Saturday, October 25, 2014
2

سرطان بالأرقام

فيلادلفيا ــ من الصعب أن ينقل إلى جمهور كبير الحس بالمخاطر الطبية، وخاصة عندما تتضارب التوصيات الرسمية مع السرد العاطفي. ولهذا السبب كانت استجابة الجماهير غاضبة ملتبسة عندما قدم فريق مهام الخدمات الوقائية في الولايات المتحدة في عام 2009 دليل الكشف عن سرطان الثدي، الذي أوصى بالابتعاد عن الفحص الروتيني على النساء في الأربعينات اللاتي لا تظهر عليهن أعراض، كما أوصى بتصوير الثدي بالأشعة السينية كل سنتين بدلاً من كل سنة للنساء فوق سن الخمسين.

وبوسعنا أن نجد المفتاح لفهم هذه الاستجابة في منطقة غامضة بين الرياضيات وعلم النفس. إن عدم ارتياح الناس إزاء هذه النتائج نابع إلى حد كبير من حدس خاطئ: فإذا كان الفحص المبكر والأكثر تكراراً يزيد من احتمالات استكشاف السرطان الذي قد يكون قاتلا، فهذا يعني أن المزيد من الفحص أمر مرغوب دوما. وإذا كان المزيد من الفحص كفيل باكتشاف سرطان الثدي في النساء في الأربعينات اللاتي لا تظهر عليهن الأعراض، ألن يكون كفيلاً أيضاً باكتشاف السرطان في النساء في الثلاثينات؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا إذن لا بدأ تصوير الثدي بالأشعة السينية في سن خمسة عشر عاما؟

الإجابة بالطبع هي أن مثل هذا الفحص المكثف من شأنه أن يتسبب في أضرار تفوق نفعه. ولكن تحقيق التوازن الصحيح أمر بالغ الصعوبة. ومن المؤسف أنه ليس من السهل أن نزن مخاطر سرطان الثدي في مقابل التأثيرات التراكمية للإشعاع نتيجة لتصوير الثدي بالأشعة عشرات المرات على مر السنين، وصعوبة عملية اختزاع عينة من الأنسجة، والتأثير الضار الناجم عن علاج الأورام البطيئة النمو والتي قد لا يثبت أبداً أنها قاتلة.

ومؤخراً أصدر فريق مهام الخدمات الوقائية في الولايات المتحدة تحذيراً أكثر وضوحاً بشأن اختبار استحثاث الاستجابة المناعية النوعية في البروستاتا لاستكشاف سرطان البروستاتا، بعد أن توصل إلى أن الأضرار الناجمة عن هذا الاختبار تفوق الفوائد المترتبة عليه. كما تلقى تصوير الصدر بالأشعة السينية لاستكشاف سرطان الرئة واختبار الكشف عن سرطان عنق الرحم انتقادات مماثلة وإن كانت أقل حِدة.

وفي العام الماضي، اتخذت الخطوة التالية في إعادة تقييم فحص السرطان، عندما أعلن الباحثون في معهد دارتموث للسياسة الصحية أن التكاليف المترتبة عن الكشف عن سرطان الثدي كانت تقدر عادة بأقل حجمها الحقيقي، وأن الفوائد المترتبة عليه مبالغ في تقديرها. والواقع أن حتى تصوير الثدي بالأشعة (والذي يجرى أربعين مليون مرة سنوياً في الولايات المتحدة) الذي يستكشف السرطان لا ينقذ الحياة بالضرورة.

فقد توصل الباحثون في دارتموث إلى أنه من بين نحو 138 ألف حالة إصابة بسرطان الثدي تكتشف سنوياً في الولايات المتحدة، لم يساعد هذا الكشف من 120 ألف إلى 134 ألف من الحالات المصابة. فالسرطان إما كان من نوع بطيء النمو للغاية حتى أنه ما كان ليمثل أي مشكلة، وإما أنه كان قابلاً للعلاج بنجاح حتى لو اكتشف سريرياً في وقت لاحق (وإما أن السرطان كان شديداً بحيث لم يكن من الممكن القيام إلى بأقل القليل لعلاجه).

وتشكل مسألة القياس سبباً آخر للمخاوف. فما دامت مدة بقاء المريض على قيد الحياة تحسب بداية من وقت التشخيص، فإن المزيد من الفحوصات الحساسة يعني تشغيل ساعة التوقيت في وقت أقرب. وبالتالي فإن فترات البقاء قد تبدو أطول، حتى ولو لم يكن للتشخيص المبكر تأثير حقيقي على احتمالات البقاء.

وبطبيعة الحال، تملي الحالات الفردية أي الفحوصات والعلاجات هي الأفضل، ولكن من المخاوف الإضافية حول الفحوصات المتكررة مشكلة الاستكشاف الإيجابي الكاذب. فعندما يبحث المرء عن شيء نادر نسبيا (سواء كان السرطان أو الإرهابيين)، فمن الحكمة أن يتذكر أن النتيجة الإيجابية قد تكون زائفة في الكثير من الأحيان. فإما أن الخاصية المرضية "المستكشفة" لا وجود لها، وإما أنها ليست من النوع الذي قد يقتلك.

ولنتأمل هذا المثال الافتراضي التالي. إذا افترضنا أن اختبار الكشف عن نوع معين من السرطان دقيق بنسبة 95%، فهذا يعني أنه إذا كان شخص ما مصاباً بالسرطان، فإن نتيجة الفحص سوف تكون إيجابية في 95% من مرات الفحص. ثم لنفترض أنه إذا لم يكن شخص ما مصاباً بالسرطان، فغن الاختبار سوف يكون إيجابياً في 1% فقط من مرات الفحص. وأخيرا، لنفترض أن 0,5% من الأشخاص ــ واحد بين كل 200 ــ مصاب بالفعل بهذا النوع من السرطان. فإذا أخبرك طبيبك بأن نتيجة فحصك كانت إيجابية، فهل يعني هذا أنك من المرجح أن تكون مصاباً بالسرطان؟ من المدهش أن الإجابة هي كلا.

بالاستعانة بالقليل من الحسابات نستطيع أن نعرف السبب وراء هذه الإجابة. لنفترض أن جهة ما تجري مائة ألف فحص. في المتوسط سوف يكون 500 شخص مصاب بالسرطان بالفعل. وبما أن 95% منهم سوف تأتي نتيجة فحصهم إيجابية، فإن هذا يعني 475 فحصاً إيجابياً في المتوسط. وبين الأشخاص غير المصابين بالسرطان (99500)، فإن 1% سوف تأتي نتيجة فحصهم إيجابية، وهذا يعني 995 حالة إيجابية كاذبة من بين 1470 اختبار إيجابي. أو بعبارة أخرى، حتى إذا أتت نتيجة فحصك لاستكشاف السرطان إيجابية، فإن احتمالات إصابتك به حقاً لا تزيد عن 32%.

إن هذه الإجابة منافية للمنطق بكل تأكيد، ومن ثَم فإن رفضها أمر سهل للغاية.  إن أغلب الناس لا يفكرون في الاحتمالات غير "50-50" و"واحد في المليون". ولكن أياً كانت الاحتمالات فإن الحقيقة تظل أن نسبة الفحوص الإيجابية الكاذبة سوف تظل مرتفعة عموماً عندما نستكشف الحالات النادرة. فضلاً عن ذلك فإن المرضى الذين يتلقون هذا التشخيص الخاطئ سوف يتلقون عادة المزيد من العلاجات، التي سوف تؤدي غالباً إلى عواقب ضارة.

إن الانحراف الإدراكي الناتج عن ميل الناس إلى تخمين احتمالات حدوث ظاهرة ما من خلال مدى سهولة تبادر مثال لها إلى الذهن يؤدي عادة إلى حجب القضية الحقيقية. فالناس يتواصلون مع صديق يحتضر بسبب السرطان بسهولة أكبر من تفاعلهم مع إحصاءات عن أغراب يعانون من العواقب الضارة المترتبة على اختبارات الفحص.

ولكن خلاصة القول هنا هي أن إعادة التقييم الجارية للكشف عن السرطان قائمة على أدلة واضحة. فعندما يتعلق الأمر بوضع السياسات فإن القرارات لابد أن تقوم على حقائق وحجج وليس على حكايات وقصص، أياً كانت درجة الإقناع التي تحملها هذه الحكايات.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

Featured