Sunday, October 26, 2014
3

مسيو بيكيتي يذهب إلى أميركا اللاتينية

سانتياجو ــ إن القليل من الأمور قد تستفز حماس المثقفين في أميركا اللاتينية القديمة كما يستفزه ذلك الكتاب الجديد عن التفاوت من تأليف كاتب فرنسي. لذا، وكما هو متوقع، حقق كتاب توماس بيكيتي الجديد "الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين" نجاحاً كبيرا. ومنذ ظهور الطبعة باللغة الإنجليزية من الكتاب قبل شهرين، صيغت مقالات عديدة زعمت أن هذا العمل العظيم لأستاذ من مدرسة باريس للاقتصاد يؤكد المزاعم السابقة (وهي عادة مزاعم المؤلف ذاته) عن مخاطر التفاوت وعدم المساواة في أميركا اللاتينية.

ينسج بيكيتي سرداً مهيباً عن ديناميكيات تراكم رأس المال في اقتصاد السوق. وفي صيغته التي باتت مشهورة الآن، إذا كان معدل العائد على رأس المال أعظم من معدل نمو اقتصاد ما، فإن الثروة الموروثة تنمو بسرعة أكبر من نمو الدخل من الأجور، ويحصل أصحاب رأس المال على حصة متزايدة من الناتج القومي.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن توزيع الدخل غير متساو على نحو فاضح في أميركا اللاتينية. ولكن لابد أن أنصار بيكيتي (العديد منهم لم يقرءوا كتابه بعد) سوف يندهشون عندما يعلمون أن نظريته لا ترتبط إلا قليلا ــ إن كان هناك أي ارتباط على الإطلاق ــ بالديناميكيات التي يمكن قياسها لتوزيع الدخل في المنطقة.

الواقع أن نظرية بيكيتي تتعلق بما يسميه أهل الاقتصاد التوزيع الوظيفي للدخل، أو الانقسام بين مقدمي العمل وأصحاب رأس المال. ولكن سوء التوزيع الذي يسبب الكثير من القلق والانزعاج في أميركا اللاتينية يتعلق بالتوزيع الشخصي لدخل العمل ــ أي الانقسام بين العاملين بأجر.

وهذا لأن القسم الأعظم من بيانات توزيع الدخل في أميركا اللاتينية تأتي من دراسات المسح للأسر، والتي نادراً ما تتمكن من الحصول على معلومات صادقة عن الحجم الحقيقي لما يكسبه أصحاب الدخل الذين يحصلون على دخولهم في هيئة فوائد أو أرباح. على سبيل المثال، تشير دراسة واسعة النطاق للأسر في شيلي (2009 CASEN) إلى أن الدخل الرأسمالي موزع بشكل أكثر تساوياً مقارنة بدخل العمل.

لا ينبغي  لأحد بكامل قواه العقلية أن يصدق هذا بطبيعة الحال. فكل ما تظهره هذه النتائج هو أن أصحاب الأسهم والسندات يميلون إلى الكذب على دراسات المسح التي تجريها الحكومة.

وهذا يكشف بدوره عن معلومتين كئيبتين عن توزيع الدخل في أميركا اللاتينية. الأولى أن توزيع الدخل الشخصي الحقيقي ــ والذي يشكل كل الدخل ــ سواء من العمل أو رأس المال ــ يكاد يكون أسوأ بكل تأكيد مما تشير إليه الأرقام الرئيسية التي يستشهد بها عادة.

وثانيا، حتى لو كان في الإمكان التخلص من كل ديناميكيات رأس المال التي تقلق بيكيتي إلى هذا الحد، فإن توزيع الدخل في أميركا اللاتينية سيظل منحرفاً إلى حد مروع. ولا يكمن علاج سوء التوزيع على هذا النحو في فرض ضرائب كبيرة على الدخل فحسب كما يزعم بيكيتي.

ولكن لماذا لا؟ من المؤكد أنه إذا كان دخل العمل منحرفا، فإن توزيع الدخل الرأسمالي أو الدخل من الأصول على الفقراء من شأنه أن يعزز المساواة في الإجمال.

تُظهِر ورقة بحثية حديثة أعدها خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي باستخدام مجموعة حديدة من البيانات تغطي العديد من البلدان قدراً كبيراً من التفاؤل بشأن زيادة محتملة في التوزيع من دون تقويض النمو الاقتصادي. ولكن البحث يذكرنا أيضاً بأن حجم الدخل الذي يستطيع أي نظام ضريبي إعادة توزيعه ليس بلا حدود.

يقارن مؤلفو البحث بين معادل جيني (وهو مؤشر من 100 نقطة يستخدم عادة لقياس التفاوت، حيث يرمز الصفر إلى المساواة التامة في حين يشير الرقم 100 إلى التفاوت التام) قبل وبعد فرض الضرائب والتحويلات الحكومية. وقد أظهروا أن قِلة من البلدان تعيد التوزيع بالدرجة الكافية لإحداث فارق يزيد عن عشر نقاط في معامل جيني، وأن التقلبات الناجمة عن إعادة التوزيع بأكثر من 13 نقطة تميل إلى إحداث أثر عكسي على النمو.

لا شك أن إعادة التوزيع في الواقع الحقيقي، على الأقل في أميركا اللاتينية، أقل كثيراً من ذلك الرقم. ويشمل الإصلاح الضريبي الذي اقترحته مؤخراً إدارة الرئيسة ميشيل باشليه في تشيلي زيادة بمقدار 3% إضافية إلى الناتج المحلي الإجمالي. وحتى إذا لم يتسرب أي من هذه الأموال وأعيد توزيعها بالكامل على الفقراء في شيلي، فمن غير المرجح أن يؤدي هذا الإصلاح إلى خفض مؤشر معدل جيني بأكثر ثلاث نقاط.

والمشكلة هي أن معامل جيني في شيلي بعد الضرائب يبلغ نحو 50 نقطة (الرقم مشابه في البرازيل وكولومبيا وبيرو)، في حين لا يتجاوز المعدل في البلدان المتقدمة عادة ثلاثين نقطة أو حتى عشرين نقطة في بعض البلدان. ومن المؤكد أن تحويل شيلي وبعض جيرانها إلى بلدان ذات مستويات من المساواة أشبه بنظيراتها في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سوف يتطلب ما هو أكبر كثيراً من الإصلاح الضريبي.

وبعبارة أخرى: إذا كانت الفرص غير متكافئة للغاية في أي مجتمع، فسوف يظل يعاني من عدم المساواة إلى حد كبير حتى بعد إعادة توزيع مالي كبيرة. وعلى هذا فإن السياسات لابد أن تركز أيضاً على ما يسميه العالم السياسي جاكوب هاكر من جامعة ييل "ما قبل التوزيع": بمعنى تغيير بنية الدخل من الأجور والتي تحددها السوق.

وهناك ثلاث أدوات رئيسية متاحة لتحسين الدخل قبل التوزيع. فأولاً إصلاح التعليم ــ مع التأكيد بقوة على التدريب الفني ــ من شأنه أن يمنح المواطنين من ذوي الدخول المتدنية مهارات جديدة يمكنهم عرضها في سوق العمل. وثانيا، بوسع السياسة الصناعية الموجهة أن تخلق الطلب على أولئك العمال ومهاراتهم المكتسبة حديثا. وثالثا، من الممكن أن يؤدي تحديث أسواق العمل إلى المضاهاة بشكل أكثر كفاءة بين مهارات العمال والاحتياجات الخاصة للشركات في سياق من التجانس المتزايد.

والحق أن هذه السياسات ليست بدائل ولكنها مكملات: ولابد أن يتم تطبيقها جميعاً في نفس الوقت. وهي ليست بالمهمة السهلة. إذ سوف يكون لزاماً على الزعماء السياسيين من يسار الوسط في أميركا اللاتينية، والذين يُظهِرون كل هذا الاهتمام بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، أن يعملوا على صياغة النهج الخاص لكل بلد من بلدانهم على حِدة. فلا يوجد ما قد يمكننا اعتباره وصفة جاهزة تنتظرهم في أي "عمل عظيم" لرجل اقتصاد فرنسي.

ترجمة: إمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedGunnar Eriksson

    A wealth tax will be needed to get out of the debt mess as the speed of moving money from the 99% to the 1% will accelerate.
    Important is that valuation of wealth for taxation reflect how it is invested so that pure rent seeking is valued to 100 % and i.e. development of renewable energy is valued to 0.

  2. CommentedJuvenal Brenes

    Los postulados de Piketty no son de importancia en relacion con el gran hallazgo de la causa fundamental de la inequidad, r > g. El ha simplificado el dialogo llevandolo todo a un mismo plano, el ingreso, es desde aqui que tiene que partir un dialogo constructivo, pues America Latina mas que nunca esta llena de desigualdad. No nos cerremos los ojos ante lo que postula este señor, y una pregunta Andres, los paises latino-americanos pagan en rentas y retornos de capitales fuera de la region o podemos hablar de una economia aislada? no estamos pues conectados a un mundo de capitales globales?

  3. CommentedJuvenal Brenes

    Piketty's postulates are of no importance in relation to the great discovery of the root cause of inequality, r> g. The simplified dialogue taking it all at the same level, the income is from here that has to start a constructive dialogue, as Latin America more than ever is full of inequality. We do not close our eyes to what this man postulates, and a question Andres, the Latin American countries pay in income and capital returns outside the region or can speak of an isolated economy? because we are not connected to a world of global capital?

Featured