واشنطن، العاصمة ـ إن استقالة حسني مبارك من منصبه كرئيس لمصر لتُعَد بمثابة بداية مرحلة بالغة الأهمية في انتقال هذا البلد إلى نظام سياسي جديد. ولكن هل يقود هذا التحول السياسي مصر إلى الديمقراطية في نهاية المطاف؟
لا أحد يستطيع أن يجزم على وجه اليقين، ولكن إذا رجعنا إلى تاريخ الحكم الديمقراطي، وتجارب بلدان أخرى ـ وهو الموضوع الذي أناقشه في كتابي "اسم الديمقراطية الطيب: صعود الشكل الحكومي الأكثر شهرة على مستوى العالم والمخاطر المحيطة به" ـ فسوف يكون بوسعنا أن نتعرف على العقبات التي تواجهها مصر، فضلاً عن المزايا التي تتمتع بها فيما يتصل ببناء الديمقراطية السياسية.
إن فهم الاحتمالات الديمقراطية في أي بلد لابد وأن يبدأ بتعريف الديمقراطية ذاتها، والتي تُعَد شكلاً هجيناً من الحكم، التحاماً بين تقليدين سياسيين مختلفين. الأول يتلخص في السيادة الشعبية، وحكم الشعب، وهو التقليد الذي يمارَس من خلال الانتخابات. والتقليد الثاني، وهو الأقدم والذي لا يقل أهمية، فهو تقليد الحرية.
والحرية تأتي في ثلاثة أشكال: الحرية السياسية، التي تتخذ هيئة الحقوق الفردية في حرية التعبير وتأسيس الجمعيات؛ والحريات الدينية، التي تعني ضمناً كفالة حرية العبادة لكافة أتباع الديانات والعقائد الإيمانية المختلفة؛ والحرية الاقتصادية، التي تتجسد في حق الملكية الخاصة.
إن الانتخابات من دون الحرية لا تشكل ديمقراطية حقيقية، وهنا تواجه مصر تحدياً خطيرا: ذلك أن الفريق الأكثر تنظيماً في مصر هم الأخوان المسلمون، ويرفض هذا الفريق حرية الأديان والحقوق الفردية، وخاصة حقوق المرأة. والواقع أن أحد أفرع الأخوان المسلمين، أو حركة حماس الفلسطينية، عمل في قطاع غزة على تأسيس دكتاتورية وحشية غير متسامحة.
وفي ظل ظروف من الفوضى، كتلك التي قد تواجهها مصر، فإن الفريق الأفضل تنظيماً والأكثر صلابة هو الذي يتمكن عادة من السيطرة على الحكومة. وكان هذا هو مصير روسيا بعد ثورة 1917، التي رفعت بلاشفة لينين إلى سدة السلطة وحكمت على البلاد بنحو 75 عاماً من الحكم الشمولي. وقد يتمكن الأخوان المسلمون على نفس النحو من الاستيلاء على السلطة في مصر وفرض نظام أشد قمعية من نظام مبارك.
وحتى لو نجحت مصر في تجنب سيطرة المتطرفين الدينيين، فإن الطبيعة التشريحية المزدوجة للديمقراطية تجعل من التقدم السريع والسلس في اتجاه إنشاء نظام ديمقراطي أمراً معضلا. ففي حين نستطيع أن نعتبر تنظيم الانتخابات أمراً سهلاً نسبيا، فإن تأسيس الحرية ودعمها أمر أكثر صعوبة، وذلك لأنه يتطلب وجود مؤسسات ـ مثل النظام القضائي الذي يتمتع بمحاكم محايدة ـ وهذا ما تفتقر إليه مصر الآن، والذي يحتاج بناؤه سنوات.
وفي بلدان أخرى تحولت إلى الديمقراطية، كانت المؤسسات وممارسات الحرية تنشأ في كثير من الأحيان من رحم اقتصاد السوق الحرة. إن التجارة تعزز عادات الثقة والتعاون التي تعتمد عليها الديمقراطية المستقرة. وليس من قبيل المصادفة أن اقتصاد السوق الحرة يسبق السياسات سبق السياسة الديمقراطية في العديد من بلدان أميركا اللاتينية وآسيا في النصف الثاني من القرن العشرين.
وهنا أيضاً سنجد أن مصر في وضع غير موات. ذلك أن اقتصادها عبارة عن شكل من أشكال رأسمالية المحسوبية، حيث يعتمد النجاح الاقتصادي على مدى قوة العلاقات السياسية التي يتمتع بها المرء، وليس على منافسة السوق الحرة القائمة على الجدارة والتي تنشأ الحرية في كنفها.
وتعاني مصر من عائق سياسي آخر: فهي دولة عربية، ولا توجد من حولها أنظمة عربية ديمقراطية. وهذا يشكل أهمية كبرى وذلك لأن البلدان، مثلها في ذلك كمثل الأفراد، تميل إلى محاكاة الدول الأخرى التي تشبهها وتثير إعجابها. فبعد الإطاحة بالشيوعية في عام 1989، انجذبت شعوب وسط أوروبا إلى الديمقراطية لأنها كانت الشكل السائد للحكم في بلدان أوروبا الغربية، وهو الشكل الذي انجذبت إليه بقوة. أما مصر فليس لديها مثل هذا النموذج الديمقراطي.
ولكن مصر في وضع أفضل من غيره من البلدان العربية فيما يتصل بتبني الديمقراطية، وذلك لأن العقبات التي تعترض طريق الديمقراطية في العالم العربي أقل ترويعاً في مصر مقارنة بأي مكان آخر في العالم العربي. فالعديد من البلدان العربية ـ مثل العراق وسوريا ولبنان ـ تعاني من انقسام حاد على طول خطوط قَبَلية وعرقية ودينية.
وفي المجتمعات المنقسمة لا يبدي الفريق الأقوى غالباً أي استعداد لتقاسم السلطة مع الفرق الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى الدكتاتورية لا محالة. أما مصر فهي على النقيض من ذلك متجانسة نسبيا. والمسيحيون الذين يشكلون 10% من السكان، يمثلون الأقلية الوحيدة الكبيرة في مصر.
كما يعمل النفط الذي تتمتع بلدان الخليج العربية بوفرة منه أيضاً ضد الديمقراطية، وذلك لأنه يساعد في خلق الحافز لدى الحكام للاحتفاظ بالسلطة إلى ما لا نهاية. وتمكنهم عائدات النفط من رشوة السكان واسترضائهم لدفعهم إلى تبني السلبية السياسية، في حين تعمل على تثبيط أي اتجاه لخلق ذلك النوع من نظام السوق الحرة الذي يساعد في توليد الديمقراطية. ومن حسن الحظ فيما يتصل بآفاق الديمقراطية في مصر فإن أرضها تحتوي على قدر متواضع للغاية من احتياطيات الغاز الطبيعي والنفط.
فضلاً عن ذلك فإن حركة الاحتجاج الحاشدة التي اجتاحت مصر فجأة كانت حتى الآن سلمية، وهذا أيضاً يصب في صالح قدرتها على بناء الديمقراطية. فعندما تسقط الحكومات بسبب أعمال عنف فإن النظام الجديد يحكم عادة بقبضة من حديد، وليس في ظل إجراءات ديمقراطية، ولو لم يكن ذلك إلا بدافع من رغبته في حصار الفريق الذي ألحق به الهزيمة.
وتتمتع قضية الديمقراطية في مصر بأصل آخر بالغ الأهمية، ولعله الأكثر أهمية على الإطلاق. إن الديمقراطية تحتاج إلى ديمقراطيين ـ مواطنين مقتنعين بقيم الحرية والسيادة الشعبية وملتزمين بترسيخ هذه القيم والحفاظ عليها. ومن الواضح أن المشاعر السياسية التي أبداها العديد من مئات الآلاف من المصريين الذين احتشدوا في ميدان التحرير في القاهرة طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية تؤكد بما لا يدع أي مجال للشك أنهم يريدون الديمقراطية، وأنهم مستعدون للعمل بل والتضحية بأرواحهم من أجلها. ولكن هل هم كُـثُر بالدرجة الكافية، وهل يتمتعون بالقدر الكافي من الحيلة والصبر والحكمة والشجاعة ـ والحظ؟ هذا سؤال لا يستطيع أحد غير شعب مصر أن يجيب عليه.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.