Monday, September 1, 2014
0

هل يمكننا تنظيم المخاطر الشاملة؟

ميلانو ـ في غضون العامين الماضيين أصيب الاقتصاد العالمي بنوبتين خطيرتين من انعدام الاستقرار المالي والتغيرات المفاجئة في ديناميكيات السوق. ومن المرجح أن نشهد المزيد، وذلك لأن الاقتصاد العالمي يفتقر إلى التوازن في العديد من الجوانب في ظل محاولات التعافي من الأزمة، وخاصة فيما يتصل بالديون السيادية وهيكل الطلب العالمي.

إن المخاطر الشاملة (التي تهدد النظام بالكامل) تحرك أغلب الأزمات، وتشكل تحدياً لعدة أسباب. الأول أن استكشافها عن يقين ليس بالأمر السهل، بل إن إثباتها أكثر صعوبة. والثاني أن توقع التوقيت الدقيقة للنقطة الفاصلة (حين تنفجر الفقاعات، وتنغلق الأسواق، ويتجمد الائتمان) أمر يتجاوز قدراتنا ومن المرجح أن يظل كذلك. والسبب الأخير أن الأزمات لا تشكل حدثاً خطياً وحيد البعد، وهو ما يعني أنها تحدث من دون إنذار مسبق.

ويفرض التفشي الدولي لعدم الاستقرار تكاليف اجتماعية باهظة على هؤلاء الذين لم يسهموا إلا بأقل قدر في إحداثه. وإذا تكرر هذا النمط فقد يؤدي إلى تآكل الثقة في الأسواق المالية والأجهزة التنظيمية، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى فرض قيود تنظيمية خرقاء، وتوسع دور الدولة، والتراجع عن العولمة.

ولكن المشكلة أشد خطورة. فالأزمة المالية والاقتصادية تتحول إلى أزمة ديون سيادية في البلدان المتقدمة. وقد يؤدي خلل التوازن المالي والاقتصادي إلى خلل ضريبي خطير، وذلك بسبب انحدار العائدات الضريبية وارتفاع تكاليف الضمان الاجتماعي والإنفاق على عمليات الإنقاذ. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن ما يقرب من 75% من "الحوافز المالية" في البلدان المتقدمة لا يشتمل على تدابير غير تقديرية في مواجهة التقلبات الدورية.

إن الاختلال المستتر في التوازن والمخاطر الشاملة تجعل السياسات الضريبية تبدو وكأنها حكيمة رغم أن العكس هو الصحيح. على سبيل المثال، لم تكن أسبانيا تعاني من عجز ضريبي وهي تتجه نحو الأزمة. ولكن عائداتها ونفقاتها كانت محددة جزئياً بفعل فقاعة عقارية تتسم بفرط الاستعانة بالروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة).

ومن الممكن أن يؤدي الخلل المتطرف في التوازن إلى فخ النمو حيث يخلف الدمج الضريبي تأثيراً سلبياً ضخماً على النمو. ولعل حالة اليونان تشكل هنا مثالاً واضحا. فالسبيل الوحيد لخروج اليونان من أزمتها في نهاية المطاف يتلخص في إعادة تقييم الديون من خلال إعادة الهيكلة أو التضخم.

وإذا كانت المجازفة الشاملة قادرة على إحداث هذا النوع من الخلل المتوالي في التوازن، فلابد وأن تكون الجهات "السيادية" في حالة تأهب، وقادرة على رصد المخاطر الشاملة المتصاعدة واتخاذا الإجراءات التصحيحية في وقت مبكر.

والواقع أننا نوشك على الحصول على مجموعة شاملة من إعادة القيود التنظيمية التي تركز على متطلبات رأس المال، والاستعانة بالروافع المالية، والشفافية، وتصنيفات التقييم وغير ذلك من مصادر المعلومات، والحوافز، وتضارب المصالح، والقيود على نطاق عمل الشركات المالية، وحماية المستهلك، وآليات اتخاذ القرار. ويحدونا الأمل هنا أن تنجح هذه الإصلاحات في الحد من احتمالات حدوث المخاطر الشاملة وشدتها.

ولكن هذا لا يعالج مسألة الخلل في التوازن العالمي، والعوامل الأخرى التي قد تؤدي إلى عدم الاستقرار ودلالاته. فضلاً عن ذلك، وكمكمل لإعادة فرض القيود التنظيمية، فنحن في احتياج إلى وسيلة لرصد المخاطر الشاملة.

بيد أن بعض المشرعين والمحللين البارزين يزعمون أن أي جهد إشرافي يرمي إلى تحديد ومنع المخاطر الشاملة هو في الواقع جهد عقيم. وفي ظل النماذج المنقوصة لديناميكيات المجازفة والنظام المالي العالمي المعقد الدائم التغير، فإن استكشاف المخاطر الشاملة طبقاً لمزاعمهم إما أن يكون مستحيلاً أو شديد التعرض للخطأ إلى الحد الذي يجعل هذه الجهود هدّامة. فضلاً عن ذلك فإن التعرف على فقاعات الأصول بأي قدر من اليقين أمر بالغ الصعوبة.

وإذا كان المتشككون على حق فيتعين علينا أن نتقبل حقيقة مفادها أننا سوف نجد أنفسنا بشكل دوري خارج التوازن المالي والضريبي من دون أن ندرك ذلك مسبقا. لذا فيتعين علينا أن نتقبل أيضاً احتياجنا إلى قدر من التعديل الضريبي أعظم كثيراً مما كنا نتخيله ضرورياً حتى قبل ثلاثة أعوام.

ومن الناحيتين الإحصائية والنظرية من عملية اتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، فإن الوقوع في الأخطاء أمر حتمي. وهناك نوعان من الأخطاء: الأول يتلخص في رفض اقتراح سليم؛ والآخر يتمثل في قبول اقتراح خاطئ.

ويمكننا إذن أن نحدد المشكلة في إطار السؤال التالي: في سياق الكشف عن المخاطر الشاملة والاستجابة لها، فأي النمطين من الخطأ من المرجح أن يكون أعلى تكلفة من الآخر؟

الواقع أن معارضي المراقبة الدقيقة للمخاطر الشاملة يتخذون موقفين مختلفين.

فيزعم أصحاب الموقف الأول أن تقبل الاقتراح الخطأ لن يحدث، وذلك بسبب غياب الدلائل المسبقة الجديرة بالثقة والتي تشير إلى ارتفاع احتمالات عدم الاستقرار. والواقع أن البحث عن هذه الدلائل يشكل إهداراً واضحاً للموارد. ذلك أن عدم الاستقرار يضرب كالبرق تماما. ولكن هذا غير صحيح كما يبدو. ففي أزمة عام 2008، على سبيل المثال، أصدر بعض المحللين إشارات التحذير، فانتبه بعض المستثمرين واستجابوا لها. صحيح أن هذه التحذيرات لم تبلغ درجة اليقين، وصحيح أنها لم تتوقع توقيتاً محدداً، ولكن الإشارات كانت موجودة.

أما الموقف الثاني فيتقبل وجود إشارات التحذير، ولكنهه يعتبرها غير جديرة بالثقة إلى الحد الذي يجعل الضرر الناجم عن الاستجابة لها أعظم من نفعها. وهذا يعني أن تكاليف تقبل الاقتراح الخطأ المحتملة أعلى من تكاليف رفض الاقتراح السليم، ويرجع هذا إلى وجود العديد من العلامات الإيجابية الزائفة، والدواء يكون عادة أسوأ من العلة ذاتها. وقد نتفق على أن تقبل الاقتراح الخطأ قد يفرض تكاليف باهظة، ولكن رفض الاقتراح السليم باهظ التكاليف أيضا. لذا فإن إجمالي التأثير السلبي المترتب على الاستجابة السياسية للعلامات الإيجابية (قبول الاقتراح الخطأ) لابد وأن يكون ضخماً لكي يكون مُقنِعا. ولكنني في الواقع لست مقتنعاً بهذا.

ولعل الأمر يشتمل على قدر أعظم من التحيز. ففي مجال الأعمال والاستثمار يتم اتخاذ الخيارات في ظل ظروف من انعدام اليقين دوما، وبالتالي يصبح ارتكاب الأخطاء أمراً روتينيا. وفي المقابل يبدو أن الموقف الذي يتخذه صناع القرار في البلدان المتقدمة عادة يتلخص في أن التدابير الاستباقية أو الوقائية تتطلب درجة عالية من اليقين، ويرجع ذلك إلى اعتقاد راسخ بأن الأسواق المالية مستقرة وقادرة على تنظيم نفسها بنفسها.

وإذا اعتقدنا أن عدم استقرار الأسواق أمر نادر الحدوث فمن المعقول أن نرفض اتخاذ أية تدابير ما لم تكن هناك حجة مقنعة تدفعنا إلى ذلك. وفي ضوء الخبرة المكتسبة، فإن وجهة النظر التي تشير إلى أن النظام المالي لا يكون غير مستقر أو لا يتخذ مساراً غير مستقر إلا في حالات استثنائية مشكوك فيها على أقل تقدير.

قد نستنتج في النهاية، استناداً إلى الخبرة والنظريات الجديدة، أن الاستجابة السياسية للمخاطر الشاملة أمر مستحيل، وأن التكاليف المرتبة على تقبل الاقتراح الخطأ أعلى من التكاليف المترتبة على رفض الاقتراح السليم. ولكن يتعين علينا على أقل تقدير أن نخوض التجربة، فنسند المسؤولية إلى مؤسسة جديدة أو قائمة بالفعل، ولديها القدرة على الوصول إلى المعلومات وتأمين المواهب التحليلية العميقة في كل من مجالي التحليل المالي وتحليل الاقتصاد الكلي، ومتحررة نسبياً من تضارب المصالح. وهذا التحليل لابد وأن يكون علنياً وقد يؤثر على تصورنا وفهمنا للمخاطر والمجازفات وسلوك الأسواق، الأمر الذي يزيد بالتالي من قدرة النظام على تنظيم نفسه تلقائيا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured