Thursday, July 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

بوش واقتصاديات اختبار الانهيار

منذ خمسة عشر عاماً، كانت الولايات المتحدة قد وصلت إلى ذروة ما نستطيع أن نسميه "عصر اضمحلال التوقعات". حيث توقفت المكاسب الإنتاجية، وارتفعت أسعار الطاقة، واستنـزف الاحتياطي المتراكم من التقنيات المحتملة والذي نشأ في فترة الكساد الأعظم، وأخذت عائدات المشاريع الاقتصادية الضخمة تتضاءل حتى أصبح كل خبير اقتصادي يستنتج أن النمو الاقتصادي سوف يكون في المستقبل أكثر تباطؤاً مما كان في الماضي. ومع ركود النمو في الإنتاجية لما يقرب من عقدين من الزمان، فقد كان من المنطقي آنذاك أن يقال إن التزامات حكومة الولايات المتحدة فيما يتصل بالضمان الاجتماعي (التأمينات الاجتماعية، والرعاية الطبية، والمعونة الطبية لغير القادرين) مبالغ فيها ولابد بالتالي من تخفيضها.

كان ذلك آنذاك، ولكن هذه هي الحال الآن. لقد شهدت السنوات التي تخللت الفترتين انفجاراً في الإبداع التكنولوجي الذي حمل معدل نمو الإنتاجية العامة الأميركية على الارتفاع من جديد إلى مستويات ما قبل التباطؤ الاقتصادي. واليوم يقف اقتصاد الولايات المتحدة على مشارف ثورة هائلة واسعة النطاق في مجال التكنولوجيا الحيوية، بل وربما في مجال تكنولوجيا المعدات متناهية الصغر. ومع ذلك فما زلنا نسمع نفس الدعوات المطالبة بتخفيض الالتزامات الاجتماعية التي تتحملها أميركا.

ربما لم يدرك خبراء شئون التأمين في مجال الضمان الاجتماعي على نحو كامل تأثير الثورات التكنولوجية التي يشهدها وقتنا الحاضر، لكنهم عملوا بشكل ملحوظ على تعزيز حجم النظام الذي تستطيع حكومة الولايات المتحدة أن تتحمل نفقاته. فمنذ خمسة عشر عاماً كان الإجماع على أن نظام الضمان الاجتماعي الأميركي يعاني من متاعب هائلة، وأنه في حاجة إلى ما يشبه الصيانة الشاملة لمحرك سيارة. أما مشكلة اليوم فهي، كما يقول الخبير الاقتصادي بيتر أورتزاج من مؤسسة بروكينجز، أشبه بتسرب بطيء للهواء من إطار سيارة: لابد وأن تصلحه في النهاية، لكن إصلاحه لن يكون شاقاً للغاية، كما أن الإصلاح ليس عاجلاً على نحو مُـلِح.

ما الذي يجعل إدارة بوش إذاً تنفق الوقت وتهدر الطاقة على اقتراحات بشأن تغييرات جذرية لنظام الضمان الاجتماعي، وكأن هذه التغييرات تمثل مبادرة في مجال السياسة الداخلية ـ أو ربما مبادرة الإدارة الوحيدة في مجال السياسية الداخلية؟ فكل من يساوره القلق بشأن موقف أميركا المالي الضعيف اليوم يبادر إلى وضع الخلل البسيط نسبياً في توازن عملية تمويل الضمان الاجتماعي في مرتبة دنيا من قائمة الأولويات. أما المشكلة التي تحتل صدارة الأولويات فتتلخص في المستقبل المرتقب للميزانية الكلية على الأمد المتوسط، حيث أدت تخفيضات بوش على الضرائب إلى عجز يعادل حجم العجز في عهد ريجان ويهدد نمو اقتصاد الولايات المتحدة بالشلل.

أما المشكلة الثانية من حيث ترتيب الأولوية فهي تتمثل في التوصل إلى حل بشأن ماذا ينبغي أن نفعل فيما يتصل بالرعاية الطبية والمعونات الطبية لغير القادرين على الأمد البعيد. يتعين على أميركا أن تقرر حجم برامج الصحة العامة وكيفية تمويلها. وإذا نزلنا إلى أرض الواقع فسنجد أن هذا الأمر يمثل فرصة أكثر من كونه مشكلة: فإذا لم نكن نتوقع أن يأتي الأطباء والممرضات بما لا يستطيعون أن يأتوا به الآن من معجزات، في خلال جيل أو جيلين قادمين، فلا ينبغي علينا أن نتصور حدوث عجز مالي خطير بسبب برامج الرعاية الطبية.

أما ثالث أخطر مشكلة فتتلخص في وضع ميزانية التمويل العام لحكومة الولايات المتحدة على أسس أكثر قابلية للبقاء، حتى تتمكن حكومة "اللاضمان الاجتماعي" من تمويل ذاتها والوفاء بالتزاماتها بعد فوات الأوان ـ بحلول عام 2020 تقريباً ـ حين لا يصبح بوسعها الاقتراض من صندوق ائتمان الضمان الاجتماعي.

وخلاصة القول هنا إن مشكلة صعوبة تمويل الضمان الاجتماعي على الأمد البعيد، على الرغم من كونها حقيقة واقعة إلا أنها من المتوقع أن تكون أصغر حجماً وأكثر تباعداً في المستقبل عن أيٍ من المشاكل المالية الأقرب والأضخم والأثقل وزناً والتي تواجه حكومة الولايات المتحدة الآن. وإذا كانت قضية الضمان الاجتماعي تشبه تسرباً بطيئاً في إطار سيارة، فإن مشكلة التمويل العام لما بعد عام 2020 تشبه عطلاً ضخماً في مكابح إيقاف السيارة، ومشكلة الرعاية الطبية والمعونة الطبية تشبه صندوق نقل حركة منصهر، ومشكلة العجز في الميزانية تشبه سيارة اصطدمت للتو بشجرة.

ترى أي صنف من السائقين ذلك الذي يملك سيارة اصطدمت بشجرة للتو، بعد أن احترق صندوق نقل الحركة بها، وتعطلت مكابحها، ثم يقول: "أهم ما ينبغي علي أن أفعل الآن هو أن أصلح ذلك التسرب البطيء في الإطار الأيمن الخلفي"؟ إن جورج دبليو بوش هو ذلك الصنف من السائقين.

هناك ثلاث نظريات تفسر تركيز إدارة بوش على الضمان الاجتماعي. تتلخص النظرية الأولى ببساطة في العجز وانعدام الكفاءة: إذا كان بوش وبطانته ببساطة لا يدركون خطر وأهمية المشاكل المالية الأخرى التي تواجهها الحكومة الفيدرالية.

أما النظرية الثانية فتكمن في الإيديولوجية. فلسبب ما يرى بوش وحاشيته أنه من الأهمية بمكان أن يحرصوا على تقويض النجاحات التي حققتها مؤسسات الإصلاح التي تأسست في عصر فرانكلين روزفلت .

أما النظرية الثالثة فتقول إن السبب يكمن في أسر البيروقراطية: فكما كان الهدف الرئيسي من قانون العقاقير الذي أقره بوش في عام 2003، تعظيم أرباح شركات المستحضرات الصيدلانية، فمن المرجح أن تأتي مقترحات إدارة بوش بشأن الضمان الاجتماعي مفصلة لخدمة مصالح رجال المال والأعمال في وال ستريت.

لا أرى أية إصلاحات أخرى أكثر إلحاحاً ـ مثل زيادة ضرائب الدخل لتغطية تكاليف الأمن القومي ـ تنال أي اهتمام في ظل نظام بوش . وإذا كان لي أن أراهن على واحدة من النظريات الثلاث فلسوف أراهن بأموالي على نظرية العجز المحض وانعدام الكفاءة. وعلى ما يبدو في النهاية أن هذا السبب هو القاسم المشترك الأعظم الذي سنجده في كل سياسة يتحكم فيها "بيته الأبيض".

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured