Tuesday, September 16, 2014
4

هل نعيد كل شيء إلى الديار

باريس ــ لقد دأب صناع السياسات على مستوى العالم على تهنئة أنفسهم لأنهم نجحوا أثناء الأزمة المالية التي بدأت في عام 2008 في تجنب الأخطاء السياسية التي ارتكبت في ثلاثينيات القرن العشرين. فتحت قيادة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي، أحد المؤرخين الكبار لأزمة الكساد الأعظم في الثلاثينيات، تذكروا أفكار جون ماينارد كينز وخففوا السياسات النقدية والمالية لتجنب الأسوأ. وحتى الآن لا نزال نحاول التغلب على العواقب المتعلقة بالميزانية، وخاصة في أوروبا، ولكن الحقيقة أن العالم لم ينته في عام 2008.

لم يكن تشديد القيود النقدية في الثلاثينيات الخطأ السياسي الرئيسي الوحيد؛ فكذلك كان التراجع إلى تدابير الحماية، والتي يرمز لها زيادة سموت-هاولي للتعريفة الجمركية في ذلك العقد. ويستمر المؤرخون في مناقشة مدى وسطية قانون سموت-هاولي ذاته، ولكن من المؤكد أن الحرب الجمركية اللاحقة ألحقت أشد الضرر بالتجارة والنمو الاقتصادي، الأمر الذي زاد الموقف سوءاً على سوء.

ويحب ساسة اليوم أن يقولوا إنهم نجحوا في تجنب خطأ الانزلاق إلى تدابير الحماية أيضا، ولكن هل هذا ما حدث حقا؟ من المؤكد أنني لا أتوقع اندلاع حرب جمركية في المستقبل القريب، ولكن هناك مؤشرات خطيرة تدلل على متاعب تجارية قادمة.

فقد تخلينا عن جولة الدوحة من محادثات التجارة العالمية، والآن تعاني منظمة التجارة العالمية على ضفاف بحيرة جنيف، غير واثقة من مستقبلها. وربما كان من غير المرجح أن تنجز جولة الدوحة الكثير في الظروف الحالية، ولكن غياب أي حوار متواصل بشأن التجارة العالمية ــ صمام أمان مفيد في أسوأ الأحوال ــ يضيف مستوى جديداً من الخطر. وفي حين يتحدث الناس فإنهم أقل قابلية للتحرك السريع.

وعلى الساحة المالية، هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى إحياء الأساليب الوطنية في التنظيم وسياسة العملة. فقد تحدت الأزمة إجماع واشنطن، الذي افترض أن العالم يتحرك بالتدريج نحو حرية حركة رأس المال وتحديد أسعار الصرف بواسطة السوق.

والآن بدأت عدة دول ــ بما في ذلك البرازيل وكوريا الجنوبية وتركيا ــ في فرض ضوابط على رأس المال بأشكال مختلفة. وحتى صندوق النقد الدولي، الذي جسد لفترة طويلة إجماع واشنطن، اعترف بأن "ضوابط رأس المال تشكل جزءاً مشروعاً من الأدوات المستخدمة لإدارة تدفقات رأس المال في ظروف معينة". وينظر أعضاء الكونجرس في الولايات المتحدة إلى الصينيين باعتبارهم متلاعبين محترفين بالعملة، ولكن السويسريين فرضوا سقفاً صارماً لزيادة قيمة الفرنك السويسري.

الواقع أن هذه العلامات المبكرة لتفكيك عولمة الأسواق المالية لها نظير في عالم الأعمال المصرفية التجارية، حيث سارعت بعض أكبر المؤسسات العالمية إلى خفض الإنفاق. بل وذهب "سيتي بنك" و"اتش اس بي سي" إلى ما هو أبعد من هذا، بخلق أثر عالمي؛ بل إن المرء لا يستطيع أن يستقل طائرة هذه الأيام من دون أن يجد ما يذكره بأن "اتش اس بي سي" هو "البنك المحلي العالمي". ورغم هذا فإن كلاً من البنكين يغلق أبوابه في العديد من البلدان.

وعلى نحو مماثل، خفضت العديد من البنوك الأوروبية الأخرى أعمالها في الخارج بشكل حاد. والتأثير واضح بشكل خاص في تمويل التجارة، حيث كانت البنوك الأوروبية من المشاركين الرئيسيين في آسيا. والآن بدأت تنسحب من السوق بسرعة، الأمر الذي أدى إلى خلق فجوة مثيرة للقلق تسعى البنوك الآسيوية إلى سدها.

وهناك المزيد في الطريق. فبينما تناضل البنوك الأوروبية وشركات التأمين لجمع رؤوس أموال جديدة، فمن المرجح أن تضطر إلى بيع أصولها في الخارج.

ولو كان هذا ببساطة مؤشر لتركيز أقوى على استراتيجيات طويلة الأمد، فقد يُنضَر إليه كتطور حميد. ولكن هناك دلائل تشير إلى أن العملية برمتها مدفوعة بالتغيير التنظيمي، وفي بعض الحالات بتدابير الحماية التنظيمية.

إن البنوك تخضع لإشراف الأجهزة التنظيمية "المحلية" في بلد التأسيس، فضلاً عن سلسلة من الأجهزة التنظيمية "المضيفة" حيث تزاول هذه البنوك أعمالها. والآن تشعر الأجهزة التنظيمية "المحلية" والجهات التي تعمل كملاذ أخير للإقراض بالقلق المتزايد إزاء تعرضها المحتمل للخسائر في عمليات البنوك في الخارج. وعلى حد تعبير ميرفين كينج نحافظ بنك انجلترا فإن "البنوك عالمية أثناء حياتها، ولكنها وطنية عند موتها". بعبارة أخرى، تُترَك للسلطات المحلية مهمة دفع الحساب عندما تسوء الأمور.

كما تشعر الأجهزة التنظيمية المضيفة بقدر متزايد من التوتر إزاء البنوك التي تعمل في نطاقها عن طريق فروع من الشركات الأم، ومن دون رأسمال محلي أو مجلس محلي للمديرين. لذا فإنها تصر على خلق شركات فرعية تابعة. ومن منظور البنوك، فإن هذا يعني أن رأس المال يصبح محتجزاً في الشركات التابعة، ولا يمكن استخدامه على النحو الأمثل عبر شبكتها. لذا فإن البنوك قد تفضل الانسحاب بدلاً من ذلك.

والآن هناك نسخة خاصة من هذه الظاهرة في الاتحاد الأوروبي. ففي السوق المالية الموحدة، يُسمَح للبنوك بتلقي الودائع في كل مكان، من دون موافقات محلية، إذا كانت لديها تصريح بالقيام بهذا في أي دولة أوروبية. ورغم هذا فعندما أفلست البنوك الأيسلندية، اضطرت السلطات البريطانية والهولندية إلى إنقاذ المودعين المحليين. والآن لا تشجع الجهات التنظيمية مثل هذه الأعمال عبر الحدود، الأمر الذي أدى إلى عملية تحمل اسماً جديداً قبيحا: "التخلص من اليورو". ولا نملك إلا أن نأمل ألا تنتشر هذه العملية.

الواقع أن الأجهزة التنظيمية، التي أدركت المخاطر المترتبة على السماح بتسارع عملية تفكيك العولمة المالية، كانت تسعى إلى إيجاد وسيلة أفضل للتعامل مع ��شل البنوك العالمية الضخمة. فإذا كان بالإمكان تصفية أعمال البنوك بسهولة عندما تسوء الأمور، مع توزيع الخسائر بالتساوي، فقد يكون بوسع الجهات التنظيمية أن تسمح لها بسهولة أكبر بالاستمرار في العمل على المستوى العالمي وبكفاءة. ولهذا، تُبذَل الآن جهود كبرى لبناء إطار لحل المشاكل عبر الحدود. ولكنها مهمة بالغة المشقة، ولقد اعترف دانييل تارولو، أحد محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي، بأن "الحل الشامل النظيف لا يبدو متاحاً في الأفق المنظور".

ولكن هل يرقى كل هذا إلى تهديد خطير للفوائد المترتبة على العولمة؟ الإجابة الحذرة على هذا السؤال هي أنه من السابق للأوان أن نجزم الآن. ولعل ما نراه الآن ليس سوى بداية تغيير الحرس، أي أن "اتش اس بي سي"، و"سيتي بانك" سوف يذهبان باعتبارهما لاعبين عالميين، ليحل محلهما بنك صيني مثل "آي سي بي سي"، أو بنك برازيلي مثل "ايتاو يونيبانكو"، أو روسي مثل "سبيربانك".

ولكن قد يكون الأمر أننا نشهد الآن إحياء مبدأ ليس حميداً بالكامل من مبادئ جون ماينارد كيز: "الأفكار، والمعارف، والعلوم... لابد أن تكون دولية بطبيعتها. ولكن فلتكن السلع محلية كلما كان ذلك ممكناً وملائما، وفي المقام الأول فليكن التمويل وطنيا".

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    I fully share Mr. Davies's concerns about protectionism and isolating policies, as there multiple signs of closing down on the financial and on the political arena as well.
    Especially as some major players are preparing for elections, almost all of them chose the populist and misguided approach of only concentrating on the "local front", "closing borders", promising "tougher approach" to "opponents, "tougher foreign policy", some countries clamp down on energy companies previously run by international cooperation, some countries openly oppose any relation to the EU, or want to get out of it and so on.
    Unfortunately none of the present active leaders have the necessary vision and bravery to rise above the usual reflex, instinctive reaction, and possibly they do not have the space to maneuver in the present structure to explain the public how much we are locked into this new global and integral world system, where each and every element is fully dependent on the other, thus instead of isolation, disconnection and protectionism only further integration can solve our problems.
    We have more and more evidence of this integral system, and its fundamental laws by several respected, and objective publications, as well as by the daily events of the deepening and unsolvable global crisis.
    Europe provides us with the best example, even the leaders feel that breaking up the Eurozone or the Union is the wrong decision, but they do not have the strength or belief to push for deeper integration that could truly save the cooperation.
    We need the widest possible educational approach to explain people the nature of our global system, and how much we need each other to succeed, how much only mutually working together are we capable of building a sustainable future.
    The public is ready for it since in truth we already live a physically, virtually interconnected, border-less life, as soon as the top players and the mass media gives up their own personal, selfish agendas and come to the table, we can start building our new system adapted to the 21st century.

  2. CommentedDanny Cooper

    In order to return Europe to adequate levels of growth new aggregate demand needs to be created. Therefore stimulus need to be created which will bypass the banking system and the credit markets which are stagnant. A solution to this is to modify the central bank so that it conducts monetary policy directly with the public not just the banking system. Heres a more detailed explanation of how this can be implemented: internationalmonetary.wordpress.com

  3. CommentedJosué Machaca

    Es muy interesante esto de las finanzas, Howard Davies es un maestro, pero tengo una duda, ¿qué consecuencias precisas traen las finanzas nacionales?

  4. CommentedThomas Jestin

    Let's remember that tariff wars in the 1930s played a very minor role in the economic turmoil of the time.

    As William Bernstein wrote in his brillant book "A Spendid Exchange" : "Between 1929 and 1932, real GDP fell by 17% worlwide, and by 26% in the USA, but most economic historians now believe that only a minuscule part of that huge loss of both world GDP and the USA's GDP can be ascribed to the tariff wars."

    "A back-of-the-enveloppe calculation show that this must have been true. At time of Smoot-Halley's passage, trade volume accounted for only 9% of world economic output. Had all international trade been eliminated, and had no domestic use of the previously exported goods been found, world GDP would have fallen by the same amount, 9%. Beteen 1930 and 1933, worldwide trade volume fell off by one-third to one-half. Depending on how the falloff is measured, this computes to 3 to 5% of world GDP, and these losses were partially made up by more expensive domestic goods. Thus the damage done could not possibly have exceeded 1 or 2% of world GDP - nowehere near the 17% falloff seen during the Great Depression."

    "Even more impressively, the nations most dependent on trade did not suffer the most damage. For example, in Holland, trade accounted for 17% of GDP and yet its economy contracted by only 8% in those years. By contrast, trade constituted less tan 4% of the US' GDP, yet its economy contracted by 26% during the Depression. The inescapable conclusion : contrary to public perception, Smoot-Hawley did not cause, or even significantly deepen, the Great Depression."

    "Recently, economic historians have calculated that the tariff wars of the 1930s caused less than half of the falloff in world trade, the rest being due to the Great Depression itself, which decreased demand for trade products."

Featured