Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

محور آسيا التالي

سيول ــ في الشهر الماضي، اتفق زعماء الصين واليابان وكوريا الجنوبية على البدء في المفاوضات في وقت لاحق من هذا العام بشأن اتفاقية تجارة حرة ثلاثية. وإذا نجحت المحادثات، فهذا يعني ضرورة إعادة رسم خريطة التجارة العالمية. إن اتفاقية التجارة الحرة التي تضم على التوالي الدولة صاحبة ثاني أضخم اقتصاد، والدولة صاحبة ثالث أضخم اقتصاد، والدولة صاحبة ثاني عشر أضخم اقتصاد على مستوى العالم (قياساً على تعادل القوة الشرائية في عام 2011)، وهي الدول التي يبلغ عدد سكانها مجتمعة 1,5 مليار نسمة، تعني تقزيم الاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، والتي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

بل إن منطقة شمال شرق آسيا تصبح المحور الرئيسي الثالث للتكامل الاقتصادي الإقليمي، بعد الاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. وحتى الآن كانت المنطقة غير قادرة على إضفاء الطابع المؤسسي على التعاون الاقتصادي بنفس النشاط الذي أظهرته أوروبا وأميركا الشمالية. ولكن إذا تحققت المقترحات التي نوقشت في بكين الشهر الماضي، فإن اتفاقية التجارة الحرة الناتجة عن ذلك قد تفوق اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية من حيث درجة التكامل والأهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي.

ومن المرجح فضلاً عن ذلك أن يؤدي تشكيل اتفاقية التجارة الحرة بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى تفاعل متسلسل. على سبيل المثال، قد يمتد الزخم إلى الجنوب فيحفز اتحاد دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، الذي يقيم اتفاقيات تجارة حرة ثنائية مع الدول الثلاث، للانضمام إلى المجموعة. ومثل هذا التحول في الأحداث يعادل تأسيس منطقة التجارة الحرة لشرق آسيا، الذي فكرت فيه (آسيان+3) قبل عشرة أعوام تقريبا. وإذا حدث هذا فإن دولاً أخرى ــ أستراليا، ونيوزيلندا، والهند في المقام الأول من الأهمية ــ قد تسعى إلى اللحاق بالركب.

وسوف يكون لزاماً على الولايات المتحدة بطبيعة الحال أن ترد على إبرام أي اتفاقية تجارة حرة ثلاثية في شمال شرق آسيا من أجل الحفاظ على دورها الخاص في التجارة العالمية ــ وسلاسل التوريد التي تهيمن على الاقتصادات الآسيوية. ومن المرجح أن تسعى إلى توسيع وتعميق الشراكة عبر الباسيفيكية الوليدة، وهي الاتفاقية التجارية التي ألزم الرئيس باراك أوباما الولايات المتحدة بها في العام الماضي.

وسوف تشجع الولايات المتحدة اليابان بقوة على الانضمام إلى الشراكة عبر الباسيفيكية، لأن الولايات المتحدة قد ترغب في تأسيس جماعة اقتصادية آسيوية باسيفيكية موحدة، بدلاً من الانقسام بين آسيا ومنطقة الباسيفيكي. ولأن اليابان لن تكون راغبة في الانفصال عن الولايات المتحدة لأسباب استراتيجية، فقد تقبل الدعوة الأميركية.

وفي هذا السيناريو، سوف يكون لزاماً على كل من اليابان وكوريا الجنوبية أن تجد بعض السبل للتقريب بين آسيا ومحورها الصين وبين منطقة الباسيفيكي التي تدور حول الولايات المتحدة. ورغم أن اقتصادها هو الأصغر حجماً فإن كوريا الجنوبية تبدو الأفضل استعداداً مقارنة باليابان للاضطلاع بهذا الدور الحاسم. فقد أبرمت كوريا الجنوبية بالفعل اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، بعد أعوام من المفاوضات الصعبة، وهي تخطط للتفاوض على اتفاقية تجارة حرة ثنائية مع الصين هذا العام.

وبالتالي فإن السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت اليابان على استعداد للاضطلاع بدور تقريبي مماثل. إن المشاركة القوية من جانب اليابان من شأنها أن تخفف من الاستقطاب بين منطقة آسيا والباسيفيكي وأن تساهم في بناء الزخم من أجل التكامل الإقليمي.

ولكن حجم التحديات الداخلية التي تواجهها اليابان في الوقت الحاضر يبدو أعظم من أن يسمح للزعماء السياسيين في اليابان بالاضطلاع بدور دولي مؤثر. فقد ظلت حكومات اليابان تتسم بالهشاشة وقِصَر العمر طيلة عشرة أعوام تقريبا، وقد تتسبب المناقشة الحالية حول زيادة ضريبة القيمة المضافة في تغيير الإدارة مرة أخرى. فضلاً عن ذلك فإن جماعات المصالح الزراعية القوية، وخاصة الاتحاد المركزي للتعاونيات الزراعية، قد تعزز من معارضتها لاتفاقية التجارة الحرة الثلاثية مع الصين وكوريا الجنوبية وللشراكة عبر الباسيفيكية مع الولايات المتحدة.

بيد أن قادة اليابان يتعرضون لضغوط شديدة اليوم من الجانبين. وإذا لم يفعلوا شيئاً في حين تستمر كوريا الجنوبية في إبرام اتفاقيات التجارة الحرة، فإن اليابان سوف تخسر الأسواق في الولايات المتحدة والصين. ولكن إذا تحركوا الآن فمن المرجح أن تكون المعارضة السياسية الداخلية شديدة إلى حد الإطاحة بهم من السلطة. وهذا هو السبب الرئيسي الذي وراء الصعوبة التي لابد أن تواجهها اليابان في إبرام اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية المقترحة، على الرغم من موافقة رئيس الوزراء يوشيهيكو نودا مؤخراً عليها. والواقع أن اتفاقية التجارة الحرة الأقل إحكاماً والتي تستبعد القطاعات الاقتصادية الحساسة في كل دولة هي الوحيدة التي قد تحظى بفرصة للنجاح.

وفي الصين تبدو الاعتبارات السياسية وكأنها الدافع الأقوى للسعي إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة مع شمال شرق آسيا. ولكن استخدام اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية لبسط نفوذها الاقتصادي والسياسي من شأنه أن يفرض على الصين زيادة الشفافية، وفتح قطاع الخدمات لديها، وإزالة الحواجز غير الجمركية. وفي جوهر الأمر، سوف يكون لزاماً عليها أن تتقبل نظاماً يحترم القواعد ليحكم علاقاتها بجاريها، وهو ما يثير قلق وانزعاج حكومة الصين. ولكن إحدى المزايا بالنسبة للصين في السعي إلى وضع استراتيجية لاتفاقية التجارة الحرة هي أنها لا تزال دولة مستبدة، وبالتالي فإنها قادرة على قمع المعارضة الداخلية بسهولة أكبر كثيراً مقارنة بحكومة اليابان أو كوريا الجنوبية.

وأخيراً فإن كوريا الجنوبية، التي أبرمت اتفاقيات تجارة حرة مع كل الفاعلين المهمين في الساحة الاقتصادية على مستوى العالم تقريبا ــ الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وآسيان، والهند، وغير ذلك ــ قد تكون الأفضل استعداداً لإبرام اتفاقية تجارة حرة ثلاثية مع اليابان. ولكنها أيضاً سوف تواجه معارضة قوية من جماعات المصالح الزراعية الداخلية وقطاعات التصنيع، والتي قد تحشد قوة أكبر حتى من تلك التي حشدتها في معارضة اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.

إذا لم يتعذر إبرام اتفاقية تجارة حرة ثلاثية في منطقة شمال شرق آسيا، فإن الدول الثلاث سوف تتمكن من توليد قدر أعظم من الطلب في السوق داخلياً في وقت يتسم بضعف الطلب من الغرب، وسوف تكتسب قدراً أعظم من النفوذ على ساحة الاقتصادي السياسي العالمي. ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية أيضاً أن تساهم على الأرجح في دعم استقرار العلاقات السياسية المضطربة بين هذه الدول، بل وقد توفر بيئة أفضل لإعادة بناء اقتصاد كوريا الشمالية في نهاية المطاف.

إن الفوائد التي لا تعد ولا تحصى والتي قد تترتب على اتفاقية التجارة الحرة لمنطقة شمال شرق آسيا واضحة جلية. والسؤال الآن هو ما إذا كان الأمر برمته مجرد طموح مفرط.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured