Friday, October 24, 2014
0

كلب الحراسة الأميركي النائم

أريد أن أبتعد هذا الشهر عن المواضيع الاقتصادية المعتادة لكي أركز على النظام الذي تتبعه الصحافة ـ الصحافة الأميركية في الأغلب ـ في تغطية ومتابعة أعمال الحكومات في أيامنا هذه. ولكن قد لا يكون في هذا انحرافاً كبيراً عن أمور الاقتصاد، وذلك لأن السلوك الذي تنتهجه الصحافة لا يؤثر على السياسة فقط، بل وعلى الاقتصاد أيضاً.

ولنتأمل هنا قصة المقال الذي كتبه فريد هيات مدير تحرير واشنطن بوست في شهر مارس/آذار، حيث قدم اعتذاراً صغيراً ومحدوداً للغاية فيما يتصل بتغطية الصحيفة وتقييمها لإدارة بوش . وطبقاً لكلمات هيات : "لقد طرحنا بعض القضايا مثل ما إذا كانت إدارة بوش قد فكرت في مغامرتها المقترحة في العراق وخططت لها على نحو شامل من بدايتها إلى نهايتها، إلا أننا لم نفعل ذلك بالكثافة الكافية". بعبارة أخرى، اكتشف هيات في نفسه وفي صحيفته عيباً يتلخص في ذكر الحقائق ولكن ليس بصوت عالٍ إلى الدرجة الكافية.

ثم فلنتأمل هذا التعليق من جانب رئيس تحرير صحيفة نيويوك تايمز السابق ماكس فرانكل ، والذي دار حول افتقار البيئة الإعلامية في واشنطن إلى الصحة، وذلك "لأن أغلب المراسلين لا يتكاسلون في متابعة مسربي الأخبار فحسب، بل إنهم يستخدمونهم كأداة لانتزاع أسرار أخرى"، على النحو الذي يسمح لهم بإدارة الحكومة. قد يكون النظام "مهملاً ومولداً للارتباك"، إلا أن "التسامح مع مسربي الأخبار الفاسدين من جانب الحكومة (التي تعمد إلى التضليل) هو الثمن الذي يتعين على المجتمع أن يدفعه في مقابل الحصول على المعلومات الأساسية المسربة بشأن الحكومة".

هذا يعني أنه بينما يرى هيات مؤسسة صحافية تتسم بقدر أعظم مما ينبغي من الجبن فيما يتصل بالإشراف على إدارة بوش ، فإن فرانكل يرى مؤسسة صحافية تؤدي عملاً يتسم بالعشوائية والارتباك إلا أنها في النهاية تتوصل إلى نتائج طيبة. أما أنا فأرى صورة مختلفة تمام الاختلاف.

كنت قد بدأت في صيف العام 2000 في طرح الأسئلة على عدد من الجمهوريين الذين أعرفهم ـ وهم بصفة عامة أشخاص قد يصلحون كمرشحين للعديد من المناصب السياسية الفرعية في أي إدارة جمهورية ـ عن مدى قلقهم إزاء عدم كفاءة المرشح الجمهوري للرئاسة جورج دبليو بوش لتولي المنصب. ولقد أخبروني أنهم لا يشعرون بأي قلق أو انزعاج إزاء افتقار بوش إلى الاطلاع وعدم مبالاته الغريبة بالنسبة لرجل يسعى إلى شغل أقوى منصب في العالم. ثم أكدوا أن إحدى مشاكل كلينتون أنه كان كارهاً للالتزام بالمراسم الخاصة بمنصبه ـ الأمر الذي أدى إلى وقوعه في متاعب جمة.

ثم استشهدوا بالطريقة التي أدار بها بوش نادي تكساس رانجرز للبيسبول حين كان رئيساً له، فقالوا إنه كان يترك الإدارة لمدراء الفريق والأعمال المالية للمسئولين عنها، بينما كان يمضي وقته في التأكد من ثبات واستقرار التحالف السياسي اللازم لدعم النادي. وأضافوا أن بوش يعرف نقاط ضعفه ومواطن قوته، وأنه سوف يركز على العمل على نحو يشبه عمل الملكة إليزابيث الثانية في بريطانيا، ويترك الحرية لأشخاص مثل كولين باول و بول أونيل في العمل على نحو يشبه عمل توني بلير و غوردون براون .

بحلول صيف العام 2001 كان من الواضح أن الأمور سارت على نحو مخالف تماماً للتوقعات. ففي ذلك الوقت كان بوش قد رفض نصيحة أونيل و كريستين تود وايتمان بشأن السياسة البيئية، تماماً كما رفض نصيحة ألان جرينسبان و أونيل بشأن السياسة المالية، ونصيحة باول و كونداليزا رايس بشأن أهمية دفع المفاوضات بين إسرائيل وفلسطين إلى الأمام، ونصيحة جورج تينيت و ريتشارد كلارك بشأن أهمية مكافحة الإرهاب ـ كما علمنا فيما بعد.

من خلال المحادثات مع أصحاب المناصب الفرعية في الوزارات التابعة للإدارة، وأصدقائهم، وأصدقاء أصدقائهم، بدأنا نرى صورة غريبة للرئيس بوش . فهو لم يكن قليل الاطلاع فحسب، بل لقد كان كسولاً أيضاً: فلقد أصر على أن يظل قليل الاطلاع. ولم يتسم بعدم المبالاة فحسب، بل لقد كان متغطرساً أيضاً: فقد أصر على اتخاذ القرارات دون الاطلاع الكافي على المعطيات، وبالتالي كانت قراراته عشوائية. كما كان عنيداً: فبمجرد اتخاذه لأي قرار ـ حتى ولو تبين بكل وضوح غباء ذلك القرار وابتعاده تمام البعد عن الصواب ـ فإنه لا يعيد النظر أبداً في قراره.

على هذا، وبحلول صيف العام 2001، كان نمط الإدارة في أميركا قد أصبح واضحاً إلى الحد الذي دفع المراقب البريطاني دانييل ديفيز إلى التساؤل عما إذا كانت إدارة بوش قد تبنت أي سياسة حيال أي أمر، ولو كان ذا أهمية متوسطة، ولم تكن هذه السياسة عشوائية ومرتبكة. إلا أننا لو كنا قد اعتمدنا على صحيفة واشنطن بوست أو صحيفة نيويورك تايمز آنذاك، فما كنا لنتوصل إلى نتيجة كتلك التي توصل إليها دانييل ديفيز إلا بشق الأنفس. أما اليوم فقد أصبح من الحقائق المقبولة أن يكون ألطف ما نستطيع أن نصف به إدارة بوش أنها تفتقر تمام الافتقار إلى الكفاءة، وهو الخط الذي يتبناه الآن مؤيدو بوش من المتشددين مثل "ذا ناشيونال بريفيو"، والمعلق روبرت نوفاك .

تُـرى ما الذي منع المؤسسة الصحافية الأمريكية من تغطية إدارة ب��ش على النحو اللائق خلال الأعوام الخمسة الأولى لها في الحكم؟ أنا حقاً لا أدري. إلا أنني أدرك تمام الإدراك أن العالم لن يسمح لنفسه مرة أخرى بالاعتماد على الصحافة الأميركية في استقاء المعلومات: فالمرء لا ينبغي أن يلدغ من نفس الجحر مرتين. لذا فأنا أتوجه إلى كل من يعمل في الصحافة، أو الإذاعة المسموعة أو المرئية خارج الولايات المتحدة، وأقول لهم: "يتعين علينا جميعاً ـ وبصورة خاصة أفراد الشعب الأميركي ـ أن نتوجه إليكم أنتم إذا ما أردنا أن نكتشف حقيقة ما تفعله حكومتنا".

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured