Thursday, October 23, 2014
0

لا تلوموا الاقتصاد، بل خبراء الاقتصاد

كمبريدج ـ مع انزلاق الاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية بدأ منتقدو مهنة الاقتصاد في طرح الأسئلة بشأن التواطؤ المحتمل في الأزمة الحالية. والحقيقة أن خبراء الاقتصاد لابد وأن يتحملوا مسؤولية الإجابة عن العديد من هذه الأسئلة.

إن خبراء الاقتصاد هم الذين روجوا على المستوى الشعبي وأضفوا قدراً عظيماً من الشرعية على فكرة مفادها أن التمويل غير المقيد كان بمثابة هدية للمجتمع. وكانوا يتحدثون على نحو يكاد يقرب من الإجماع حين يتعلق الأمر بالمخاطر المتمثلة في إفراط الحكومة في فرض التنظيمات. ولقد اكتسبوا بفضل خبراتهم الفنية ـ أو ما بدا كذلك آنذاك ـ مكانة متميزة باعتبارهم صناع الرأي، فضلاً عن قدرتهم على الوصول إلى دهاليز السلطة.

والحقيقة أن قِـلة قليلة منهم (ومن أبرزهم نورييل روبيني و روبرت شيللر ) أطلقوا أجراس الإنذار بشأن الأزمة المقبلة. وربما كان الأسوأ من ذلك أن هذه المهنة أخفقت في توفير الإرشاد المفيد في توجيه الاقتصاد العالمي نحو أي مخرج من ورطته الحالية. وفيما يتصل بالحوافز المالية "الكينزية" (المتوافقة مع مبادئ جون ماينارد كينـز ) فقد تراوحت وجهات نظر خبراء الاقتصاد في تقييمها من "ضرورية للغاية" إلى "غير فعالة وضارة".

وفيما يتصل بالعودة إلى فرض التنظيمات على التمويل، فهناك الكثير من الأفكار الطيبة، ولكن التقارب بين هذه الأفكار ضئيل للغاية. فمن شبه الإجماع على فضائل النموذج المالي المركزي للعالم، انتقل العاملون في مهنة الاقتصاد إلى الغياب شبه الكامل للإجماع على التحرك الذي ينبغي القيام به.

هل يحتاج الاقتصاد إذن إلى تغيير ضخم. وهل ينبغي لنا أن نحرق كل كتب الاقتصاد ونعيد كتابة المبادئ الاقتصادية من الصفر؟

في الواقع، نحن لا نحتاج إلى هذا. فبدون اللجوء إلى مجموعة الأدوات التي يستعين بها خبراء الاقتصاد في القيام بعملهم لن نتمكن حتى من فهم الأزمة الحالية.

فلماذا على سبيل المثال تسبب القرار الذي اتخذته الصين بتكديس الاحتياطيات من النقد الأجنبي في تحمل مقرضي الرهن العقاري في أوهايو قدراً أعظم من المجازفة؟ إن لم تستعن في إجابتك بعناصر من الاقتصاد السلوكي، ونظرية الوكالة، واقتصاد المعلومات، والاقتصاد الدولي، بين عناصر أخرى، فمن المرجح أن تظل إجابتك ناقصة إلى حد خطير.

إن الخلل لا يكمن في الاقتصاد، بل في خبراء الاقتصاد. والمشكلة هنا أن خبراء الاقتصاد (وهؤلاء الذين يصغون إليهم) أفرطوا في وضع ثقتهم في نماذجهم المفضلة التي تُـجمِع على أن الأسواق تتمتع بالكفاءة اللازمة، وأن الإبداع المالي يعمل على تحويل المجازفة إلى هؤلاء الأفضل قدرة على تحمل المجازفة، وأن التنظيم الذاتي يعمل على نحو أفضل، وأن تدخل الحكومات غير فعّال وضار.

ولكنهم نسوا أن العديد من النماذج الأخرى كانت تقود نحو اتجاهات مختلفة تمام الاختلاف. إن الغطرسة والغرور يقودان إلى احتجاب البصيرة. وإن كان أي شيء في حاجة إلى الإصلاح فهو مهنة الاقتصاد ذاتها. أما المراجع الدراسية ـ أو على الأقل تلك المستخدمة في المناهج الدراسية المتقدمة ـ فلا يعيبها شيء.

إن غير الخبراء يميلون إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره نظاماً يؤله الأسواق ومفهوماً ضيقاً للكفاءة (في تخصيص الموارد). وإذا كان المنهج الاقتصادي الذي تدرسه هو عبارة عن دراسة تمهيدية نمطية، أو إذا كنت صحافياً يطلب من أحد خبراء الاقتصاد رأياً سريعاً في قضية متعلقة بالتخطيط الاقتصادي فإن هذا هو ما ستواجهه في الواقع. ولكن إذا ما تلقيت المزيد من الدورات في دراسة الاقتصاد، أو إذا ما أمضيت بعض الوقت في حلقات دراسية متقدمة، فلسوف تحصل على صورة مختلفة تماماً.

إن خبراء الاقتصاد لا يركزون في مجال العمل على الكيفية التي قد تعمل بها النقابات التجارية على تشويه الأسواق، بل وعلى الكيفية التي قد تنجح بها هذه النقابات في ظل ظروف معينة في تعزيز الإنتاجية. أما خبراء الاقتصاد في مجال التجارة فيدرسون الآثار التي تخلفها العولمة على التفاوت بين الناس سواء داخل كل بلد على حِـدة أو بين البلدان المختلفة. ولقد كتب منظرو التمويل عدداً لا يحصى من الكتب عن العواقب المترتبة على فشل فرضية "كفاءة الأسواق". إن العوامل الاقتصادية الكلية للاقتصاد المفتوح تختبر عدم استقرار التمويل الدولي. والحقيقة أن الدراسات الاقتصادية المتقدمة تتطلب التعرف على كيفية فشل الأسواق بالتفصيل، وعلى السبل العديدة التي قد تتمكن بها الحكومات من مساعدة الأسواق في العمل على نحو أفضل.

قد يكون الاقتصاد الكلي الميدان الاقتصادي التطبيقي الوحيد حيث يؤدي المزيد من الدراسة إلى تباعد المسافة بين المتخصصين والعالم الحقيقي، ويرجع ذلك إلى اعتماد الاقتصاد الكلي على نماذج غير واقعية تتجاهل أهمية الدقة الفنية الصارمة. ومن المحزن في ظل احتياجات اليوم أن الاقتصاد الكلي لم ينجح في إحراز قدر كبير من التقدم فيما يتصل بالتخطيط منذ شرح جون ماينارد كينـز كيف قد يُـبتلى الاقتصاد بالبطالة بسبب العجز في الطلب الكلي. وقد يزعم بعض خبراء الاقتصاد مثل برادفورد ديلونغ و بول كروغمان أن هذا الميدان قد تراجع بالفعل.

إن الاقتصاد في واقع الأمر عبارة عن مجموعة أدوات تشتمل على نماذج متعددة ـ كل منها عبارة عن تمثيل مختلف منمق لبعض جوانب الواقع. وبراعة أي خبير اقتصادي تعتمد على قدرته على انتقاء واختيار النموذج السليم الصالح للتعامل مع وضع اقتصادي بعينه.

إن ثراء الاقتصاد لم ينعكس على الحوارات العامة لأن خبراء الاقتصاد أجازوا لأنفسهم ما لا ينبغي لهم. فبدلاً من تقديم قوائم من الخيارات والمقايضات ذات الصلة ـ وهو الجوهر الذي يقوم عليه علم الاقتصاد ـ دأب خبراء الاقتصاد على نقل أفضلياتهم الاجتماعية والسياسية. وبدلاً من العمل كمحللين لجأ خبراء الاقتصاد إلى الإيديولوجية البحتة، فانحازوا لصالح مجموعة من الترتيبات الاجتماعية على حساب غيرها.

فضلاً عن ذلك فقد كان خبراء الاقتصاد كارهين لتبادل شكوكهم الفكرية مع عامة الناس، خوفاً من "تمكين الغوغاء". ولا يستطيع أي خبير اقتصادي أن يزعم أنه على ثقة كاملة من سلامة نموذجه المفضل. ولكن حين يدافع هو وغيره عن ذلك النموذج إلى حد استبعاد كل البدائل، فإن الحال تنتهي بهم إلى نقل درجة مبالغ فيها إلى حد كبير من الثقة بشأن مسار العمل المطلوب.

من عجيب المفارقات إذن أن الفوضى الحالية في إطار مهنة الاقتصاد قد تشكل انعكاساً أفضل للقيمة المضافة الحقيقية التي تقدمها هذه المهنة مقارنة بالإجماع المضلل القديم. والحقيقة أن الاقتصاد قادر تحت أفضل الظروف على توضيح الخيارات أمام صُـناع القرار السياسي؛ ولكنه لا يستطيع أن يقرر هذه الاختيارات بالنيابة عنهم.

حين يختلف خبراء الاقتصاد فإن العالم يتعرض لتنوع مشروع في الآراء حول الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد. أما حين يبالغ هؤلاء الخبراء في الإجماع على الرأي فهنا ينبغي للناس أن يحذروا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured