Thursday, October 2, 2014
0

هل تنجح دولة السنغال؟

دكار ـ في السنغال، يشعر الناس بالإحباط العميق. ففي عام 2000 ذهبوا بكل حماس إلى صناديق الاقتراع لانتخاب عبد الله واد رئيساً لهم. وآنذاك كان واد يخوض حملته الانتخابية بوصفه عاملاً للتغيير، ولكن التغيير لم يأت إلى السنغال طيلة الأعوام العشرة التي أمضاها في السلطة. والآن أصبح التغيير الوحيد الذي يريد إحداثه هو تغيير مواد في الدستور، حتى يتسنى له الاستمرار في إحكام قبضته على السلطة.

إنه لأمر مؤسف أن يتحول واد إلى ما يشبه الصورة الكاريكاتورية للملك الأفريقي الناعس الذي أصبح عاجزاً عن التمييز بين السلطة، والمحسوبية، والاختلاس. فقد عمل على الربط بين مصالحه هو وأفراد أسرته والدولة بشكل عميق إلى حد تعيين نجله كريم واد لتولي أربع وزارات مختلفة ـ التعاون الدولي، والسفر جوا، والبنية الأساسية، والطاقة ـ في نفس الوقت.

ولكي يجعل نجله الشاب خلفاً له بشكل أو آخر، لجأ الرئيس الذي بلغ من العمر 86 عاماً إلى كل حيلة في جعبته. فقام بترتيب الفرصة لالتقاط صور ولي عهده المعين مع باراك أوباما أثناء اجتماع قمة مجموعة الثماني في دوفيل في وقت سابق من هذا العام، ثم أعقب ذلك برحلة إلى بنغازي ـ كانت طائرته تحت حماية مقاتلات الميراج الفرنسية التي رافقتها ـ لتوبيخ العقيد معمر القذافي. وبهذا كسر واد صف بقية بلدان الاتحاد الأفريقي، حيث هيأت له سذاجته أن ذلك من شأنه أن يكسبه الدعم الفرنسي والغربي لمحاولته التي يبذلها للاحتفاظ بالسلطة.

وسرعان ما بدأ في طرح تعديلاته الدستورية، التي ينظر إليها السنغاليون باعتبارها محاولة لتطويع القانون لضمان فوز ابنه في انتخابات 2012 الرئاسية. وفي شهر يونيو/حزيران سار الآلاف إلى مبنى البرلمان احتجاجاً على التعديلات، التي سُحِبَت منذ ذلك الوقت.

كما أسهمت العيوب والنقائص في شخصية واد في إلحاق الضرر بالاقتصاد السنغالي. فالنمو السنوي بنسبة 1.2% في القطاع الزراعي، الذي يوظف 60% من السكان، غير كاف لتغطية احتياجات السكان الذين يزيد تعدادهم بما يعادل ضعف هذا المعدل. والواقع أن هذا الأداء الهزيل يأتي في وقت حيث تشهد القطاعات الزراعية في العديد من البلدان الأفريقية ازدهاراً كبيراً على خلفية ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.

لم تنجح السنغال تحت حكم واد في زراعة أكثر من 15% من 250 ألف هكتار كان من المقرر زراعتها، وهي الآن تستورد ما يقرب من 80% من الأرز الذي تستهلكه. وتعاني الموارد السمكية من فرط الاستغلال؛ كما يفتقر قطاع تربية الماشية إلى الإدارة الصارمة؛ وتنفق البلاد ثروة طائلة على شراء اللحوم والألبان التي تستطيع إنتاجها بسهولة إذا وفرت للمزارعين الحوافز المناسبة.

هذه مجرد أمثلة قليلة من إساءة استخدام موارد البلاد على نطاق واسع، وذلك بسبب التفضيل الملحوظ لاستغلال أهل النخبة في السنغال لتراخيص الاستيراد لبناء ثرواتهم بدلاً من بناء صناعات بديلة للاستيراد. ونتيجة لهذا فإن السنغال، الدولة العالمية، تهدر الآن أفضل فرصة تسنح لأفريقيا للنمو منذ نهاية الاستعمار.

الواقع أن أفريقيا أصبحت الآن عند نقطة تحول واضحة. فمنذ عام 2000، تمكنت البلدان الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا من تسجيل نمو اقتصادي بلغ في المتوسط من 5% إلى 7%. وفي عام 2008 بلغ مجموع الناتج الاقتصادي لأفريقيا 1.6 تريليون دولار، وبلغ مجموع الإنفاق الاستهلاكي للقارة 860 مليار دولار. وأثناء الركود العالمي في عام 2009، كانت أفريقيا وآسيا المنطقتين الوحيدتين اللتين سجلتا ارتفاعاً في الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي لبلدان جنوب الصحراء الكبرى نمواً بنسبة 5.5% في عام 2011، و 6% في عام 2012.

وتتباهى أفريقيا الآن فضلاً عن ذلك بأكثر من 100 شركة محلية تتجاوز عائداتها السنوية المليار دولار. كما يشهد القطاع المصرفي وقطاع التجزئة ازدهاراً واضحا، وكذلك قطاع البناء والتشييد والاستثمار الأجنبي. كما سجلت شركات الاتصالات نحو 316 مليون مشتركاً جديداً منذ عام 2000، أو أكثر من عدد سكان الولايات المتحدة.

ويتجلى الضرر الذي ألحقه واد بالبلاد بشكل خاص، عندما نعلم أن عدم الاستقرار في أماكن أخرى من غرب أفريقيا ـ بسبب الحروب الأهلية والخارجية، والانقلابات، والفساد المستشري، والتهريب بكافة أنواعه ـ يمنح السنغال الفرصة لتحويل نفسها إلى قوة إقليمية. على سبيل المثال، يستطيع الميناء في بارجني بتوظيف الاستثمارات الكافية أن يخدم ليس فقط كقاعدة للتصدير على مستوى غرب أفريقيا بالكامل، بل وأيضاً كمركز لمعالجة المعادن وإسالة الغاز الطبيعي. وهذه الاستثمارات كفيلة بإحداث تحول حاسم من القطاعات ذات الإنتاجية المنخفضة إلى قطاعات أخرى أعلى إنتاجا، وتعزيز فرص العمل والأجور.

والواقع أن غانا، الأحدث عهداً بالديمقراطية من السنغال، تشكل مثالاً واضحا. فعند استقلالها، كانت ثروة السنغال من البنية الأساسية والموارد البشرية هي الأفضل على الإطلاق في غرب أفريقيا، ولكن بعد خمسة عقود من سوء الإدارة الاقتصادية تآكل ذلك التراث ـ أولاً تحت حكم الحزب الاشتراكية طيلة أربعين عاما، ثم تحت حكم الليبراليين من أتباع واد في الأعوام العشرة الأخيرة. وبفضل بنيتها الأساسية المتفوقة نسبة إلى السنغال، نجحت غانا في اجتذاب عدة مليارات أخرى من الدولارات في هيئة استثمارات أجنبية وتسجيل أحجام تجارة أعلى كثيرا.

إن السنغال قادرة بالاستعانة بالحكم السليم، وبفضل استقرارها السياسي كدولة ديمقراطية تبلغ من العمر 51 عاماً وموقعها الاستراتيجي بين موريتانيا، ومالي، وغينيا، وغينيا بيساو عند أقصى نقطة من غرب أفريقيا، قادرة على العمل كمركز لتنمية الموارد الطبيعية في هذه البلدان ـ وفي بوركينا فاسو، وغامبيا، والنيجر أيضا. ولا شك أن الفوائد الاقتصادية المترتبة على مثل هذه الاستراتيجية بالنسبة للسنغال قد تكون هائلة: الصناعات الجديدة في معالجة المعادن، والنقل، والشحن، القادرة على توفير فرص عمل ذات قيمة مضافة أعلى؛ وإيرادات الموازنة من رسوم العبور للصادرات من المعادن وخطوط الأنابيب؛ والبنية الأساسي�� المحسنة القادرة على الربط بين المناطق الريفية في البلاد بالعاصمة دكار والساحل.

الآن، الأمل معقود على أن تؤدي الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في يونيو/حزيران إلى إعادة واد إلى رشده والسماح للسنغاليين بالاستمرار في اختيار حكوماتهم عن طريق انتخابات شفافة. ولنأمل أيضاً أن تدرك الحكومة القادمة الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها السنغال كمركز اقتصادي إقليمي لغرب أفريقيا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured