Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

برلسكوني ودبلوماسيته الخاصة

روما ـ على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإيطالية على شبكة الإنترنت، تحظى تونس بقدر كبير من الإشادة بسبب "سماتها المثالية" و"استقرارها السياسي والاجتماعي". وبعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي من السلطة، فإن المخاطر المحيطة بدعم الأنظمة العربية المستبدة في مقابل قدر واه من الاستقرار لابد وأنها أصبحت مرة أخرى واضحة جليلة في نظر القوى الغربية. ولكن في إيطاليا، تشكل الانتفاضة التونسية أيضاً تذكيراً مؤلماً بالكتلة المتشابكة من المصالح الخاصة والعامة المتضاربة لرئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني.

إن العديد من الإيطاليين يتذكرون أن بن علي ـ الذي كان صعوده إلى السلطة مدعوماً بشكل مباشر من قِبَل إيطاليا ـ قدم الملجأ لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق بنيتو كراكسي (معلم برلسكوني السياسي)، الذي فر من البلاد في عام 1944 حتى يتجنب الإدانة بتهم الفساد. ولقد توفي كراكسي ودُفِن في منتجع الحمامات التونسي.

وفي وقت أقرب إلى وقتنا الحاضر، عاد الشأن التونسي إلى الظهور فيما يتصل بواحد من أقتم الملفات المرتبطة بسياسة برلسكوني الخارجية: أو ملف ليبيا. ففي شهر سبتمبر/أيلول من عام 2009، نشرت صحيفة الجارديان مقالاً عن شركة كينتا للاتصالات، والتي يمتلكها مقاول تونسي المولد وشريك تجاري قديم لبرلسكوني، وهو طارق بن عمار. ولقد زعم المقال أن كينتا تسيطر على جزء منها شركة تملكها مجموعة استثمارية تابعة لأسرة برلسكوني، وتسيطر على جزء آخر منها شركة قابضة تسيطر عليها مجموعة استثمارية تابعة لأسرة القذافي. ولم يبادر أحد إلى تفنيد المعنى الضمني الذي يشير إلى أن برلسكوني والقذافي يشتركان في ملكية شركة كينتا بشكل غير مباشر.

ولو كان برلسكوني مجرد قطب من أقطاب المال فإن مثل هذه التقارير ما كانت لتثير العديد من التساؤلات والشكوك. فالمؤسسات المالية الليبية كانت تستثمر أموالها في إيطاليا لعقود من الزمان. ولو كان برلسكوني رجل دولة فحسب، فقد يزعم البعض أن تبني سياسة واقعية امتياز مبرر لدولة ذات سيادة: فالاعتبارات الاستراتيجية تتفوق في كثير من الأحيان على ملاحقة الأهداف النبيلة، مثل تعزيز حقوق الإنسان. وعلى حد تعبير برلسكوني الصريح فإن العلاقات الأوثق مع ليبيا تدور حول "عدد أقل من المهاجرين غير الشرعيين والمزيد من النفط".

والمشكلة مع برلسكوني هي أن إمبراطورية الشركات التي يمتلكها، والتي تتراوح بين وسائل الإعلام ودور النشر إلى شركات التأمين والإعلان، قد تؤثر بشكل واضح على قضايا رئيسية في السياسة الخارجية. وعندما يتعلق الأمر بمساءل حساسة مثل الهجرة وأمن الطاقة فإن السياسة الخارجية التي تنتهجها حكومته قد تكون ذات تأثير عميق على مواطني دول أخرى أيضا.

والواقع أن البرقيات الدبلوماسية الأميركية التي نشرتها ويكيليكس حتى الآن تشير إلى وجود نمط صريح في هذا السياق. فقد تبين أن دبلوماسيين أميركيين لديهم أيضاً تحفظات بشأن العلاقة بين برلسكوني وروسيا. وهم يعربون عن مخاوفهم بشأن الصفقات التجارية "غير الشفافة في كثير من الأحيان" والتي تبرم بين البلدين، ويزعمون أن العديد من "الأقران التجاريين" المقربين من برلسكوني متورطون إلى حد عميق في استراتيجية الطاقة الروسية. ولقد نُقِل عن سفير الولايات المتحدة في ذلك الوقت على نحو متكرر اقتراح مفاده أن برلسكوني يقيم "علاقات مربحة ماليا" مع الكرملين.

لا شك أن التشكيك في صحة هذه الادعاءات أمر سهل، ولقد كان برلسكوني سريعاً في مقابلة هذه الادعاءات بالضحك والسخرية. ولكن السؤال الأساسي حول ما إذا كانت إيطاليا جديرة بالثقة أم لا من غير الممكن أن يُصرَف بهذه السهولة.

وتماماً كما فعل الدبلوماسيون الأميركيون فإن بقية المجتمع الدولي لديه الحق في التكهن بشأن الأولويات الدولية لتجارة أسرة برلسكوني؛ وحول ما إذا كانت هذه الأولويات تؤثر على السياسة الخارجية الإيطالية؛ وحول الكيفية التي قد يثبت بها برلسكوني أن هذه الأولويات غير مؤثرة. والواقع أن مهارات البقاء التي يتمتع بها برلسكوني، والألعاب البهلوانية التي تحيط بحياته الشخصية، أبعدت العالم الخارجي عن انتباه أغلب الإيطاليين. ولكن نادراً ما كانت السياسة الخارجية لأي دولة غربية معرضة إلى هذا الحد للمصالح الخاصة لرئيس وزرائها.

إن تضارب المصالح في إيطاليا قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بما هو أعظم من ثقة حلفائها فيها. فقد يقوض مصداقية التأكيد الأوروبي المعلن على الترويج لحكم القانون، ويعزز التهمة التي كثيراً ما توجه إلى السياسة الأوروبية بانتهاج معايير مزدوجة. وكما ذكرت التقارير كيف يبدي رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتن الاستهزاء والسخرية حين يواجه بالانتقادات الأوروبية الروتينية بشأن الفساد والجريمة المنظمة، فإن "مافيا ليست كلمة روسية".

إن كل من يستطيع الوصول إلى موقع يوتيوب قادر على استعراض مقاطع ترجع إلى عام 1986 لمقابلة أجراها مع برلسكوني الصحافي المخضرم إنزو بياجي في الاستوديوهات التابعة لشبكة برلسكوني الإعلامية. وأسفل خريطة لأوروبا في أيام الحرب الباردة، كان رجل الأعمال برلسكوني آنذاك يتفاخر بنجاح شركاته. وفي خاتمة المقابلة يؤكد برلسكوني أن توسع قنواته التلفزيونية في الخارج سوف يشكل أهمية محورية فيما يتصل بتوحيد أوروبا.

ورغم عدم تحقق هذه الرؤية فإن الأساس المنطقي الذي تستند إليه لابد وأن يشكل أهمية كبرى بالنسبة لشركاء إيطاليا الدوليين.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.