4

عالم بوتين الجديد الشجاع

موسكو- بعد ثلاثة اشهر من تمكن المحتجين من الاطاحة بالرئيس الاوكراني فكتور يانكوفيتش وحكومته والذي اطلق العنان لموجة من الاضطرابات والفوضى ، انتخبت البلاد رئيسا جديدا ولكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي ارسل القوات لضم القرم عندما لاحت له الفرصة يبقى اللاعب الرئيس في تشكيل مستقبل اوكرانيا وهو مستمر في دفع اوكرانيا باتجاه طريق اخطر بكثير من الحرب البارده الجديده.

لقد سهل بوتين مهمة اولئك الذين يسعون لفهم لروسيا عن طريق وضع نفسه بشكل حازم في مقعد القياده فيما يتعلق بمستقبل روسيا وفي واقع الامر فإن اعماله تسترشد بهدف وحيد وهو ليس الطموح الامبريالي والذي عادة ما يعتقد انه يحدد افعال بوتين وعوضا عن ذلك فإن كل سياسة هي في واقع الامر سياسة تتبع هدف بوتين الأسمى وهو حكم روسيا طيلة فترة حياته.

ان طموح بوتين ليس نتيجة لشهوة مرضيه من اجل السلطة ولكن هذا الطموح مبني بشكل كامل على مخاوف واقعية لسلامته الشخصيه فهو يفهم قوانين النظام الاستبداي والذي ساعد في اعادة بناءه في روسيا- وهو نظام يمكن ان يجد القادة انفسهم مثل العقيد معمر القذافي في ليبيا او صدام حسين في العراق يتم جرهم من المجاري او الحفر لمواجهة الاعدام لو خارت قواهم وفقدوا السلطة.

لو نظرنا للأمر من هذا المنظور فإن استراتيجية بوتين في اوكرانيا تعتبر متجانسة ومنطقية في جميع مراحلها فلقد رأى في الاحتجاجات في ميدان الاستقلال في كييف امكانية لأن تتجاوز اوكرانيا النظام السلطوي الفاسد لمرحلة ما بعد الشيوعيه والذي يمثله نظامه .لقد خشي بوتين ان تحرك اوكرانيا في اتجاه نموذج اوروبي من المنافسه الاقتصادية والسياسية سوف يشجع مطالبات مماثلة في روسيا.

ومن اجل منع مثل هذه النتيجه كان يتوجب خنق الثورة ضد يانكوفيتش دمية الكرملين والمعروف بفساده الكبير في مهدها وتشويه صورتها في اعين الشعب الروسي ولقد كانت هذه الاهداف واضحة في الكلمة التي القاها بوتين في جمع من النخب السياسية الروسيه في مارس لاحقا لضم القرم.

لكن افعال بوتين في اوكرانيا قد عملت اكثر من اذلال الديمقراطيين في روسيا فعن طريق التركيز على الغالبية العرقية الروسية في القرم والاعلان عن الحق في "حماية " المنتمين الى العرقية الروسية في الخارج فإن اسطورته والتي تم اضفاء الشرعية عليها تشمل الان دور المخلص الوطني والذي يمكن ان يؤهله للاحتفاظ بالسلطة الى اجل غير مسمى.

بالطبع فإن هناك اسطوره اخرى دعمت صعود بوتين لسلم السلطة وهي اسطورة ضابط شاب قوي من الكي جي بي قادر على وقف تفكك الاتحاد الروسي عن طريق "اغراق " الشيشان وتحقيق الاستقرار للاقتصاد واستخدام ثروات البلاد من الموارد الطبيعية الضخمة في تعزيز الرخاء ولكن هذه الاسطورة قد بدأت بالتلاشي الان.

لقد رأى بوتين بنفسه كيف يمكن ان تنهار الاسطورة الحاكمة فلقد تمت استدامة الاتحاد السوفياتي عن طريق ايمان الناس بالشيوعيه كوسيلة لتحقيق العداله الاجتماعية وعندما تفككت الاسطورة تفكك الاتحاد كذلك .

ومنذ بداية حكمة سنة 2000 كان بوتين مصمما على ان لا يعمل الخطأ نفسه وبمساعدة وسائل الاعلام الروسية فهو يأمل في اعادة تشكيل نفسه كمسيح روسي مما سيجبر ابناء جلدته من نفس العرقيه في كل مكان على دعم قيادته الى الابد ولغاية الان يبدو ان هذا الاسلوب يحظى بالنجاح فضم القرم حاز على دعم واسع النطاق في روسيا .

لكن استراتيجية بوتين تحمل مخاطر كبيره ليس اقلها انها تحمل تشابها مزعجا مع دعوة هتلر لتوحيد جميع المنتمين الى العرقيه الالمانيه . ان تفضيله للعرقية على المواطنه يعني انه يتحدى اساس النظام الدولي ويزيد من التدهور السريع لعلاقات روسيا مع الغرب.

ان قبول كلا الطرفين خلال الحرب الباردة " للتدمير المؤكد المتبادل " ادى الى اعتبار الاسلحة النوية كرادع مما عمل على تدعيم الاستقرار الاستراتيجي وعلى النقيض من ذلك فبالنسبة لبوتين فإن التهديد باستخدام مثل هذه الاسلحة هو تكتيك منطقي جدا. لو اخذنا بعين الاعتبار جيشه التقليدي الضعيف نسبيا فإن بإمكانه فرض سلطته الدوليه فقط عن طريق اطلاق يده في كامل الفضاء لمرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي وازعاج الغرب بحرب نووية محدوده ( والتي من المؤكد انه يشعر ان بامكانه تحقيق الانتصار فيها ) لو تدخل احد بطموحاته الامبرياليه .

لقد ثبت ان هذه استراتيجية رابحة فالرد المباشر للولايات المتحدة الامريكيه والاتحاد الاوروبي على ضم روسيا للقرم كان اعلان ان التدخل العسكري "مستبعد تماما " نظرا لأن اوكرانيا ليست عضوا في الناتو.

ان العلاقات الدوليه اليوم تعتبر الأكثر تقلبا منذ الأشهر الاخيرة لجوزيف ستالين في السلطة عندما عمل استراتيجية من ثلاثة اجزاء لاستعادة سلطته وهي الاستعداد لحرب عالمية ثالثه وتصفية التراتبيه ضمن الحزب الشيوعي والعداء للسامية عن طريق الاباده . لقد كانت وفاته في سنة 1953 هي التي انقذت روسيا والعالم من هذه النتيجه .

فمن سوف ينقذ العالم من بوتين ؟