Tuesday, October 21, 2014
7

هل تتخلى الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات عن أميركا؟

بيركلي ــ في مؤتمر عُقِد مؤخراً في واشنطن العاصمة، قال وزير الخزانة السابق لاري سامرز إن صانعي السياسة الأميركية لابد أن يركزوا على الأنشطة الإنتاجية التي تجري في الولايات المتحدة وعلى توظيف العمال الأميركيين، وليس على الشركات المسجلة قانوناً في الولايات المتحدة ولكن إنتاجها يقع في مكان آخر. واستشهد سامرز ببحث أجراه وزير العمل السابق روبرت رايك، الذي حذر قبل أكثر من عشرين عاماً من أن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات تحول تشغيل العمالة والإنتاج إلى الخارج، وأن مصالحها كانت متباينة مع المصالح الاقتصادية للبلاد.

من السهل أن نتفق مع سامرز ورايك على أن السياسة الاقتصادية الوطنية لابد وأن تركز على القدرة التنافسية للولايات المتحدة، وليس على رفاهة شركات بعينها. ولكن تمييزهما الحاد بين المصالح الاقتصادية للبلاد ومصالح الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات مضلل إلى حد كبير.

ففي عام 2009، وهو آخر عام تتوفر عنه بيانات شاملة، كان عدد الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات 2226 فقط من أصل ثلاثين مليون شركة تقريباً تعمل في الولايات المتحدة. وتتسم الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات عادة بكِبر الحجم، وضخامة رأس المال، والاعتماد بشكل مكثف على الأبحاث والتجارة، وهي مسؤولة عن حصة كبيرة وغير متناسبة من النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة.

الواقع أن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات كانت في عام 2009 تمثل نحو 23% من القيمة المضافة في القطاع الخاص (غير المصرفي) من الاقتصاد الأميركي، إلى جانب 30% من الاستثمارات الرأسمالية، و69% من الأبحاث والتطوير، و25% من تعويضات الموظفين، و20% من تشغيل العمالة، و51% من الصادرات، و42% من الواردات. وفي ذلك العام، كان متوسط تعويض 22,2 مليون عامل توظفهم الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات نحو 68 ألف دولار ــ أعلى من المتوسط على نطاق الاقتصاد بالكامل بنحو 25%.

وبنفس القدر من الأهمية، شكلت عمليات الولايات المتحدة لهذه الشركات 63% من مبيعاتها العالمية، و68% من عمالتها العالمية، و70% من استثماراتها الرأسمالية العالمية، و77% من إجمالي تعويضاتها لموظفيها، و84% من مشاريعها العالمية في مجال البحث والتطوير. وتشير الحصص المحلية المرتفعة بشكل خاص من مشاريع البحث والتطوير والتعويضات إلى أن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات لديها حافز قوي للإبقاء على أنشطتها العالية الأجر التي تعتمد على البحوث المكثفة في الولايات المتحدة ــ وهي أنباء طيبة بالنسبة للعمال المهرة في أميركا وقدرتها على الإبداع والابتكار.

بيد أن البيانات تكشف أيضاً عن اتجاهات مثيرة للقلق. فأولا، ورغم أن حصص الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات في مشاريع البحث والتطوير والتعويضات في القطاع الخاص لم تتغير بين عامي 1999 و2009، فإن حصصها في القيمة المضافة، والاستثمارات الرأسمالية، والعمالة انحدرت بشكل واضح. فضلاً عن ذلك فإن صادراتها كانت تنمو بمعدل أبطأ من معدل نمو إجمالي الصادرات، وكانت وارداتها تنمو بمعدل أسرع من نمو إجمالي الواردات، ولقد تحول قطاع الشركات المتعددة الجنسيات ككل من فائض تجاري صاف في عام 1999 على عجز تجاري صاف في عام 2009.

وثانيا، أثناء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، توسعت الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات في الخارج بمعدل أسرع من توسعها في الداخل. ونتيجة لهذا سجلت حصة الولايات المتحدة في عملياتها العالمية من عام 1999 على عام 2009 هبوطاً بنحو 7 إلى 7 نقاط مئوية من القيمة المضافة، والاستثمارات الرأسمالية، وتشغيل العمالة، وبنحو 3 إلى 4 نقاط مئوية في مشاريع البحث والتطوير والتعويضات. وكان انكماش الحصة المحلية في إجمالي تشغيل العمالة ــ وهي الحصة التي هبطت أيضاً بنحو أربع نقاط مئوية في تسعينيات القرن العشرين ــ سبباً في تأجيج المخاوف من أن هذه الشركات ربما كانت تنقل الوظائف إلى فروعها الأجنبية.

ولكن البيانات تنبئنا بقصة أكثر تعقيدا. فمنذ عام 1999 إلى عام 2009، خفضت الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات في قطاع التصنيع عدد العاملين ليدها بما يقدر بنحو 2,1 مليون وظيفة، أو 23,5%، ولكنها زادت من عدد موظفيها في فروعها الأجنبية بنحو 230 ألف وظيفة فقط (5,3%) ــ ولا يكفي هذا لتفسير الانحدار الأكبر كثيراً في معدلات تشغيلها للعمالة في الولايات المتحدة.

فضلاً عن ذلك فإن الشركات الأميركية التي لم تكن متعددة الجنسيات خفضت عمالتها بنحو 3,3 مليون وظيفة، أو 52%، أثناء نفس الفترة. ويشير عدد متزايد من البحوث إلى أن التغيرات التكنولوجية الموفرة للعمالة ونقل الوظائف والتصنيع إلى شركات التصنيع المتعاقدة الأجنبية، من بين العوامل المهمة وراء الانحدار الكبير المعدل دورياً في معدلات تشغيل العمالة في قطاع التصنيع في الولايات المتحدة من قِبَل الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات وغيرها أثناء العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

لذا، ففي حين قد تكون الحقيقة أن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات لم تحول الوظائف إلى فروعها الأجنبية، فإنها كمثل شركات أميركية أخرى ربما كانت تحول المزيد من إنتاجها إلى الخارج لصالح مقاولين أجانب لا يملكون فيها حصصا. بل وربما كان هذا النوع من تحويل الإنتاج إلى الخارج عاملاً مهماً وراء الزيادة التي بلغت 84% في الواردات من قِبَل الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات، والزيادة التي بلغت 52% في واردات القطاع الخاص التي تمت بين عامي 1999 و2009.

ولكي نفهم اتجاهات تشغيل العمالة المحلية والأجنبية لدى الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات، فمن المهم أيضاً أن ننظر إلى الخدمات. وهنا تشير البيانات إلى شيء آخر. فأثناء الفترة 1999-2009، ازداد تشغيل العمالة في الفروع الأجنبية للشركات الأميركية المتعددة الجنسيات بنحو 2,8 مليون وظيفة، أو 36,2%. ولكن التصنيع كان يمثل نحو 8% فقط من هذه الزيادة، في حين استأثرت الخدمات بحصة الأسد. فضلاً عن ذلك فإن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات العاملة في قطاع الخدمات زادت من عدد العاملين لديها سواء في الداخل أو الخارج ــ بنحو 1,2 مليون عامل في عملياتها المحلية وأكثر من ضعف هذا الرقم في فروعها الأجنبية.

وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان النمو السريع في الأسواق الناشئة سبباً في تعزيز الطلب التجاري والاستهلاكي على العديد من الخدمات التي تنافس فيها الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات بقوة. ولأن العديد من هذه الخدمات تتطلب التفاعل وجهاً لوجه مع العملاء، فإن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات كانت مضطرة إلى التوسع في تشغيل العمالة الأجنبية من أجل تلبية الطلب في هذه الأسواق. ومن ناحية أخرى، كانت مبيعاتها المتنامية في الخارج سبباً في تعزيز قدرتها على تشغيل العمالة في الولايات المتحدة في أنشطة مثل الإعلان والتصميم، ومشاريع البحث والتطوير، والإدارة.

وقد وجدت الأبحاث السابقة أن الزيادات في تشغيل العمالة في الفروع الأجنبية للشركات الأميركية المتعددة الجنسيات ترتبط ارتباطاً إيجابياً بالزيادات في تشغيل العمالة في عملياتها في الولايات المتحدة: أو بعبارة أخرى، تكمل العمالة في الخارج العمالة في الداخل ولا تحل محلها.

لابد للحقائق، وليس التصورات، أن توجه قرارات صناع السياسات فيما يتصل بالشركات المتعددة الجنسيات. والحقائق تشير إلى أن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات لا تزال رغم عقود من العولمة قادرة على تقديم إسهامات كبيرة للقدرة التنافسية الأميركية ــ والإبقاء على أغلب نشاطها الاقتصادي في الداخل وليس الخارج. وما ينبغي لصناع السياسات أن يقلقوا منه حقاً هو تلك الدلائل التي تشير إلى أن الولايات المتحدة ربما بدأت تخسر قدرتها التنافسية باعتبارها موقعاً لهذا النشاط.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (7)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedMiguel de Arriba

    And multinationals do not relocate only in industrial as well as financial support for not paying taxes.
    Apple pays lower taxes in Ireland, Burger King, Starbucks and McDonald's avoid paying taxes through Swiss operations.

  2. CommentedMiguel de Arriba

    The author contradicts himself. On the one hand, citing numbers on the other hand, a summary that does not correspond with the information provided.

  3. CommentedProcyon Mukherjee

    That the competitiveness is sliding is out in the open with the slide of U.S. position to the 5th in the last Global Competitiveness Report. One of the striking features in this report is the link of public debt with competitiveness. Those nations with high public debt and with rising risks in the sovereign debt default area, the public spending on R&D and Technology innovation in those have dwindled; U.S. is no exception given this trend. U.S. multinationals is part of this challenge, but where they score more is in their ability to leverage financial capital to build efficiency walls that are less pregnable than the rest. Labor market efficiency and technology readiness is a laudable element, so the good things should not be ignored.

    Migration of jobs, that cannot be sustained by efficient deployment of capital and labor, is a given in the globalized world (of capital and labor), there is no need to single out U.S. Multinationals for that denouement.

    Procyon Mukherjee

  4. CommentedNikhil Sonnad

    It's not fair to begin this discussion at 1999. I suspect that this point is misleading:

    "From 1999 to 2009, US multinationals in manufacturing cut their US employment by 2.1 million, or 23.5%, but increased employment in their foreign subsidiaries by only 230,000 (5.3%) – not nearly enough to explain the much larger decline in their US employment."

    I don't have the figures at the ready, but I suspect that that figure would be much more dramatic over a period beginning in the mid-20th century. After all, globalization and "Made in China" were already thriving by 1999.

    I do not disagree with the central thesis of this argument. But I see no problem in admitting that multinationals are in fact abandoning America, and have been for a long time. While Americans may see that as a threat to their future, many in other parts of the world see it as a reason for hope and opportunity.

Featured