Saturday, September 20, 2014
0

بورلوج وعباقرة القطاع المصرفي

نيويورك ـ كانت وفاة نورمان بورلوج مؤخراً بمثابة اللحظة المناسبة للتأمل في القيم الأساسية لمجتمعنا ونظامنا الاقتصادي. لقد تلقى بورلوج جائزة نوبل للسلام لإسهامه في إحداث "الثورة الخضراء"، التي أنقذت مئات الملايين من البشر من الجوع وغيرت المشهد الاقتصادي العالمي.

قبل بورلوج كان العالم يواجه تهديد كابوس توماس مالثوس : الانفجار السكاني في العالم النامي وتضاؤل الإمدادات الغذائية. هل لكم أن تتخيلوا الصدمة التي كانت لتعاني منها دولة مثل الهند، لو ظل سكانها الذين بلغ تعدادهم آنذاك خمسمائة مليون نسمة لا يجدون إلا ما يسد رمقهم بالكاد، بينما تزايد تعدادهم حتى بلغ ضعف ذلك الرقم! قبل الثورة الخضراء، كان رجل الاقتصاد جونار ميردال الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد يتوقع مستقبلاً مظلماً لقارة آسيا الغارقة في مستنقع الفقر. ولكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن آسيا تحولت إلى قوة اقتصادية عالمية.

وعلى نحو مماثل كانت عزيمة أفريقيا الجديدة وتصميمها على خوض الحرب ضد الفقر بمثابة شهادة حية لصالح بورلوج . وحقيقة أن الثورة الخضراء لم تأت إلى أفقر قارات العالم، حيث الإنتاجية الزراعية لا تزيد عن ثلث مستواها في آسيا، تشير إلى أن في المجال متسعاً للتحسين والإصلاح.

لا شك أن الثورة الخضراء قد لا تكون سوى هدنة مؤقتة. والواقع أن أسعار الغذاء التي ارتفعت إلى عنان السماء قبل الأزمة المالية العالمية كانت بمثابة الإنذار، تماماً كما كانت الحال مع تباطؤ معدلات نمو الإنتاجية الزراعية. على سبيل المثال، سجل القطاع الزراعي في الهند هبوطاً ملموساً فتخلف عن بقية القطاعات الاقتصادية النشطة في الهند، وهو الآن يعيش في الوقت الضائع، بعد أن شهدت مستويات المياه الجوفية، التي تعتمد عليها أغلب أقسام البلاد، انخفاضاً حاداً فجائياً.

ولكن وفاة بورلوج في سن الخامسة والتسعين تذكرنا أيضاً بمدى الانحراف الذي بلغته منظومة قيمنا. فعندما أبلِغ بورلوج بنبأ حصوله على الجائزة، في الرابعة صباحاً، كان يعمل بنشاط في الحقول المكسيكية، في سعيه الذي لا ينتهي لتحسين الإنتاجية الزراعية. ولم يكن يفعل ذلك من أجل مكافأة مالية ضخمة، بل بدافع من اقتناعه بعمله وحبه له.

ويا له من تناقض بين بورلوج وعباقرة وال ستريت الذين قادوا العالم إلى حافة الخراب. فقد زعموا أنهم لابد وأن يُعوضوا بسخاء حتى يصبح لديهم الدافع إلى العمل. ولكن في غياب أي بوصلة أخرى لتوجيههم فإن حتى هياكل التحفيز التي تبنوها لم تكن كافية لتحفيزهم ـ ليس لتقديم منتجات جديدة تساهم في تحسين حياة الناس العاديين أو تساعدهم في إدارة المجازفات التي يخوضونها، بل لتعريض الاقتصاد العالمي للخطر بسبب انخراطهم في سلوكيات جشعة قصيرة النظر. فكانت ابتكاراتهم تركز على التحايل على التنظيمات المحاسبية والمالية المصممة لضمان الشفافية والكفاءة والاستقرار، ومنع استغلال من هم أقل اطلاعاً.

هناك أيضاً نقطة أشد عمقاً في هذا التناقض: إن مجتمعاتنا تتسامح مع التفاوت وعدم المساواة بين الناس لأنها ترى في ذلك بعض الفوائد الاجتماعية؛ أو الثمن الذي نتحمله في مقابل الحوافز التي تدفع الناس إلى العمل على النحو الذي يؤدي إلى تعزيز رفاهية المجتمع. وتذهب النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة التي هيمنت على الغرب لقرون من الزمان إلى أن المكافأة التي يحصل عليها كل فرد تعكس إسهامه الاجتماعي الهامشي ـ أو ما يضيفه إلى المجتمع. وطبقاً لهذه النظرية فإن الأداء الطيب يحمل الناس على الأداء الطيب.

ولكن بورلوج ومصرفيينا يدحضون هذه النظرية. فلو كانت النظرية الكلاسيكية الجديدة سليمة لكان بورلوج من بين أكثر الناس ثراءً في العالم، ولكان مصرفيونا مصطفين أمام مطابخ الحساء الخيرية.

بالطبع، هناك ذرة من الصدق في النظرية الكلاسيكية الجديدة؛ وإلا ما كانت لتستمر طيلة ذلك الوقت (رغم أن الأفكار الرديئة كثيراً ما تتمكن من البقاء على قيد الحياة في الاقتصاد لمدد طويلة). غير أن الاقتصاد التبسيطي الذي ساد أثناء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين نشأت النظريات الكلاسيكية الجديدة، لا يليق على الإطلاق باقتصاد القرن الحادي والعشرين. ففي الشركات والمؤسسات التجارية الكبيرة يكون من الصعب في الكثير من الأحيان أن نتحقق من حجم إسهام أي فرد بعينه. ومثل هذه الشركات تعج بمشاكل "الوكالة": في حين من المفترض أن يتصرف صانعو القرار (المديرون التنفيذيون) بالنيابة عن حملة الأسهم، فهم يملكون السلطة اللازمة لتحقيق مصالحهم الخاصة ـ وهم يفعلون ذلك غالباً.

وربما يرحل المسؤولون عن البنوك وهم يحملون معهم مئات الملايين من الدولارات، في حين يعانى الجميع غيرهم في المجتمع ـ حملة الأسهم، وحملة السندات، ودافعي الضرائب، وملاك المساكن، والعمال. وكثيراً ما يكون المستثمرون في هذه البنوك عبارة عن صناديق معاشات تقاعدية، وهي أيضاً تواجه مشكلة الوكالة، وذلك لأن مسؤوليها التنفيذيين يتخذون القرارات بالنيابة عن آخرين. وفي مثل هذا العالم فإن المصالح الخاصة والاجتماعية كثيراً ما تتشعب، كما شهدنا بشكل واضح في الأزمة الحالية.

ولكن هل يعتقد أي شخص حقاً أن المسؤولين عن البنوك الأميركية أصبحوا فجأة أكثر إنتاجية مقارنة بأي شخص آخر في المجتمع، إلى الحد الذي يجعلهم يستحقون التعويضات الضخمة التي حصلوا عليها في السنوات الأخيرة؟ وهل يعتقد أي شخص حقاً أن المسؤولين التنفيذيين الأميركيين أكثر إنتاجية إلى هذا الحد من نظرائهم في بلدان أخرى، حيث التعويضات أكثر تواضعاً؟

الأسوأ من ذلك أن خيارات الأسهم في أميركا أصبحت شكلاً مفضلاً من أشكال التعويض ـ وكثيراً ما تتجاوز قيمتها الأجر الأساسي للمسؤول التنفيذي. إن خيارات الأسهم تكافئ المسؤولين التنفيذيين بسخاء حتى حين ترتفع أسعار الأسهم بسبب فقاعات الأسعار ـ وحتى حين يكون أداء أسهم الشركات المماثلة أفضل. ليس من المستغرب أن تخلق خيارات الأسهم حوافز قوية بالنسبة للسلوك قصير النظر والمفرط في خوض المجازفات، كما هي الحال مع "الأساليب المحاسبية الخلاقة"، التي نجح المسؤولون التنفيذيون في مختلف قطاعات الاقتصاد في الوصول بها إلى حد الكمال مع الخدع وأساليب التحايل المستخدمة خارج دفاتر الموازنة.

لقد شوهت الحوافز المنحرفة اقتصادنا ومجتمعنا. والحقيقة أننا خلطنا بين الوسائل والغايات. ولقد سجل قطاعنا المالي المتضخم نمواً غير عادي إلى الحد الذي جعله في الولايات المتحدة مسؤولاً عن أكثر من 40% من أرباح الشركات.

ولكن أسوأ التأثيرات كانت من نصيب رأسمالنا البشري. ومن العجيب والمنافي للعقل أن التعويضات السخية في القطاع المالي كانت سبباً في حض بعض من أفضل العقول لدينا على العمل في قطاع البنوك. ومن يدري كم من أمثال برولوج ربما كانوا بين هؤلاء الذين أغوتهم إغراءات الثراء في وال ستريت وسيتي أوف لندن. الحقيقة أن خسارة واحد منهم فقط تعني أن عالمنا أصبح مكاناً أكثر فقراً.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured