الذي تبين أنه كان أكثر فعالية بضعفين على الأقل من النمو في أي قطاع آخر في الحد من الفقر. وعلى هذا فإن الاستثمار في الزراعة والتنمية الريفية يشكل أهمية حيوية للأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية المستدامة.

والواقع أن الغالبية العظمى من البلدان المتقدمة اليوم تمكنت من تحقيق النمو على أساسٍ زراعيٍ قوي، حيث عمل الفائض في الإنتاج على توليد الثروات والرواج. وهذا ما يحدث اليوم في فيتنام، وهو المسار الذي سلكته الصين والهند في طريقهما نحو التحول إلى محركين للنمو الاقتصادي.

إن الفقر سمة غالبة في الريف. فعلى المستوى العالمي سنجد أن ثلاثة أرباع الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع يقيمون في المناطق الريفية ويعتمدون على الزراعة والأنشطة المتصلة بها لكسب معايشهم. وفي البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا يعيش نحو 380 مليون طفل وامرأة ورجل على أقل من 1,25 دولار يومياً لكل منهم.

إن من يعانون من سوء التغذية والجوع كثيرون. ولكن في وجود ما يقرب من ثمانين مليون مزرعة صغيرة في بلدان أفريقيا الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى تنتج حوالي 80% من السلع الزراعية، فإن المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة يلعبون دوراً رئيسياً في حل الأزمة المالية والأزمة الغذائية وإطلاق العنان لطاقات أفريقيا في إطعام نفسها.

ومن أجل انتشال الناس من براثن الفقر وضمان الأمن الغذائي فإن الأمر يتطلب جهوداً متواصلة لتنمية الزراعة في أفريقيا والبنية الأساسية المرتبطة بها ـ ولا سيما الطرق والاتصالات والطاقة ـ واللازمة لإطلاق العنان للطاقات الزراعية. والواقع أن تعزيز الزراعة يشكل الاستثمار الأفضل في أي بلدٍ أفريقي.

ولقد أقرت البلدان الأعضاء في الاتحاد الأفريقي بهذه الحقيقة في عام 2003 في مابوتو بموزمبيق، فتعهدت بزيادة الإنفاق على الزراعة إلى 10% على الأقل من الميزانيات الوطنية. ورغم أن ثمانية بلدان حققت ذلك الهدف أو تجاوزته، فإن القارة ككل لم تفعل بعد.

بيد أن بلوغ هذا الهدف لا يكفي. بل لابد وأن تعمل الحكومات على خلق البيئة السياسية الملائمة للسماح بالاستثمارات المناسبة في الأبحاث والتنمية بهدف تعزيز الإنتاجية وزيادة الإنتاج.

يتعين على الاستثمار في الزراعة في أفريقيا أن يركز على خلق قطاع نشط من أصحاب الحيازات الصغيرة. وهو قطاع ريفي نشط وقادر على توليد الطلب المحلي على السلع والخدمات المنتجة محلياً. وهذا بدوره من شأنه أن يحفز النمو المستدام في تشغيل العمالة غير الزراعية في قطاع الخدمات، وتجهيز المنتجات الزراعية، والصناعات التحويلية على نطاق صغيرة. وهذا يشكل أهمية حاسمة فيما يتصل بتوفير فرص العمل في المناطق الريفية، والتي من دونها سوف يضطر الشباب الريفي الفقير إلى الابتعاد عن مجتمعاتهم بحثاً عن فرص العمل في المدن.

إن الزراعة على نطاق صغير في أغلبها تشكل نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الأفريقية الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى، ونحو 40% على الأقل من قيمة صادرات هذه البلدان. وفي عددٍ من البلدان الصغيرة في أفريقيا تلعب الزراعة دوراً أعظم، حيث تشكل 80% أو أكثر من عائدات التصدير.

وسوف تظل الطاقات الكامنة في هذه الأرقام غير مستغلة ما لم تضع البلدان الأفريقية السياسات السليمة اللازمة لمساعدة الزراعة على النمو والازدهار. ولكن تحول الزراعة الأفريقية لن يحدث ما لم يشارك القطاع الخاص بشكل كامل في الإنتاج الزراعي، وتصنيع المنتجات الزراعية، وتسويقها. ويتعين على الحكومات أن تبادر إلى تلبية رغبات المستثمرين حتى تتمكن من جذب المزيد من الاهتمام من جانب القطاع الخاص.

وعلى نطاق أوسع، يتعين على البلدان الأفريقية أن تعيد ترتيب البيت على المستويين السياسي والاقتصادي. فلابد وأن تستمر في تعميق أسس الديمقراطية وضمان الاستقرار السياسي الذي يشكل أهمية حاسمة للنمو الاقتصادي. ومن الأهمية بمكان أيضاً أن تستمر بلدان أفريقيا في تحسين الأنظمة اللازمة لخلق وتمكين البيئة القادرة على تعزيز النمو الريفي النشط من أجل تحويل المزارعين الذين يعملون الآن من أجل سد رمقهم إلى أصحاب مشاريع.

والواقع أن النساء يحملن المفتاح إلى تحقيق الأمن الغذائي، وذلك نظراً لدورهن المركزي، ليس فقط كأمهات وراعيات للأسر، بل وأيضاً كمزارعات. ولهذا السبب فإن أي أمة لا توفر الفرص للنساء لن تتمكن من تحقيق طاقاتها الكاملة. ولابد من تحقيق تقدم ملموس في أفريقيا في سبيل تمكين النساء وترسيخ مكانتهن في المجتمع ـ وخاصة فيما يتعلق بملكية الأرض والحصول على الائتمان.

أخيراً، ورغم أن الاستثمار في مساعدات التنمية يشكل السبيل الرئيسي لدعم التقدم في أفريقيا، فإن الدول لابد وأن تتولى في النهاية زمام المسؤولية عن تنمية نفسها. ولا شك أن أي أمة أو أي شعب لن يتمكن أبداً من تحقيق النمو بالاتكال على المساعدات الخارجية فقط.

وهذا يعني أن تنمية أفريقيا لابد وأن تكون نابعة من أفريقيا ذاتها، وبأيدي الأفارقة، ومن أجل الأفارقة. فكل شجرة وكل نبتة لابد وأن تضرب بجذورها عميقاً في تربتها لكي تزدهر. والتغيير ليس من الممكن أن يُفرَض من الخارج، بل لابد وأن يزرع في الداخل.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured