Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

بوش وخارطة الطريق إلى الفشل في الشرق الأوسط

أخيراً، وبعد ستة أعوام طويلة من السياسات الفاشلة في الشرق الأوسط بات الرئيس جورج دبليو بوش يدرك أن تحالف المعتدلين الذي يتوق إلى تأسيسه في المنطقة لا يمكن تشكيله إلا بإحلال السلام بين العرب وإسرائيل. فمن خلال التعامل بصورة فعالة مع الصراع العربي الإسرائيلي قد يصبح بوسعه إنقاذ الموقف الأميركي في المنطقة. إلا أن جولة السلام التي شرعت أميركا في إدارتها مؤخراً تأتي بعد فوات الأوان في الحياة السياسية لرئيس اقترب موعد رحيله، وتلاحقه الهزائم في الداخل والخارج؛ فضلاً عن كون هذه الدولة غير مدروسة وغير مقنعة.

إن المقاومة العنيدة من جانب وزيرة الخارجية كونداليزا رايس لمحاولات إشراك السوريين في عملية السلام لا تشكل سياسة حكيمة بأي حال من الأحوال. والمخاطر المحدقة بفرص إقامة نظام إقليمي سلمي أشد من أن تصر إسرائيل والولايات المتحدة على عدم وضع مبادرة الرئيس بشار الأسد الحالية على محك الاختبار. والحقيقة أن مواضيع النزاع التي خربت كل المحاولات السابقة للتوصل إلى سلام سوري إسرائيلي لها حلول واقعية، كما تبين لنا من خلال محادثات السلام التي انعقدت مؤخراً عن طريق القنوات الخلفية بين مسئول إسرائيلي سابق وأحد رجال سوريا المقربين من النظام.

فضلاً عن ذلك فإن إصرار رايس على الالتزام بخطة "خارطة الطريق" الفاشلة باعتبارها السبيل الوحيد للتسوية الفلسطينية الإسرائيلية لا يبشر بالخير. ذلك أن خارطة الطريق ولدت جهيضة بسبب ما أحاط بها من تسويف ومراوغة من الجانبين. فبعد حوالي أربعة أعوام منذ إطلاق الخارطة لأول مرة، لم يتمكن أي من الأطراف من حشد الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذ شروطها الأساسية. كما أن الفكرة الشاذة العجيبة المدخرة للمرحلة الثانية، والخاصة بدولة فلسطينية ذات "حدود مؤقتة" لا تشكل أي إغراء بالنسبة للفلسطينيين.

لقد بات من الضروري استئصال هذه العقدة الشائكة وليس حلها. فقد أصبح مفهوم الاتفاقيات المؤقتة الآن عتيقاً بكل ما في الكلمة من معنى، حتى ولو كان ذلك لمجرد عجز الأطراف عن تحمل الثمن السياسي المترتب على عملية سلمية مجزأة ذات نهاية مفتوحة.

إن الأمر يحتاج بدلاً من هذا إلى حل شامل لكافة القضايا الأساسية. فنحن الآن نقف عند نهاية عملية السلام كما كنا نعرفها. ومنذ الآن فصاعداً سوف تتلخص الخيارات المتاحة أمامنا في فك ارتباط عنيف وأحادي الجانب، مثل ذلك الذي أدى إلى الحرب الحالية الدائرة في قطاع غزة، وخطة سلام شاملة لابد من إلحاقها بخارطة الطريق ومنحها الشرعية بإقامة مؤتمر سلام دولي. إن مثل هذه "الهندسة المعكوسة"، التي تبدأ من النهاية وتعمل في اتجاه عكسي ـ وتتولى آليات دولية صارمة مراقبتها وإضفاء الشرعية عليها ـ هي الوحيدة القادرة على إنقاذ عملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني من الخراب.

وكما أكدت لنا عملية السلام التي انطلقت من خلال مؤتمر مدريد الدولي للسلام والذي انعقد في العام 1991، فإن احتمالات السلام في الشرق الأوسط كانت دوماً في حاجة إلى دفعة دولية مركزة وجيدة التنسيق من أجل استغلال الفرصة المتاحة. والحقيقة أن الحروب في الشرق الأوسط، وبصورة خاصة تلك الحروب التي تشبه حرب إسرائيل الأخيرة ضد حزب الله، والتي انتهت على نحو غير حاسم، كانت تؤدي على نحو يكاد يكون ثابتاً لا يتغير إلى خلق الظروف الملائمة لتحقيق تقدم سياسي كبير، وذلك لأنها تكشف للأطراف المتحاربة عن الحدود التي تقيد القوة العسكرية. وبعد أن أصبح الشرق الأوسط حبيساً في صراع حاسم بين قوى التغيير السلمي وبين القوى المنذرة بالهلاك، ارتفعت الأصوات من جديد بالدعوة إلى بذل جهود دولية مكثفة لإحلال السلام.

وعلى نحو مماثل، أدرك أصحاب مبادرة السلام العربية التي طرحت في العام 2002 أن التوجه الثنائي البحت قد لا يكون كافياً، فنادوا بدلاً من ذلك بحل إقليمي للصراع. إن فقدان الثقة المتبادل بين طرفي الصراع، وعجزهما التام عن قطع أصغر الخطوات نحو التقارب فيما بينهما، ناهيك عن عجزهما عن الالتزام بتعهداتهما دون تدخل من طرف ثالث، من الأسباب التي تجعل من الإطار الدولي للسلام السبيل الوحيد إلى الخروج من هذا الطريق المسدود الخطير.

إن توقف التوجه الثنائي ينبع أيضاً من الاختلال الوظيفي الذي يعاني منه النظام السياسي سواء في فلسطين أو إسرائيل. فاليوم يلهث الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلباً للهواء السياسي في مناخ خانق تفرضه سيطرة حماس على السلطة. وإثناء زيارتها الأخيرة إلى إسرائيل كان على كونداليزا رايس أن تنصت إلى أربع خطط مختلفة للسلام، من رئيس الوزراء، ووزير الخارجية، ووزير التهديدات الإستراتيجية، ووزير الدفاع. وقد يشكل التوصل إلى السلام الداخلي سواء بالنسبة للفلسطينيين أو الإسرائيليين تحدياً لا يقل شراسة عن إحلال السلام بين الطرفين.

إن أي عملية سلام محكوم عليها بالهلاك إذا ما استرشدت بخارطة طريق يتمسك أطرافها بوجهات نظر متضاربة فيما يتصل بالقضايا الأساسية. إلا أن الأمر لا يتطلب العودة إلى نقطة الصفر، وذلك لأن حل الصراع العربي الإسرائيلي يتجسد في خطط السلام الرئيسية المطروحة بالفعل: أطر السلام التي أرساها كلينتون، ومبادرة السلام العربية الشاملة.

بعد مرور خمسة عشر عاماً منذ بدأ مؤتمر مدريد عملية السلام الرسمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أصبحت الأطراف أكثر حكمة فيما يتصل بما لا مفر من حدوثه إذا ما أسفرت هذه العملية الملتوية عن تسوية دائمة. ففي العام 1991 اجتمع الطرفان على أساس برنامج يتلخص في شعار "الأرض في مقابل السلام". إلا أن الإسرائيليين لم يتصوروا قط أنهم سوف يضطرون إلى رد الأرض بالكامل، بينما لم يتصور العرب أنهم قد يضطرون إلى تقديم "السلام الكامل". أما اليوم، وبعد طول انتظار، فقد أصبح الجميع يدركون ماذا تعني كلمة "الأرض" وما المقصود بكلمة "السلام".

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured