نظراً لعملي كأستاذ جامعي، أستمع إلى الكثير من المخاوف المتعلقة بالمستقبل المهني. ومع استعداد تلامذتي للدخول إلى معترك الحياة العاملة لفترة قد تزيد على الخمسين عاماً من من سنوات عمرهم القادمة، فإنهم يحاولون جميعاً أن يتحلوا ببصيرة الأنبياء في اختيار المهارات التي يتعين عليهم الاستثمار في تنميتها. وإذا ما وقع اختيارهم على مهنة قد تنحدر خلال نصف القرن القادم، فلسوف يندمون على ذلك حيث لا ينفع الندم. وهم يدركون أن تغيير المرء لمهنته في منتصف العمر أمر بالغ الصعوبة، لذا فهم يرغبون في التوصل إلى الاختيار الصائب وهم ما زالوا في ريعان الشباب.
ومما حدثني به تلامذتي أستطيع أن أجزم بوجود شعور واسع الانتشار بينهم بالخوف من "تحول الوظائف إلى سلع استهلاكية" في ظل الاقتصاد العالمي الحديث الذي تحركه تكنولوجيا المعلومات. ويصور لهم خوفهم أن حتى استئجار أصحاب المهارة في المهن المختلفة أو الاستغناء عن خدماتهم في المستقبل قد يكون مبنياً على أسس عشوائية، فيباعون ويشترون وكأنهم أطنان من النحاس أو أكياس من الطيور المجمدة. وهذا بالتالي لابد وأن يؤثر سلباً على الرضا الوظيفي للعامل. ذلك أن الوظيفة إذا كانت لا تتطلب أكثر من الإلمام بتكنولوجيا قائمة، فقد يستطيع أن يشغلها أي شخص من أي مكان من العالم ما دام قد تعلم هذه التكنولوجيا وأتقنها، بل والأسوأ من ذلك أن أي حاسب آلي قد يشغل مثل هذه الوظيفة.
فعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن أجهزة الحاسب الآلي سوف لن تحل إلا محل أصحاب الوظائف التي لا تتطلب قدراً كبيراً من المهارة، إلا أن تلامذتي ذكروني بما قد ينفي هذا الاعتقاد تماماً. فالخبرات الطبية على سبيل المثال يتم الاستعاضة عنها على نحو ما بأنظمة تشخيصية قائمة على تكنولوجيا الحاسب الآلي (أنظمة خبيرة)، وعلى نحو مماثل، يستعاض الآن عن قدر كبير من العمل الذي تعود المهندسون على القيام به، بأنظمة التصميم المعززة بالحاسب الآلي (CAD). ويخشى تلامذتي أن تستمر مثل هذه التوجهات فتؤدي إلى تقليص الشعور بالأمان الوظيفي، وتخفيض معدلات الأجور، بل وإلغاء بعض الوظائف بالكامل.
لقد استنتج بعض التلامذة، بعد أن أدركوا أنهم من الأفضل لهم أن يبيعوا ويَـشتروا على أن يباعوا ويُـشتروا، أنهم لابد وأن يتدربوا على وظائف مرتبطة بالأعمال التجارية، والتمويل، أو ربما القانون. إنهم يرغبون في اكتساب تلك الأنواع من المهارات التي من شأنها أن تضمن لهم الحصول على مكان بين المديرين وليس بين المرؤوسين. ويستشعر بعضهم قدراً أعظم من الأمان الوظيفي والمستقبل المهني الواعد في مثل هذه المجالات على المستوى الدولي. ولكن في المقابل، كثيراً ما ينظر تلامذتي إلى المهن مثل الطب أو الهندسة ـ التي تتطلب معرفة تكنولوجية على قدر كبير من التخصص إلى الحد الذي لا يسمح لهم بالخروج بمثل هذه المعرفة إلى المجتمع الدولي ـ باعتبارها عرضة على نحو خاص للتحول إلى "سلع استهلاكية".
تُـرى هل ينبغي عليهم حقاً أن ينزعجوا بشأن تحول الوظائف والمهن إلى سلع استهلاكية؟ لقد أدرك خبراء الاقتصاد في مجال العمالة بعض الميول التي قد تؤدي إلى تعزيز مثل هذه المخاوف، لكن هذا لا يدعم النتائج التي يميل التلامذة إلى التوصل إليها.
في كتاب صدر مؤخراً من تأليف خبيري الاقتصاد فرانك ليفي وريتشارد مورنين تحت عنوان "التقسيم الجديد لفئات العمالة: كيف تعمل الحاسبات الآلية على صياغة سوق الوظائف القادم"، يستخدم الكاتبان أوصافاً للوظائف ترجع إلى ستينيات القرن العشرين، ويصنفان الوظائف بحرص تبعاً لنوعية المهارات الإدراكية التي تتطلبها كل وظيفة. ولقد أظهرا اهتماماً خاصاً بتعريف الوظائف الروتينية التي يمكن من حيث المبدأ أن يتولى القيام بها حاسب آلي جيد البرمجة، حتى وإن كانت هذه الوظائف على قدر كبير من التعقيد والصعوبة. ثم يسوق الكاتبان من الولايات المتحدة الأدلة التي تؤكد أن الوظائف التي تتضمن عملاً يدوياً روتينياً، أو عملاً يعتمد على الإدراك لكنه روتيني، أصبحت أقل توفراً خلال العقود الأخيرة بصورة واضحة، وأن أجهزة الحاسب الآلي تميل حقاً إلى الحلول محل مثل هذه الوظائف.
في جانب عظيم الأهمية من جوانبه يؤكد بحث الكاتبين أن تلامذتي على حق في مخاوفهم. لكن هذه الميول تكون أكثر بروزاً داخل إطار المهن، والصناعات، والمستويات المختلفة للتحصيل التعليمي، فتوفر بهذا قدراً ضئيلاً من الإرشاد والتوجيه فيما يتصل باختيار المهنة أو مدى التحصيل التعليمي اللازم للانخراط في مهنة ما. والقضية المهمة في هذا السياق، وفقاً لرأي ليفي ومورنين، تتلخص في أن أغلب المهن الواعدة في المستقبل سوف تقتصر على تلك المهن المبنية على التفكير القائم على الخبرة أو مهارات الاتصال المعقدة.
فالتفكير القائم على الخبرة يعني فهم كيفية التعامل مع المشاكل الجديدة والمختلفة التي لا تتناسب مع القوالب العتيقة للمشاكل القديمة. أما مهارات الاتصال المعقدة فهي تستلزم الفهم الجيد للأفكار، والقدرة على تقييم المغزى الاجتماعي لهذه الأفكار، والإقناع ـ وهي مهام لا يستطيع حاسب آلي أن يضطلع بها.
وما دام الشباب يوجهون جهودهم تبعاً لهذا المنظور، فسوف يصبح بوسعهم أن يكتسبوا هذه المهارات في أيٍ من المناهج الرئيسية التي توفرها الدراسة الجامعية. فضلاً عن ذلك، فمن الخطأ أن يتصور هؤلاء الذين يرغبون في تكريس سنوات الدراسة الجامعية لاكتساب المهارات الفنية في مجالات تخصص ضيقة، أنهم لابد وأن يتخلوا عن أحلامهم المهنية. فالتخصص في مجالات مثل التجارة أو التمويل أو القانون لا يحمي بالضرورة مهنة المرء من التحول إلى سلعة استهلاكية. ذلك أن العاملين في هذه المجالات يباعون ويشترون من قِـبَل مديري الشركات بقدر ما يباع العاملين في الحقول الفنية. والحقيقة أن لا أحد يتمكن من بلوغ مناصب القمة في عالم المال والأعمال إلا بشق الأنفس.
من الأهمية بمكان أن يتذكر التلامذة أمراً واحداً، ألا وهو أنهم لابد وأن يحرصوا على تحفيز أنفسهم دوماً نحو بلوغ أقصى درجات الفهم المتعمق لما يدرسونه من علوم، وليس مجرد استظهار المواضيع غيباً. ذلك أن الفهم المتعمق ضرورة من ضرورات اكتساب القدرة على تلبية متطلبات النجاح الحقيقي في أي مجال يختارون في النهاية متابعته. وفي ذات الوقت، يتعين عليهم أن يستثمروا في اكتساب مهارات الاتصال التي ستكون على نفس القدر من الأهمية لمستقبل مهني ناجح.
إن تحصيل مثل هذه النوعية من التعليم يعني ضرورة متابعة التحصيل في المجال الذي قد يجد المرء في نفسه ميلاً طبيعياً إليه واهتماماً به، أياً كان ذلك المجال. ولذلك، يتعين على التلامذة أن يكفوا عن الانزعاج والقلق، وأن ينهمكوا في أي مجال يحبونه، وأن يتعلموا احترام وتقدير العاملين في ذلك المجال. ولابد وأن يدركوا أن ما قد يبدو لهم وكأنه رفاهية لا يملكون الحصول عليها هو في واقع الأمر ضرورة لا يملكون رفضها أو التراخي في ملاحقتها.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.