Sunday, April 20, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
1

هل نعود إلى المدينة الفاضلة؟

باريس ــ لم يعد بوسع فرنسا أن تدعي احتلالها لمركز الصدارة في تاريخ العالم، ولكنها تظل متمتعة بنفوذها فيما هو أبعد من حدودها الوطنية. منذ القرن الثامن عشر ــ ومروراً بالدور الملحمي الذي لعبه شارل ديجول في الحرب العالمية الثانية، وتفكيك المستعمرات في أفريقيا، وثورة الطلاب في عام 1968 ــ حملت فرنسا بشكل متكرر لواء الريادة لتغيرات مجتمعية عميقة في مختلف أنحاء أوروبا. تُرى هل تشكل انتخاباتها الرئاسية الأخيرة استمراراً لهذا التقليد؟

أقام فرانسوا هولاند، الرجل البيروقراطي الرقيق، حملته الانتخابية على وعد بأن يكون رئيساً "طبيعيا" خلافاً للرئيس الملون الحالي المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي ــ بل وخلافاً لكل من سبقوه في هذا المنصب منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في عام 1959. وهذا يعني أن فوز هولاند قد يكون بمثابة الإشارة إلى أن الدول الديمقراطية أصبحت غير راغبة في أن يقودها رؤساء أو رؤساء وزراء مزخرفون أو من ذوي الكاريزما.

والواقع أننا لن نجد أي ديمقراطية في مختلف أنحاء أوروبا اليوم تقودها شخصية قوية أو كاريزمية. لا تزال إيطاليا تحت إدارة مؤقتة، ولكن هناك أيضاً يبدو أن الناخبين أداروا ظهورهم لأي رئيس مزخرف. والآن لا يوجد في أوروبا ساركوزي أو سيلفي بيرلسكوني، ولكن لا يوجد بها أيضاً مارجريت تاتشر أو هيلموت كول أو خوسيه ماريا أثنار. ففي زمن الأزمة الاقتصادية والمؤسسية في أوروبا، يبدو أن كل الزعماء الأوروبيين أصبحوا عاديين إلى حد كبير.

الواقع أن العديد من الناس يرون أن انتصار الشكل الطبيعي على الكاريزما أمر يستحق الاحتفال. فالديمقراطية تقوم على مواطنين عاديين ينتخبون رجلاً عادياً أو امرأة عادية لقيادتهم لفترة محددة وفقاً لقواعد راسخة.

ولكن الميل نحو الشكل الطبيعي بين زعماء أوروبا يتزامن مع غياب ملحوظ للرؤية والاستراتيجية. وإذا كان أي من هؤلاء الزعماء الطبيعيين يحمل استراتيجية طويلة الأمد لأوروبا (هل يستطيع أي شخص أن يتصور أمراً كهذا من رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومبوي أو الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون؟)، فمن الواضح أنه غير قادر بشكل ملحوظ على نقلها إلينا.

وفي حالة هولاند، فإن اللمحات النادرة لرؤية شاملة تذكرنا بديمقراطية فرنسا الاجتماعية الناجحة في ستينيات القرن العشرين: دولة الرفاهة القوية، إلى جانب الاستثمارات العامة السخية لإعادة الحياة إلى النمو الاقتصادي وتعزيز فرص العمل. ويبدو أن نقطة هولاند المرجعية تعود إلى أنشودة رعوية من شبابه الذي كان في مرحلة ما بعد الحرب، الوقت الذي شهد نمواً سريعا، وانتعاشاً ديموغرافيا، وهجرة نادرة، ومنافسة عالمية ضئيلة.

أو بعبارة أخرى، سوف يحاول هولاند إغواء زعماء أوروبيين آخرين من خلال تقديم رؤية لعالم لم يعد له وجود. أن سياسة الحنين إلى الماضي هذه مقلقة، ليس فقط لأن فرنسا ــ وأوروبا ــ تواجه تحديات اقتصادية حادة، بل وأيضاً لأن فرنسا وغيرها من الدول الديمقراطية تواجه تحديات حقيقية تهدد شرعيتها.

عندما نتذكر الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2012 في المستقبل فقد لا نتذكرها لفوز هولاند بها وانتصار الحالة الطبيعية بقدر ما نتذكرها باعتبارها خطوة حاسمة في مسيرة الأحزاب الشعبوية نحو السلطة. ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، نجح أقصى اليسار الذي يتألف من مجموعة متنافرة الألوان من مناهضي الرأسمالية وأنصار البيئة المتطرفين في الحصول على 14% من الأصوات. ومن أقصى اليمين، نجحت الجبهة الوطنية بقيادة ماريان لوبان، الوريث السياسي للفاشية الفرنسية، في الحصول على 18% من الأصوات، وهي أفضل نتائج حققها الحزب على الإطلاق.

أو نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن ثلث الناخبين الفرنسيين ينجذبون الآن إلى مرشحين من ذوي الإيديولوجيات المتطرفة التي تشترك في رفضها المناهض لليبرالية لكل من اليورو والرأسمالية والعولمة. وتمتد جذور الجانبين إلى ماض مثالي: الثورة الفرنسية ووعد المساواة الذي بذلته لأقصى اليسار، والإمبراطورية الفرنسية وهيمنتها على شعوب العالم غير البيضاء بالنسبة لأقصى اليمين.

فضلاً عن ذلك فإن المنتمين إلى طرفي النقيض هذين يتسمون بمشاعر وطنية قوية. ومع اقتناعهم بأن فرنسا ينبغي لها أن تعمل منفردة، فإنهم سوف يسارعون إلى إغلاق الاقتصاد أمام المنافسة الأجنبية، وقمع الأسواق المالية، وإعادة المهاجرين إلى أوطانهم الأصلية. ويمتد هذا التقارب إلى ما هو أبعد من اللاعقلانية التي تتسم بها أجندات الطرفين. فكل من أقصى اليسار وأقصى اليمين يجد جماهيره الانتخابية الرئيسية بين العدد الهائل من الفرنسيين الذين يشعرون بانعدام الأمان على المستوى الاقتصادي والحرمان من حقوقهم على المستوى السياسي ــ أو بعبارة أخرى، كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم محرومين من أي فرصة في المجتمع المفتوح.

الواقع أن نسخة هولاند من الحالة الطبيعية لا تروق كثيراً لهؤلاء الناخبين الشعبويين. ولكن رفضهم لن يكون من الحكمة في شيء، وذلك لأن تطلعهم إلى المدينة الفاضلة يستند إلى مخاوف وهموم حقيقية ومشروعة. فقد أدى النمو البطيء والعولمة إلى تقسيم كل المجتمعات الأوروبية ــ والولايات المتحدة ــ إلى طبقتين جديدتين: هؤلاء الذين يمكنهم تعليمهم ورأسمالهم الاجتماعي من التعامل مع اقتصاد اليوم الخاضع للعولمة، وهؤلاء الذين علقوا في وظائف متدنية الأجر ومؤقتة غالبا (وبالتالي فإنهم الأكثر عُرضة للتأثير المباشر الذي تفرضه المنافسة من جانب المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين).

بيد أن أحداً من زعماء أوروبا المنتمين إلى التيار السائد، بما في ذلك هولاند، لم يذكر حتى هذا التقسيم الجديد. بل إن هولاند وساركوزي مثّلا هؤلاء الذين تكيفوا مع العولمة ونظروا إلى البقية باعتبارهم مستودعاً احتياطياً من الناخبين يمكن استدراجهم، وليس بوصفهم طبقة دنيا جديدة.

إن هذا الفهم السطحي للشعوبية يجعل من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عرضاً مشئوماً لزعامة أوروبية عمياء. وهذه الواجهة الزائفة من الحالة الطبيعية لا يمكنها أن تتحمل المخاطر الحقيقية التي تهدد أسس المجتمعات الأوروبية.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    We are in a transitional phase today.
    The world as we know it, our present civilization has served its time it has become obsolete, and we have to move on together with evolution.
    Today national identities, borders, even cultures are gradually eroded in the ocean of a single, global, integral humanity.
    We need to understand that we do not have any free choice about it, it is part of human evolution, that through multiple factors we are merging together into a single interdependent network.
    Actually it has already happened, we just still try to resist it, especially the populist politicians who still try to incite nationalistic fervor for their own personal benefit, for their own agendas. But real life is already conducted on a global scale.
    We can easily see that national governments, presidents or prime ministers, even from the most influential countries have less and less influence, and are totally and desperately helpless to make any impact on the global, or even on local crisis situations.
    The future is supra-national, a global, mutual, public based governance system.

Featured