Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

بوش وجلادوه الفكريون

باريس ـ كانت المذكرة بالغة السرية الصادرة عن إدارة أوباما بشأن ممارسات التعذيب في سجون وكالة الاستخبارات المركزية سبباً في تسليط ضوء جديد على سؤال جوهري: كيف يتسنى لأشخاص يعملون باسم حكومة الولايات المتحدة أن يتقبلوا بمثل هذه السهولة فكرة تعذيب المحتجزين تحت عهدتهم؟

إن الوثائق المنشورة حديثاً لا تكشف عن وقائع التعذيب في حد ذاتها، فقد أصبحت هذه الوقائع معروفة تماماً لكل من يريد أن يتعرف عليها. ولكنها تكشف عن قدر عظيم من المعلومات بشأن الكيفية التي تم بها افتضاح أمر جلسات التعذيب وكيف ينظر العملاء المتورطون إلى الأمر.

كان الأمر الأكثر إذهالاً هو اكتشاف بعض القواعد التافهة الصغيرة المبينة في الكتيبات الإرشادية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية والمختارة من قِـبَل المسؤولين التنفيذيين القانونيين في الحكومة. كان المرء ليتصور أن التعذيب كان نتيجة لأخطاء أو تجاوزات غير مقصودة ارتكبت دون تخطيط مسبق. غير أن الأمر على العكس من ذلك تماماً، فهذه المذكرات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن التعذيب كان أسلوباً مخططاً بأدق تفاصيله.

وطبقاً للمبادئ التوجيهية التي أقرتها إدارة بوش فمن الممكن تقسيم التعذيب إلى ثلاث فئات، وبدرجات متفاوتة من الشِدة: أولاً، تعذيب "الحد الأدنى" (العري، والتلاعب بالنظام الغذائي، والحرمان من النوم)؛ ثم التعذيب "التقويمي" (الضرب)؛ وأخيراً التعذيب "القسري" (الغمر بالماء، والحبس في قفص ضيق، وصب الماء البارد على الوجه بغزارة).

وعن الصفع على الوجه، فمن المفترض طبقاً للمبادئ التوجيهية أن يباعد المحقق بين أصابعه قليلاً حين يوجه الصفعة إلى المنطقة الواقعة بين الذقن وشحمة الأذن. أما غمر المحتجز العاري بالماء فيستمر لمدة 20 دقيقة إذا كانت حرارة الماء 5 درجات مئوية، أو لمدة 40 دقيقة إذا كانت حرارة الماء 10 درجات مئوية، أو لمدة ساعة إذا كانت حرارة الماء 15 درجة مئوية. أما الحرمان من النوم فلا ينبغي أن يتجاوز 180 ساعة، ولكن من الممكن أن يبدأ من جديد بعد ثماني ساعات من الراحة.

ومن الممكن أن يستمر التغطيس في حوض مليء بالماء لمدة 12 ثانية، وليس لأكثر من ساعتين يومياً لمدة ثلاثين يوماً على التوالي. وقد يستمر صب الماء على الوجه لمدة 40 ثانية على الأكثر، ولو أن اثنين من السجناء اخضِعوا لهذا النوع من التعذيب عدداً من المرات بلغ 286 مرة في خلال شهر واحد. والحبس في قفص ضيق لا ينبغي أن يتجاوز ساعتين في كل مرة، ولكن إذا كان بوسع المسجون أن يقف منتصباً في القفص فقد يستمر الحبس لمدة ثماني ساعات في كل مرة، أو ما مجموعه 18 ساعة يومياً. وهناك أيضاً قواعد تحكم هذا النوع من التعذيب إذا أضيف إليه إدخال حشرة إلى القفص.

كشفت هذه الوثائق أيضاً عن كيفية تدريب الجلادين. إن أغلب طرق التدريب كانت عبارة عن تصميم عكسي للتدريبات التي يتلقاها جنود الولايات المتحدة عادة لإعدادهم لمواجهة المواقف "الشديدة المطولة" (وهو الأمر الذي جعل المسؤولين التنفيذيين يتوصلون على نحو ما إلى استنتاج مفاده أن هذه المحن يمكن تحملها تماماً). أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن القائمين على التعذيب خضعوا هم أنفسهم لذات النوع من التعذيب. ثم يتبع ذلك دورة سريعة مكثفة تستمر لمدة أربعة أسابيع، وتعد كافية لتوجيه القائمين على التعذيب بشأن كيفية توليهم لوظائفهم الجديدة.

كان المحامون التابعون للرئيس السابق بوش بمثابة الشريك الضروري للقائمين على التعذيب، ذلك أن عملهم كان المقصود منه ضمان الإفلات من العقاب قانوناً. وهذا أيضاً يشكل ممارسة جديدة: فالتعذيب هنا لا يبدو وكأنه انتهاك لمعيار مشترك، بل هو أمر مؤسف ولكنه مبـرَر. ورغم ذلك فقد أصبح له معيار قانوني.

وهنا استند المحامون إلى سلسلة أخرى من الأساليب. فمن أجل الالتفاف حول القانون كانت عمليات التحقيق والاستجواب لابد وأن تتم خارج الولايات المتحدة، حتى ولو كان مكان التحقيق قاعدة عسكرية أميركية في الخارج.

إن التعريف القانوني للتعذيب يشتمل ضمناً على تعمد إنزال المعاناة الشديدة بشخص ما. وعلى هذا فإن المحامين يوصون القائمين على التعذيب بإنكار نية التعمد. ونتيجة لهذا فإن الهدف من توجيه صفعة على الوجه ليس إحداث ألم بدني، بل المفاجأة والإذلال. أما الحبس في صندوق ضيق فليس الهدف منه إرباك السجين وإفقاده الإحساس بالزمان والمكان، بل منحه شعوراً بعدم الارتياح. ويتعين على القائم على التعذيب أن يؤكد دوماً على "حسن نواياه"، و"صدق معتقداته"، وعقلانية مقدماته.

ومن هنا كان الحرص على استخدام تعبيرات ملطفة بصورة منتظمة، فيستخدم تعبير "الأساليب المعززة" بدلاً من التعذيب، و"خبير الاستجواب" بدلاً من ممارس التعذيب. وبطبيعة الحال، يوصى دوماً بعدم ترك أي أثار بدنية للتعذيب. وعلى هذا فإن الضرر العقلي أو الذهني مفضل على الإصابة البدنية. وليس من المستغرب بالطبع أن أي تسجيل فيديو لهذه الجلسات تم تدميره بعد ذلك.

اشترك في ممارسات التعذيب أشخاص ينتمون إلى فئات مهنية متنوعة. وهذا يعني أن العدوى انتشرت إلى ما هو أبعد من الدائرة المحدودة للقائمين على التعذيب الفعلي. فإلى جانب المحامين الذين أضفوا الشرعية على هذه الأفعال، هناك علماء النفس والمتخصصون في الطب النفسي والأطباء (الذين كان حضورهم إلزامياً في أي من جلسات التعذيب) الذين قدموا على نحو منتظم أيضاً المبررات الأخلاقية أو القانونية أو الفلسفية لهذه الممارسات. وبينما مارس الذكور التعذيب الفعلي فإن إذلال السجين في حضور الإناث كان مفيداً في تضخيم شعوره بالذِلة والمهانة.

ولكن من يُـعَد من الناحية القانونية مسؤولاً عن هذا التحريف للقانون والمبادئ الأخلاقية؟

إن المتطوع الذي نفذ مهمة التعذيب أقل مسؤولية من الموظف المدني رفيع المستوى الذي برر هذه الممارسات وتولى رعايتها، والأخير بدوره أقل مسؤولية من صانع القرار السياسي الذي أمر بتبني هذه الممارسات.

والحكومات الأجنبية الصديقة، وخاصة في أوروبا، من الممكن أن تُـعَد أيضاً مسؤولة عن هذه الممارسات: فرغم أن هذه الحكومات علمت بمسألة التعذيب، واستفادت من المعلومات التي بلغتها في هذا السياق، إلا أنها لم تُـبدِ أي شكل من أشكال الاحتجاج أو الاعتراض، ولم تُـعرِب حتى عن عدم موافقتها. لقد كان صمت هذه الحكومات بمثابة الموافقة.

هل يتعين علينا أن نحاكمها إذن؟

إن أفضل عقاب ديمقراطي للساسة يتلخص في عدم انتخابهم من جديد. أما المتعاونون غير المنتخبين فإننا نأمل أن ينزل بهم أقرانهم العقوبة: فمن قد يرغب في التعاون الأكاديمي مع أستاذ يدافع عن التعذيب؟ ومن قد ينتظر العدالة من قاضٍ أذِن باستخدام الوحشية؟ ومن قد يرغب في العلاج على يد طبيب أشرف على التعذيب.

إن كنا نريد أن نفهم لماذا تقبل بعض الأميركيين ممارسة التعذيب بهذه السهولة، فلا ينبغي لنا أن نبحث عن خوف موروث أو كراهية موروثة من المسلمين والعرب. كلا، إن السبب أسوأ من هذا بكثير. إن المذكرات التي كشفت عنها إدارة أوباما تخبرنا بأن أي شخص يطيع مبادئ نبيلة ظاهرياً يمليها عليه "الإحساس بالواجب"، أو ضرورة "الدفاع عن الوطن"، أو من يحثه خوف غريزي على حياته ورفاهيته، أو حياة ورفاهية أسرته، من الممكن أن يتحول إلى جلاد.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured