Sunday, November 23, 2014
5

واقعية الرنمينبي

نيويورك ــ طيلة أعوام سبعة، سمحت الولايات المتحدة لتركيزها الـمَرَضي على سعر صرف الرنمينبي (عملة الصين) بتشتيت الانتباه عن قضايا أعظم أهمية في علاقاتها الاقتصادية بالصين. ويشكل الحوار الاستراتيجي والاقتصادي المرتقب بين الولايات المتحدة والصين فرصة ممتازة لفحص أولويات أميركا ــ وإعادة النظر فيها.

منذ عام 2005، دأب الكونجرس الأميركي على تجربة تشريعات تهدف إلى الدفاع عن العمال الأميركيين الواقعين تحت ضغوط التهديد المفترض المتمثل في العملة الصينية الرخيصة. ولقد طفا إلى السطح تأييد ثنائي الحزبية لمثل هذه التدابير عندما قَدَّم عضوا مجلس الشيوخ تشارلز شومر (الديمقراطي الليبرالي من نيويورك) وليندسي جراهام (الجمهورية المحافظة من ساوث كارولينا) أول مشروع قانون يتناول العملة الصينية.

والواقع أن الحجة التي ساقاها لاتخاذ إجراءات تشريعية بسيطة إلى حد الاستفزاز: فكانت أن العجز في تجارة البضائع الأميركية بلغ متوسطاً غير مسبوق (4,4% من الناتج المحلي الإجمالي) منذ عام 2005، وأن الصين مسؤولة عن 35% كاملة من هذا العجز، ويرجع هذا كما افترضا إلى تلاعب الصين بالعملة. ويصر تحالف واسع من الساسة وكبار رجال الأعمال وخبراء الاقتصاد الأكاديميين على أن الصينيين لابد أن يعيدوا تقييم عملتهم وإلا واجهوا العقوبات.

ويلاقي هذا المنطق صدى مع الرأي العام الأميركي. فقد توصلت استطلاعات الرأي التي أجريت في عام 2011 على أن 61% من الأميركيين يعتقدون أن الصين تمثل تهديداً اقتصادياً خطيرا. وعلى هذا فإن المناقشة بشأن العملة تلوح باعتبارها قضية رئيسية في الحملة الرئاسية الأميركية القادمة. عندما سُئِل الرئيس الأميركي باراك أوباما عن الرنمينبي بعد اجتماعه الأخير بالرئيس الصيني هو جين تاو أجاب "لن نقبل المزيد من هذا". كما وعد منافس أوباما الجمهوري مِت رومني بإعلان الصين مذنبة بتهمة التلاعب بالعملة يوم توليه مهام منصبه.

ولكن على الرغم من جاذبية هذا المنطق فإنه خاطئ. فبادئ ذي بدء، العجز التجاري الأميركي متعدد الأطراف: ففي عام 2010 سجلت الولايات المتحدة عجزاً تجارياً مع 88 دولة. والاختلال المتعدد الأطراف في التوازن ــ وخاصة الاختلال الذي يمكن تتبع منشأه إلى نقص الادخار ــ لا يمكن إصلاحه بفرض الضغوط على سعر صرف ثنائي. والواقع أن التهديد الأكبر الذي يواجه أميركا تهديد داخلي. وإلقاء اللوم على الصين لن يؤدي إلا إلى تعويق عملية رفع الأثقال الواجبة في الداخل ــ أو على وجه التحديد، زيادة المدخرات من خلال خفض العجز في الموازنة وتشجيع الأسر الأميركية على ادخار دخولها بدلاً من الاعتماد على فقاعات الأصول.

وثانيا، سجل الرنمينبي ارتفاعاً بلغ الآن 31,4% في مقابل الدولار منذ منتصف عام 2005، وهي نسبة تتجاوز كثيراً الزيادة بنسبة 27,5% التي طالب بها مشروع قانون شومر-جراهام الأساسي. والواقع أن الصينيين، الذين يضعون في اعتبارهم دروس اليابان ــ وخاصة موافقتها المأساوية على الزيادة الحادة لقيمة الين بموجب اتفاق بلازا في عام 1985 ــ اختاروا بدلاً من ذلك زيادة قيمة الرنمينبي تدريجيا. ومن المؤكد أن التحركات الأخيرة الرامية إلى تدويل الرنمينبي، واعتماد حساب رأسمالي أكثر انفتاحاً ونطاقات أوسع لتداول العملة، لا تترك مجالاً كبيراً للشك في أننا سوف نحظى في النهاية برنمينبي قابل للتحويل بالكامل استناداً إلى السوق.

وثالثا، شهد اختلال التوازن الخارجي الصيني تحسناً كبيراً في الآونة الأخيرة. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن الفائض في الحساب الجاري الصيني سوف يتقلص إلى 2,3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012، بعد الذروة التي بلغها في عام 2007 (10,1%). وكثيراً ما تذمر المسؤولون الأميركيون من تخمة الادخار في  الصين باعتبارها المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار العالمي. ولكن ينبغي لهم أن ينظروا في المرآة: ذلك أن العجز الأميركي في الحساب الجاري هذا العام، والذي يقدر بنحو 510 مليار دولار، من المرجح أن يقترب من ثلاثة أمثال الفائض الصيني.

وأخيرا، لقد تجاوزت الصين المرحلة التي كانت فيها عبارة عن مصنع للعالم يقيم به خطوط تجميع منتجاته. فالبحوث تظهر أن ما لا يزيد عن 20% إلى 30% من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة يعكس قيمة مضافة داخل الصين. وما يقرب من 60% من الصادرات الصينية يمثل شحنات من "شركات ذات استثمار أجنبي" ــ في واقع الأمر، شركات صينية تابعة لشركات عالمية متعددة الجنسيات. ولنتأمل هنا شركة أبل. إن منصات الإنتاج المعوّلَمة تشوه بيانات التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين، ولا علاقة كبيرة لها بسعر الصرف.

وبدلاً من التشنيع على الصين باعتبارها التهديد الاقتصادي الرئيسي لأميركا، فإن العلاقة تحتاج إلى إعادة صياغة بوصفها فرصة. والواقع أن المكون الأكبر في الطلب الأميركي الكلي ــ المستهلك ــ صار مجمدا. فمع تركيز الأسر الأميركية على إصلاح موازناتها المتضررة بشدة، توسع الاستهلاك الخاص المعدل وفقاً للتضخم بما لا يتجاوز 0,5% في المتوسط سنوياً على مدى الأعوام الأربعة الماضية. ومن المرجح أن يستمر المستهلكون في تقليص ديونهم لأعوام قادمة، الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة تسعى يائسة على نحو متزايد إلى تأمين مصادر جديدة للنمو.

وتتقدم الصادرات قائمة الاحتمالات. فقد أصبحت الصين الآن ثالث أكبر سوق لصادرات الولايات المتحدة ــ وهي سوق تنمو بسرعة. ولا يمكننا أن نتغافل عن قدرة هذه السوق على ملء بعض الفراغ الذي تركه المستهلكون الأميركيون.

ويكمن المفتاح إلى اغتنام هذه الفرصة في الوصول إلى الأسواق الصينية ــ وهو الأمر الذي تتضح أهميته في ضوء عملية إعادة التوازن المقبلة في الصين باتجاه الاستهلاك. فتاريخيا، كانت الصين تتبع نموذجاً تنموياً مفتوحا، حيث مثلت الواردات 28% من الناتج المح��ي الإجمالي منذ عام 2002 ــ أي ما يقرب من ثلاثة أمثال نسبة الواردات في اليابان (10%) أثناء الفترة التي شهدت ذروة النمو الياباني (1960-1989). ونتيجة لهذا فإن الصين، في مقابل زيادة معينة في الطلب المحلي، تبدو أكثر ميلاً إلى الاستعانة بمصادر خارجية.

ومع ظهور المستهلك الصيني، فإن الطلب على مجموعة متنوعة من السلع الأميركية الصنع ــ والتي تتراوح بين الجيل الجديد من تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الحيوية إلى مكونات السيارات والطائرات ــ قد يرتفع إلى حد كبير. ويصدق نفس القول على الخدمات. وبحصة لا تتجاوز 43% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن قطاع الخدمات في الصين يُعَد ضئيلاً نسبيا. وهناك مجال هائل لشركات الخدمات الأميركية العالمية للتوسع في الصين، وخاصة في قطاعات التوزيع التي تعتمد على معاملات كثيفة ــ تجارة الجملة والتجزئة، وخدمات النقل المحلية، والخدمات اللوجستية لسلاسل العرض ــ فضلاً عن شرائح المعالجة في قطاعات التمويل، والرعاية الصحية، وتخزين البيانات.

يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد تركيز الأجندة التجارية الأميركية الصينية باتجاه توسيع نطاق الوصول إلى الأسواق في هذه المجالات وغيرها ــ مع احتواء السياسات وممارسات المشتريات الصينية التي تدعم الإنتاج المحلي والإبداع الحقيقي. ولقد تم إحراز بعض التقدم، ولكن الأمر يحتاج إلى المزيد ــ على سبيل المثال، إقناع الصين بالانضمام إلى اتفاقية المشتريات الحكومية التابعة لمنظمة التجارة العالمية. ومن ناحية أخرى، يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في القيود العتيقة التي تعود إلى زمن الحرب الباردة والتي تفرضها على مشتريات الصين من البنود المتطور تكنولوجيا.

وبالنسبة للولايات المتحدة المتعطشة للنمو، فإن فرص الوصول إلى الأسواق تفوق في الأهمية التهديد الذي تمثله العملة. فالآن أصبح المستهلك الصيني على وشك الخروج من سباته الطويل. وهذا من شأنه أن يعزز واحداً من أعظم مواطن القوة ــ حماسها للتنافس في أسواق جديدة. وعار على الولايات المتحدة أن تبدد هذه الفرصة غير العادية باتخاذ موقف متصلب في الحوار الاستراتيجي الاقتصادي المرتقب.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedProcyon Mukherjee

      Paul Jefferson has actually given the answer, but at the very end. Renminbi appreciation does not help the American business partners who source cheap goods into U.S. which is equivalent of importing labor and exporting capital goods, which the Chinese buy. It would actually benefit the Chinese a little bit if the Renminbi appreciates.

      The CCER study showed that 44 percent of the Chinese trade surplus was contributed by U.S. companies operating in China, and 20 percent by other foreign companies there.

      CCR study showed that if we take iPhone, a personal electronic device designed by the U.S. Apple Inc. as an example. The product, assembled in China, alone accounted for 1.9 billion dollars of China's trade surplus with the United States in 2009.

      CCER study showed that most of China's trade with the U.S. is compensation trade, which may account for 60 percent of the total (bilateral) trade. The yuan's appreciation may somewhat increase China's trade surplus, contrary to the common sense.

      It means China can import raw materials and equipment at relatively low prices.

      Even if China is forced to give up exporting some of its products once the yuan appreciates, the United States will still have to buy those products, which it usually does not manufacture, from other countries -- which neither helps bring down its trade deficit nor create jobs.

      According to a CCER model co-developed with a U.S. institution, if the yuan appreciates by 5 percent against the dollar, the U.S. employment rate will rise by only 0.03 percent; even if the yuan appreciates by 20 percent, it only helps to raise U.S. employment by 0.16 percent.

      The effects of the yuan's appreciation on stimulating consumption are even smaller. According to the model, U.S. consumption will be up a mere 0.02 percent, given a 5-percent appreciation of the Chinese currency against the dollar.

      Meanwhile, the model showed that the increase in the yuan's value is unlikely to affect the U.S. gross domestic product (GDP) much -- if the yuan rises by 5 percent, the U.S. GDP would go up 0.02 percent, while China's GDP would contract 0.56 percent.

      We could do some sensitivities with the modeling, but the truth will not be any far. If renminbi appreciates significantly, the Chinese foreign exchange reserves at $3 Trillion poses a significant challenge to both the nations, it could be either way a situation to make new adjustments.

      Procyon Mukherjee

    2. CommentedPaul Jefferson

      The Chinese yuan has actually appreciated by about 3.6% per year for the past two years, according to this chart:

      http://www.google.com/finance?q=cnyusd

      But if the yuan had instead been allowed to float freely, how much more would it have appreciated? Would the appreciation have been greater by a factor of 10, or 20?

      Why is the Chinese dictatorship afraid to find out? Are they afraid because they themselves know that the yuan is significantly undervalued? Probably.

    3. CommentedPaul Jefferson

      There must be some advantage for China in keeping its currency low. Otherwise, China's leaders would not be so stubbornly persistent in depressing the value of the yuan.

      Obviously, China's artificially low currency gives them a price advantage in international trade. This allows them to penetrate and dominate foreign markets.

      Conversely, the low yuan is an obstacle for any USA-based manufacturer who wants to sell to China. USA-made goods are typically too expensive, partly because China's currency is held at an artificially low level.

      Similarly, the low yuan has made China's labor costs so cheap that American workers cannot compete. Consequently, many are unemployed or underemployed. Yet the author believes these financially stressed individuals can be persuaded to save more. How?

      The advantage of a low currency is clear: China enjoys an 8% growth rate, versus a quarter of that in the USA. And China's dictators want a low yuan to help them retain their grip on power, by keeping Chinese workers employed, thereby avoiding economic discontent.

      Clearly, China has strong motivation to depress the yuan's value, which is why they still do it. The 31% appreciation the author referred to is not recent. In fact, the yuan has been held in a tight range for the past several years.

      Anyway, why would the author consider 31% to be sufficient? Is this number based on purchasing power parity? Or on an interim target set by a USA politician long ago? Why not just allow the currency to float freely, and let the market decide?

      Other excuses offered by the author for China are equally suspect. He states that "the endgame is a market-based, fully convertible renminbi". However, what we are actually witnessing indicates that China's real endgame is to dominate the world economy. They intend to become the new imperial, dictatorial master of the world.

      The author also states that "China has had an open development model, with imports running at 28% of GDP". But what did those imports consist of? Oil? Raw natural resources? From where? If this is such a significant statistic, then the author should break out the components to reveal the true story.

      Finally, the author advises that "the US should reconsider antiquated Cold War restrictions on Chinese purchases of technology-intensive items." In other words, the USA should concede defeat, and surrender their last major technology advantage. After all, the US cannot defeat North Korea, because China will not allow any meddling with their puppet. And the US cannot prevent China from stealing US technology and selling it to Iran. Resistance is futile, the author seems to say, so let's just surrender now.

      This is not to imply that the USA should base its economy on weapons technology. But sadly, that is one of the few remaining areas of competitive advantage left. This is after years of assault on the USA economy by nations such as China, who have manipulated their currencies for their advantage, at America's expense.

      But the real threat to the USA is not China! Instead, it is wealthy Americans whose loyalty is not to their own country, but to themselves and to trans national corporations. China's unfair cost advantage only makes these individuals and corporations richer. And if America collapses, they can afford to move to Singapore or Shanghai.

      Who can we trust to save America and the world from centuries of domination by the fascist dictatorship that is China? Not the 1% protesters, whose goals are vague, and whose strategies are ineffectual. Not Obama, who has squandered every opportunity to resist currency manipulators such as China. And not Romney, who is beholden to the ultra rich.

      Sadly, without competent leaders, lacking sufficient political will, and mostly blind to the danger, America – and it's industrialized peers – seem destined to succumb.

        CommentedLawrence Fassio

        In response to Paul Jefferson's claim about the increase in the value of the Chinese yuan, my computation of its increase over the past two years, from the chart whose link he supplied, is a 0.3% increase, or slightly more than 0.1% per year

        CommentedPaul Jefferson

        The Chinese yuan has actually appreciated by about 3.6% per year for the past two years, according to this chart:

        http://www.google.com/finance?q=cnyusd

        But if the yuan had instead been allowed to float freely, how much more would it have appreciated? Would the appreciation have been greater by a factor of 10, or 20?

        Why is the Chinese dictatorship afraid to find out? Are they afraid because they themselves know that the yuan is significantly undervalued? Probably.

    Featured