Tuesday, September 30, 2014
3

الأرجنتين المنبوذة

لامبريا ــ قبل ما يقرب من عشرين عاما، أفزع أحد كبار الوزراء الأرجنتينيين السفير البرازيلي، الذي كان قد وصل إلى الأرجنتين حديثا، عندما أخبره بأن "الأرجنتين تتمتع بقدر عظيم من الوفرة من ثلاثة أشياء: اللحوم، والقمح، والحركات المجنونة". ومن الواضح أن القرار الذي اتخذ بمصادرة 51% من أسهم شركة واي بي اف ــ شركة الطاقة الأكبر في الأرجنتين ــ من شركة ريبسول الأسبانية، كان من بين هذه الحركات المجنونة. ففضلاً عن ازدرائه للدائنين الأجانب، وتدابير الحماية التعسفية المتزايدة التي تنتهك كل القوانين العالمية والإقليمية، يدفع هذا القرار الذي اتخذته الرئيسة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر الأرجنتين إلى مسافة تقربها كثيراً من اعتبارها على مستوى العالم دولة بلا قانون.

وأياً كانت الفوائد القصيرة الأمد والشعبية المستمدة منها، فإن مثل هذه "الحركات" الخطيرة تؤدي دوماً على عواقب وخيمة طويلة الأمد. فهي تهدد بشكل خاص بعزل أي دولة عن تدفقات الائتمان والاستثمار والتجارة الرئيسية ــ أي كل الأنشطة التي تضمن الفرص الاقتصادية والرخاء.

إن الحكومات الرديئة تسعى دوماً إلى تحقيق طفرات فورية في شعبيتها، بصرف النظر عن التكاليف في المستقبل. ولقد تعودت الأرجنتين على هذا منذ تولى خوان بيرون السلطة لأول مرة في عام 1946.

بل إن الأرجنتين نتيجة لقرار فرنانديز تجد نفسها الآن منبوذة في أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية. فبسبب عجزها عن توفير الاستثمارات أو الموارد التكنولوجية والمعارف لتنمية موارد شركة واي بي اف، يتعين على حكومتها أن تدعو جهات أخرى إلى سد الفجوة المالية والتكنولوجية التي خلقها قرار طرد شركة ريبسول القسري. ولكن أي شركة دولية تشارك في استغلال الأصول المصادرة من ريبسول سوف تواجه مشاكل قانونية خطيرة.

ولقد وجهت الدعوة العلنية إلى شركة الطاقة العملاقة بتروبراس، وهي واحدة من أكبر الشركات على مستوى العالم، لتوسيع إنتاجها في الأرجنتين من خلال إقامة استثمارات جديدة. بيد أن بتروبراس، بمصالحها العالمية، لن تقبل هذه الدعوة أبدا، وخاصة في ضوء الجهود التي تبذلها للحصول على التمويل الذي تحتاج إليه لتطوير الاحتياطيات النفطية البحرية الهائلة في البرازيل.

ووفقاً للتقارير فإن شركة سينوبيك، ثاني أكبر شركة نفط في الصين، تتفاوض مع ريبسول للاستحواذ على حصة كبيرة من أصولها في الأرجنتين. والآن توقفت كل الرهانات. فكما صرح مصدر صيني لم يكشف عن اسمه لوكالة رويترز قائلا: "إن هذا الموقف يشكل تحدياً لأي شخص، نظراً للقرار الذي اتخذته الحكومة. وفي اعتقادي أنه من قبيل الانتحار السياسي أن يُسمَح لشركة صينية بالحصول على حقوق السيطرة على شركة واي بي اف بعد إعلان التأميم".

لقد تضررت شركة ريبسول إلى حد خطير بقرار فرنانديز، بعد أن خسرت نحو 50% من قدرتها الإنتاجية وثلث دخلها. والواقع أن حكومة أسبانيا الغاضبة تعد برد قوي، ومن المؤكد أنها ستحظى بالدعم السياسي من قِبَل الاتحاد الأوروبي. ولكن من الصعب أن نتخيل ما هي التدابير التي قد تحمل فرنانديز على إعادة النظر. فإذا ما علمنا أن كل هذا كان متوقعا، وأن المستثمرين الأجانب سوف يصبحون الآن أكثر تحفظاً في دخول السوق، فسوف يتبين لنا بوضوح أن فرنانديز أقامت حساباتها على أن الفوائد السياسية تفوق التكاليف الاقتصادية المترتبة على قرارها.

ولكن هذا يتوقف على ما إذا كان التأميم من شأنه أن يجلب أي زيادة في الإنتاج حقا. من الواضح أن هذا لن يحدث، ما لم تقرر الحكومة ضخ كم هائل من الموارد المالية إلى شرايين شركة واي بي اف على حساب احتياجات أخرى ملحة. وبما أن هذا غير مرجح، فإن النقص في المعروض يصبح حتميا.

إن النفط يثير قدر عظيم من الافتتان. فبالنسبة للدول التي تمتلك وفرة منه فإن النفط يشكل واحدة من أكثر ركائز القومية صلابة. وفي كل مكان يشكل النفط التفسير الحقيقي أو المتوهم للعديد من الحروب، إنه "الذهب الأسود" الذي يغذي الأحلام ويوقظ الجشع. وبالنسبة للحكام الذين لا يبالون إذا كانت انتصاراتهم باهظة الثمن، فهو يشكل أيضاً مورداً يسهل الوصول إليه للتلاعب بمخيلة عامة الناس بنظريات المؤامرة وانتحال المواقف الوطنية.

لقد أرسلت حكومة فرنانديز إشارات مفادها أنها عازمة على الاستمرار على مسارها الخاطئ، الأمر الذي لم يسفر عن خلق حالة من الفوضى في الاقتصاد فحسب، بل وأدى أيضاً إلى تهميش الأرجنتين في أعين المجتمع الدولي. ولكن القرارات من هذا القبيل، التي تبدو في مستهل الأمر وكأن بدايتها طيبة، تنتهي حتماً إلى نتيجة مؤسفة.

وأنا شخصياً أشعر بالأسف لأن الأرجنتين غامرت بارتكاب مثل هذه الأخطاء في استسلام لأوهام زائفة. إن الأرجنتين بلد عظيم، وشعبه موهوب وبارع في كل المجالات. ومن غير الممكن أبداً أن تشعر البرازيل بأي قدر من الارتياح أو الرضا وهي ترى جارة قريبة إلى هذا الحد وهي تنشق عن القانون الدولي وتنخرط في مغامرات بالغة الخطورة، وعلى حساب شعبها في نهاية المطاف.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedHoang-Anh Ho

    How a country with "sophisticated and highly accomplished people in all fields" is "unable to provide either the investment or technological resources and knowhow to develop YPF’s resources"?

  2. CommentedOdysseas Argyriadis

    Let me start this by asking the author who she is. There is no info on this site concerning the author. As such, we cannot know if her view of the matter is biased.
    How would anyone that would like to participate in the exploitation of Repsol's ex-assets have legal problems? Who would create those problems? Repsol? The assets do not belong to them anymore.
    "But that depends on whether nationalization brings about an increase in production. It seems clear that it will not, unless the government decides to inject massive fiscal resources into YPF at the expense of other pressing needs." Euh, the author now pulls this out of her bottom. How is it clear that Argentina will not be able to increase the production? The author gives no hard facts to support this claim. In addition, is there any official word that Argentina wants to increase the production instead of keeping it at current levels?
    And finally, how is this patriotic posturing? Repsol is exploiting a natural resource that belong to Argentina's sovereignity while profiting from it. Why would Argentina not want to get its due on its own national ground?

      CommentedOmar Diosdado Rivera

      Repsol will take legal action against any company intending to invest in YPF expropriated or alternatively in their assets, according to the Spanish company.
      The news, which was conducted by Financial Times, argues that the Spanish oil group and their lawyers prepared to act against a possible entry of investors in the capital of YPF.

Featured