European Economies
السبيل الذي لم يسلكه البنك المركزي الأوروبي
أوليفيه بلانشارد and فرانشيسكو جيافاتزي
|
|
|
|
لقد بات من الواضح الآن أن البنك المركزي الأوروبي يرى في رفع أسعار الفائدة الاستجابة السليمة الوحيدة لارتفاع أسعار النفط. ونتيجة لهذا فإن البنك المركزي الأوروبي يجازف بوضع نفسه في مأزق حرج، ذلك أن المنطق المصاحب لرفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع يوحي بأن المزيد آت في الطريق ـ وهي سلسلة من الأخطاء السياسية التي ستجعل اقتصاد منطقة اليورو يتكبد ثمناً باهظاً.
فعلى الرغم من التصريحات التي تفيد العكس، إلا أن أي بنك مركزي، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي، لا يستطيع ببساطة أن يركز على التضخم ويتجاهل ما يتعرض له النشاط الاقتصادي من تعقيدات. ولنفترض على سبيل الجدال أن تثبيت الأسعار جاء على حساب ارتفاع معدلات البطالة إلى 30%. مما لا شك فيه أن أحداً لا يرغب في نتيجة كهذه.
من المؤكد أن المدافعين عن البنك المركزي الأوروبي سوف يقولون إن مثل هذه النتيجة افتراضية بحتة ـ وغير ذات صلة بالقضية ـ ذلك أن تثبيت معدلات التضخم لا يتعارض مع دعم المستوى المناسب من النشاط الاقتصادي. ووفقاً لوجهة النظر هذه فإن استقرار الأسعار يخفف من حالة انعدام اليقين، وبالتالي يمكن الشركات والأفراد من اتخاذ القرارات السليمة. أي أنه أمر طيب وليس سيئاً بالنسبة للنشاط الاقتصادي.
الحقيقة أن هذه الحجة صحيحة ـ في أغلب الأوقات. ولكن حين يواجه الاقتصاد صدمة معاكسة كبيرة، كالارتفاع الحاد في أسعار النفط على سبيل المثال، فلابد من حدوث تضارب بين الهدفين التوأم اللذين يتمثلان في تثبيت معدلات التضخم وصيانة النشاط الاقتصادي في ذات الوقت، ولابد وأن تصبح مهمة البنك المركزي أكثر صعوبة.
وإذا ما فكرنا فيما قد يعني تثبيت معدلات التضخم في مثل هذا السياق، فلسوف ندرك أن الشركات سوف تلجأ على الأرجح إلى تحميل المستهلكين تلك الزيادة في تكاليف الطاقة من خلال رفع أسعارها. وفي استجابة لهذا فمن المرجح أيضاً أن يطالب العمال بأجور اسمية أعلى. وإذا كان للبنك المركزي أن يتجنب الوقوع في فخ التضخم فينبغي عليه أن يحرص على ألا تؤدي تأثيرات "الجولة الأولى" التي سيخلفها ارتفاع أسعار الطاقة على معدلات التضخم إلى تغذية تأثيرات "الجولة الثانية".
في بيئة حيث أرباح الإنتاجية ونمو الأجور في انخفاض بالفعل، كما هي الحال في أوروبا اليوم، فإن إقناع العاملين بقبول تخفيض في أجورهم الحقيقة قد يكون أمراً في غاية الصعوبة. ومن المؤكد أن رفع أسعار الفائدة الذي تقرر هذا الأسبوع سوف يتبين لنا قريباً أنه لم يكن كافياً، وأنه لابد وأن تعقبه سلسلة من رفع الأسعار وزيادة في معدلات البطالة. ولكي يتمكن البنك المركزي الأوروبي من تحقيق معدل التضخم المستهدف، فقد يضطر إلى تقليص الأنشطة إلى أن يضطر العاملون إلى الإذعان فعلياً.
ولكن هل توجد طريقة أفضل للاستجابة إلى الصدمات المعاكسة؟ إن الإجابة على هذا السؤال من حيث النظرية النقدية هي "أجل" واضحة لا لبس فيها: ومن الممكن أن يتحقق هذا من خلال منح العاملين الفرصة للتأقلم مع أسعار الطاقة المرتفعة، والسماح بإيجاد فرجة لموازنة ارتفاع الأسعار بزيادة الأجور مع الوقت (بحيث يتم تعديل الأجور على نحو أكثر تدرجاً)، والتأكيد على أن معدلات التضخم سوف تعود إلى نطاقها المستهدف خلال عام أو عامين على سبيل المثال. إن انتهاج مثل هذه السياسة من شأنه أن يحد من الزيادة في معدلات البطالة، على حساب ارتفاع معدلات التضخم بصورة مؤقتة فقط.
لماذا إذاً يسلك البنك المركزي الأوروبي مساراً أكثر مشقة؟ هناك ثلاثة أسباب مقبولة ظاهرياً.
السبب الأول أن الأجور كانت تشكل قدراً ضئيلاً من الضغوط حتى الآن. الأمر الذي يعني أن البنك المركزي الأوروبي لن يضطر إلى زيادة كبيرة في أسعار الفائدة من أجل احتواء التضخم. وإذا ما نجح هذا السيناريو فإن التأثير على النشاط الاقتصادي وتشغيل العمالة سوف يكون ضئيلاً للغاية.
ولكن هناك خلفية تاريخية لا بأس بها تجعلنا نعتقد أن هذا السيناريو لن ينجح. والحقيقة أن ما نراه في أوروبا اليوم قد لا يكون أكثر من تعديل متأخر على الأرجح وليس قبولاً سلبياً لتخفيض الأجور الحقيقية من جانب العاملين والنقابات العمالية. ولا ينبغي للبنك المركزي الأوروبي أن يخدع نفسه فيتصور أن زيادة بسيطة في أسعار الفائدة سوف تكون كافية. فإذا ما أتت الضغوط المرتبطة بالأجور، وهي آتية لا محالة، فقد يضطر البنك المركزي الأوروبي، في محاولة للالتزام بتعهده، إلى رفع أسعار الفائدة إلى حدود تتجاوز كثيراً ما يتوقعه الآن.
أما الحجة الثانية فتؤكد أن العاملين لن يطالبوا بأجور اسميه أعلى إذا ما ثبت البنك المركزي الأوروبي على موقفه، وذلك لأنهم سوف يدركون أن هذا لن يؤدي إلا إلى ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع معدلات البطالة.
هذه الحجة ليست بعيدة الصلة عن قضيتنا؛ فربما كان للسياسة النقدية بعض التأثير على المساومة بشأن الأجور، ولكن لا ينبغي لنا أن نتوقع الكثير من اتخاذ البنك المركزي الأوروبي لموقف صلب. ولنتذكر النجاح المحدود الذي أحرزه البنك المركزي الأوروبي في الدفاع عن تبني سوق العمالة لقدر أكبر من المرونة: حيث لم يقودنا ذلك إلى زيادة ملموسة في سرعة الخطوات على مسار الإصلاح.
وتؤكد الحجة الثالثة أن ارتفاع معدلات التضخم اليوم سوف يعرض مصداقية البنك المركزي الأوروبي للخطر في المستقبل. ولا نستطيع أن نقول إن هذه الحجة ليست ذات صلة: ذلك أننا لا ينبغي أن نسمح لارتفاع معدلات التضخم اليوم بتغيير التوقعات الخاصة بالتضخم على الأمد المتوسط.
وعلى هذا فإن تعليق أسعار الفائدة في مواجهة الصدمات المعاكسة المرتبطة بالأسعار يتطلب التوصل إلى تفسير مقنع من قِـبَل البنك المركزي الأوروبي لسياساته الضمنية. وهنا تصبح مهمة البنك المركزي الأوروبي أكثر صعوبة وتعقيداً، وهذا لأن التركيز في هذا الإطار الضيق على تثبيت معدلات التضخم سوف يحمل الأسواق على تفسير محاولة البنك المركزي الأوروبي لتبني موقف أكثر مرونة باعتباره تغييراً في موقف البنك. فضلاً عن ذلك، ولأن البنك المركزي الأوروبي قد تجاوز بالفعل معدل التضخم المستهدف خلال الأعوام الأخيرة، فقد أصبحت مصداقيته موضع شك بالفعل.
إن تبني السياسة المناسبة يتطلب من البنك المركزي الأوروبي أن يحرص على الإفصاح عن أسبابه المنطقية بحرص شديد. وهنا يستطيع البنك أن يتعلم الدروس من نظيريه البريطاني والأميركي: ذلك أن بناء المصداقية لا يتحقق من خلال القطع بالرأي دون إبداء أسباب عقلانية، بل عن طريق وضوح الغاية.
إن ما نجازف به هنا أكثر أهمية من أن نتجاهله. ذلك أن البنك المركزي الأوروبي بسياسته الحالية يجازف بالاضطرار إلى الالتزام بأسعار فائدة أكثر ارتفاعاً إذا لم تنخفض أسعار النفط، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى ارتفاع معدلات البطالة في منطقة اليورو.
أوليفر بلانشارد أستاذ علوم الاقتصاد بمعهد ماستشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وفرانشيسكو جيافاتزي أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة بوتشوني في ميلانو.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.
www.project-syndicate.org ترجمة: أمين علي Translated by: Amin Ali
You might also like to read more from أوليفيه بلانشارد and فرانشيسكو جيافاتزي or return to our home page.
|
|

