Thursday, October 2, 2014
0

معدلات الادخار في أميركا ومستقبل الدولار

كمبريدج ـ شهد معدل ادخار الأسر الأميركية ارتفاعاً حاداً منذ بداية هذا العام، فبلغ 6,9% من الدخل الشخصي بعد خصم الضرائب في شهر مايو/أيار، وهو أعلى معدل منذ عام 1992. وفي اقتصاد اليوم فإن هذا يعادل ادخار سبعمائة وخمسين مليار دولار سنوياً.

وفي حين أن 6,9% ليس بالمعدل المرتفع مقارنة بغيره من المعدلات في العديد من البلدان الأخرى، إلا أنه يشكل تحولاً هائلاً بعد أن كان معدل ادخار الأسر الأميركية أقل من 1% في أعوام 2005، و2006، و2007.

وقبل أن يبدأ في الارتفاع في العام الماضي، كان معدل ادخار الأسر الأميركية ينحدر بثبات لأكثر من عشرين عاماً في استجابة لتزايد مستوى ثروات الأسر. وكان ارتفاع سوق الأسهم وارتفاع قيمة المساكن من بين الأسباب التي حضت الأفراد على استهلاك المزيد من دخولهم والإقلال من الادخار منها. ونتيجة لهذا فقد قلص أغلب الأفراد العاملين المبالغ التي ادخروها للإنفاق على أنفسهم بعد تقاعدهم، وكان بوسع المتقاعدين أن يزيدوا من إنفاقهم. لذا فقد هبط صافي معدل الادخار إلى ما يقرب من الصفر.

إلا أن الهبوط الحاد الذي شهدته ثروات الأسر الأميركية على مدى العامين الماضيين وضع حداً لذلك الميل. فبسبب الانخفاض الهائل الذي شهدته أسعار الأسهم، وهبوط أسعار المساكن بنسبة 35%، خسرت الأسر الأميركية 14 تريليون دولار من ثروتها، وهي خسارة تعادل 140% من الدخل السنوي القابل للتصرف. وبات لزاماً على الأفراد الآن أن يدخروا المزيد من دخولهم للإعداد لسنوات التقاعد، وتقلصت الثروات التي يستطيع المتقاعدون الإنفاق منها. وقد يستمر معدل الادخار في الارتفاع في المستقبل، وسوف يظل مرتفعاً لعدة أعوام في كل الأحوال.

إن الزيادة في معدل ادخار الأسر يقلل من احتياج أميركا إلى الأموال الأجنبية لتمويل استثماراتها التجارية وبناء المساكن. ومعدل ادخار الأسر الأميركية السنوي الذي بلغ 750 مليار دولار اليوم من الممكن أن يحل في محل نفس القدر من تدفقات رأس المال القادمة من بقية بلدان العالم. وبما أن المعدل السنوي لتدفق رأس المال الأجنبي بلغ ذروته عند 803 مليار دولار (في عام 2006) فإن مدخرات الأسر الأميركية المتزايدة تكاد تكون كافية لإنهاء اعتماد أميركا على رأس المال الأجنبي.

إن تدفقات رأس المال السنوية تتساوى في كل عام مع عجز الحساب الجاري لدى الولايات المتحدة ـ مجموع العجز التجاري وصافي الفوائد والأرباح المستحقة على الحكومة الأميركية والشركات الأميركية لصالح بقية العالم. وعلى هذا فإن هبوط تدفقات رأس المال من شأنه أن يؤدي بدوره إلى هبوط في مستويات العجز التجاري. وبما أن تقليص العجز التجاري يتطلب زيادة الصادرات والحد من الواردات فلابد وأن تنحدر القيمة الدولية للدولار بحيث تصبح منتجات الولايات المتحدة أكثر جذباً للمشترين الأجانب وتصبح السلع والخدمات الأميركية أكثر جذباً للمستهلكين الأميركيين.

وبدون انخفاض قيمة الدولار وما يترتب على ذلك من ارتفاع في صافي الصادرات، فإن ارتفاع معدلات الادخار وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي  من شأنه أن يدفع اقتصاد الولايات المتحدة إلى ركود عميق. وفي المقابل فإن انخفاض قيمة الدولار يجعل الاستهلاك المنخفض مواتياً للتشغيل الكامل للعمالة بسبب تحول الإنفاق الاستهلاكي من الواردات إلى السلع والخدمات المحلية، وتكميل هذا الارتفاع في الطلب المحلي بزيادة الصادرات.

بيد أن هذه الصلة المباشرة بين ارتفاع مدخرات الأسر الأميركية وانخفاض قيمة الدولار لن تتحقق إلا إذا لم يتجاوز ارتفاع مستويات الإنفاق الحكومي الارتفاع الذي سجلته مدخرات الأسر، على سبيل المثال من خلال زيادة حجم العجز الحكومي. ذلك أن العجز المالي الضخم يعني الحاجة إلى الأموال الأجنبية لتفادي مزاحمة الاستثمار الخاص. وبتعبير آخر فإن قيمة الدولار تعكس إجمالي المدخرات الوطنية، وليس فقط مدخرات قطاع الأسر الأميركية.

من المؤسف أن العجز المالي الأميركي من المنتظر أن يظل مرتفعاً لسنوات عديدة. إذ يتوقع مكتب الميزانية التابع للكونجرس أن يبلغ متوسط العجز في الموازنة الحكومية 5,2% من الناتج المحلي الإجمالي على مدى العقد القادم، ثم يرتفع إلى 5,5% من الناتج المحلي الإجمالي بعد عقد من الآن. وإذا استمر هذا المستوى المرتفع من الاقتراض الحكومي فسوف يمتص كل مدخرات الأسر الأميركية حتى مع استمرارها على مستواها المرتفع الحالي. وهذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تظل في حاجة إلى تدفقات كبيرة من رأس المال الأجنبي من أجل تمويل الاستثمارات التجارية وبناء المساكن. لذا فلابد وأن يظل الدولار محتفظاً بمستواه الحالي حتى يتمكن من الاستمرار في خلق العجز التجاري الضخم وما يترتب على ذلك من تدفق رأس المال الأجنبي.

من الممكن بطبيعة الحال ـ أو على الأرجح في اعتقادي ـ ألا تظل الصين، وغيرها من المقرضين الأجانب، راغبة في الاستمرار في توفير الحجم الحالي من الإقراض للولايات المتحدة. وانخفاض الطلب من جانب هؤلاء المقرضين على الدولار سوف يؤدي إلى انحدار قيمة ال��ولار وتقلص العجز التجاري. وهذا العجز التجاري المتقلص وما يترتب عليه من انحدار في تدفقات رأس المال الأجنبي سوف يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة. وأسعار الفائدة الأعلى سوف تقلل بدورها من مستوى الاستثمار التجاري وبناء المساكن إلى أن يصبح من الممكن تمويل هذه المشاريع بالحجم الأقل من المدخرات الوطنية بالإضافية إلى تدفقات رأس المال الأجنبي بعد انخفاض حجمها.

ورغم أن ارتفاع مستوى ادخار الأسر الأميركية سوف يحد من ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة فإن هذا لن يغير حقيقة ثابتة مفادها أن اجتماع العجز المالي الضخم في المستقبل مع تضاؤل رغبة المقرضين الأجانب في شراء الأوراق المالية الأميركية من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار وارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured