Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

البراميل، ومكاييل الحبوب، والسندات

كمبريدج ــ كانت أسعار المواد الهيدروكربونية (مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم)، والمعادن، والسلع الزراعية، وكأنها تمتطي قطار ملاه حقيقي. فعلى الرغم مما تتسم به أسعار السلع الأساسية دوماً بالتقلب مقارنة بأسعار السلع المصنعة والخدمات، فإن أسواق السلع الأساسية شهدت على مدى الأعوام الخمسة الماضية قدراً غير عادي وغير مسبوق من التقلب.

فقد شهدت البلدان المتخصصة في تصدير النفط أو النحاس أو الحديد أو القمح أو القهوة، أو غير ذلك من السلع الأساسية، ازدهاراً ملموسا، ولكنها رغم ذلك معرضة للخطر إلى حد كبير. ذلك أن أسعار السلع الأساسية بالدولار قد تهبط إلى مستويات متدنية للغاية في أي وقت، نتيجة للركود الجديد، أو الزيادة في أسعار الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة، أو التقلبات المناخية، أو عوامل عشوائية مرتبطة بقطاعات محددة.

والبلدان التي لديها ديون غير مسددة بالدولار أو أي عملة أجنبية أخرى معرضة أيضاً للخطر بشكل خاص. فإذا هبطت عائدات صادراتها نسبة إلى التزامات أقساط الديون المستحقة عليها، فإن النتيجة قد تكون اندلاع أزمات تذكرنا بأزمات العملة التي ضربت أميركا اللاتينية في عام 1982، أو التي ضربت آسيا وروسيا أثناء الفترة 1997-1998.

الواقع أن العديد من البلدان أحرزت تقدماً ملموساً منذ تسعينيات القرن العشرين في التحول عن الديون المقومة بالدولار نحو الاستثمار المباشر الأجنبي وغير ذلك من أنماط تدفق رأس المال، أو في تسديد المستحق عليها من التزامات دفعة واحدة. ولكن بعض البلدان المصدرة للسلع الأساسية لا تزال تبحث عن سبل للاقتراض لا تعرضها لمخاطر مفرطة.

وقد توفر سندات السلع الأساسية وسيلة أنيقة للتحايل على هذه المخاطر. فيتعين على الدول المصدرة لأي سلعة أساسية بعينها أن تصدر سندات دين مقومة وفقاً لسعر هذه السلعة، وليس بالدولار أو أي عملة أخرى. فجاميكا على سبيل المثال قد تصدر سندات للألمونيوم؛ ونيجيريا قد تصدر سندات للنفط؛ وسيراليون قد تصدر سندات لخام الحديد؛ ومنغوليا قد تصدر سندات للنحاس. وبوسع المستثمرين شراء سندات القهوة من جواتيمالا، وسندات الكاكاو من كوت ديفوار، وسندات المطاط من ليبريا، وسندات القطن من مالي، وسندات الذهب من غانا.

تتميز هذه السندات بأنها في حالة انحدار السعر العالمي لسلعة معينة، لا تتسبب في رفع نسبة الدين إلى الصادرات. ويتم تعديل تكاليف خدمة الدين تلقائيا، من دون الانقطاع الحاد الناتج عن فقدان الثقة، والأزمات، وإعادة هيكلة الديون، وما إلى ذلك.

الفكرة ليست جديدة. لماذا إذن لم تُجرَب من قبل؟ إذا سألت وزراء المالية في الدول المصدرة للسلع الأساسية فإنهم يجيبون عادة بأنهم يخشون عدم كفاية الطلب على سندات السلع الأساسية.

وهي في واقع الأمر حجة مستغربة إذا ما علمنا أن سندات السلع الأساسية يمكن تداولها في سوق محتملة واضحة، وتضرب بجذورها في الأسس الاقتصادية الحقيقية. فشركات الصلب على سبيل المثال تحتاج بشدة إلى التحوط ضد تقلبات أسعار خام الحديد، تماماً كما تحتاج شركات الطيران والمرافق إلى التحوط ضد التقلبات في أسعار النفط.

وتمثل كل من هذه السلع الأساسية مُدخلاً بالغ الأهمية للشركات الكبرى. وفي أقل تقدير، هناك بكل تأكيد من الطلب الطبيعي على سندات السلع الأساسية ما لا يقل عن الطلب على سندات مقايضة العجز عن سداد الائتمان وبعض المشتقات المعقدة إلى حد غريب والتي يتم تداولها حاليا.

إن إنجاح أي سوق يتطلب توفر السيولة، وقد يكون من الصعب بداية تشغيل سوق جديدة قبل أن تبلغ كتلة حرجة معينة. وقد تكمن المشكلة في عدم وجود العدد الكافي من المستثمرين الراغبين في اتخاذ مواقف طويلة الأجل فيما يتصل بالمخاطر المترتبة على النفط والائتمان النيجيري في نفس الوقت.

وبوسع مؤسسة متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي، أن تلعب دوراً حاسماً في إطلاق سوق لسندات السلع الأساسية. وسوف يكون ذلك ملائماً تماماً في تلك البلدان حيث يقدم البنك القروض بالفعل.

وإليكم الطريقة التي يمكن أن يتم بها الأمر. فبدلاً من تقويم دين مقدم إلى نيجريا على سبيل المثال بالدولار، يقوم البنك الدولي بتقويمه وفقاً لسعر النفط ثم يؤجل تعرضه لأسعار النفط العالمية من خلال إصدار نفس الكمية من السندات المقومة بسعر النفط. وإذا قدم البنك القروض لبلدان متعددة مصدرة للنفط، فإن سوق سندات النفط التي ينشئها سوف تكون أضخم وأكثر سيولة بنفس القدر. وسوف تشكل هذه الوظيفة التجميعية أهمية خاصة في الحالات حيث توجد درجات أو أنواع مختلفة من المنتج (كما هي الحال مع النفط أو القهوة)، وحيث يصبح بوسع الأسعار أن تتباعد بالقدر الكافي لإيجاد فارق ملموس بالنسبة للمصدرين.

ومن بين البدائل التي قد يستفيد منها مصدرو السلع الأساسية أن يتحوطوا ضد المخاطر من خلال البيع في السوق الآجلة. ولكن العيب الرئيسي في مثل هذه المشتقات يتلخص في قصر فترة استحقاقها. على سبيل المثال، تحتاج دولة في غرب أفريقيا اكتشف بها احتياطيات جديدة من النفط إلى تمويل عمليات الاستكشاف والتنقيب والحفر وتمديد خطوط الأنابيب، وهو ما يعني احتياجها إلى التحوط لفترة زمنية قد تمتد من عشرة أعوام إلى عشرين عاما، وليس تسعين يوما.

ومن العيوب الأخرى التي تتسم بها مثل هذه المشتقات أنها تتطلب درجة عالية من التمرس ــ على الصعيدين التقني والسياسي. ففي حالة حدوث زيادة في سعر سلعة أساسية، فإن وزير المالية، الذي قام بعمل مثالي في التحوط ضد المخاطر المرتبطة بسعر التصدير في السوق الآجلة، قد يجد نفسه بلا سابق إنذار متهماً بالمقامرة بالتراث الوطني. وتتضاءل إلى حد كبير هذه المشكلة المرتبطة بالوكيل الرئيسي في حالة سندات السلع الأساسية.

إذا تمكن خبراء التمويل الدولي المخضرمين من العمل بشكل جماعي على بلورة هذه الفكرة الآن، فإن الدول المصدرة للسلع الأساسية قد يكون بوسعها أن تتجنب الكوارث في المرة القادمة التي تسجل فيها أسعار منتجاتهم هبوطاً حادا. ويتعين على البنك الدولي أن يتولى هذه القضية بالرعاية.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured