Friday, October 24, 2014
12

أميركا والركود السياسي

بيركلي ــ الآن، أصبحت احتمالات الركود في الولايات المتحدة في العام القادم نحو 36%. والسبب سياسي تماما: فقد بلغ الاستقطاب الحزبي مستويات غير مسبوقة من قبل قط، الأمر الذي يهدد بإرسال الاقتصاد الأميركي إلى أسفل "الهاوية المالية" ــ الزيادات الضريبية وتخفيضات الإنفاق التلقائية التي ستدخل حيز التنفيذ في بداية عام 2013 ما لم يتفق الديمقراطيون والجمهوريون على غير ذلك.

قبل أكثر من قرن من الزمان، وأثناء عصر الذهب الأول، كان الساسة الأميركيون مستقطبين بشكل حاد أيضا. ففي عام 1896، كان الرئيس التالي للولايات المتحدة آنذاك، تيودور روزفلت، جمهورياً هجومياً بالغ الحماس. حتى أنه ندد بالمرشح الرئاسي الديمقراطي وليام جينينجز براين باعتباره مجرد دمية صنعها حاكم ولاية إلينوي الشرير جون بيتر ألتجيلد.

فقد زعم روزفلت أن براين "سوف يكون أشبه بالصلصال بين يدي الخزاف في ظل السيطرة الخبيثة التي يخضعه لها شيوعي إلينوي الطموح المنعدم الضمير. وسوف يكون صك العملات الفضية بلا ضابط أو رابط مجرد خطوة نحو الاشتراكية العامة التي تشكل المبدأ الأساسي لمعتقداته السياسية. وسوف يسعى هو وألتجيلد إلى قلب السياسات الأساسية التي سيطرت على الحكم منذ تأسيسه".

والواقع أن مثل هذه اللغة لا تقل تطرفاً عن أي لغة نسمعها اليوم ــ ومن الرجل الذي أصبح بعد فترة بسيطة نائباً للرئيس (ثم رئيساً في وقت لاحق، بعد اغتيال وليام ماكنلي). ولقد سمعنا حاكم ولاية تكساس، ريك بيري، وهو يدعو بشكل غير مباشر إلى إعدام زميله الجمهوري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي، إذا أتى إلى ولاية النجمة الوحيدة. كما رأينا كريس كوباتش وزير الشؤون الخارجية لولاية كانساس وهو يستكشف إمكانية استبعاد الرئيس باراك أوباما من الاقتراع في ولاية كانساس، لأن أوباما كما يزعم كوباتش "ليس مواطناً بحكم محل الميلاد".

ولكن من غير المرجح على الإطلاق أن يصبح بيري أو كوباتش رئيساً للولايات المتحدة، في حين كان تيودور روزفلت أكثر من مجرد سياسي حزبي. فقد كان سعيداً بعقد الصفقات مع الديمقراطيين ــ لكي يضع نفسه في المقدمة ليس فقط بالنسبة للحزب الجمهوري بل وأيضاً بالنسبة للائتلاف التقدمي المؤلف من الحزبين، في محاولة إما لتوحيد القوتين معاً أو تغيير اتجاهه جيئة وذهاباً بينهما من أجل تحقيق أهدافه التشريعية والسياسية.

والواقع أن أوباما يتبع على نطاق واسع السياسة الأمنية التي انتهجها رونالد ريجان (أثناء ولايته الثانية)، وسياسة الإنفاق التي تبناها جورج بوش الأب، وسياسة بل كلينتون الضريبية، وسياسة التنظيم المالي لدى مجموعة سكوام ليك ثنائية الحزبية، وسياسة الهجرة التي تبناها بيري، وسياسة جون ماكين في التعامل مع قضية تغير المناخ، وسياسة رومني في التعامل مع الرعاية الصحية (على الأقل عندما كان رومني حاكماً لولاية ماساتشوستس). ولكنه رغم هذا لم يقف بجانب أي من الجمهوريين في دعم سياساتهم.

الواقع أن أوباما، مثله كمثل كلينتون من قبله، عجز عن حمل أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين مثل سوزان كولينز على التصويت لصالح سياستها فيما يتصل بتمويل الحملات، أو حمل ماكين على التصويت لصالح سياسته فيما يتصل بتغير المناخ ــ والأمر الأكثر إثارة للضحك ــ أنه لم يتمكن من حمل رومني على دعم خطته للرعاية الصحية. وعلى نحو مماثل، لم يتمكن أوباما من حمل بول ريان، المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس، على تأييد مقترحاته الشخصية فيما يتصل بالتحكم في تكاليف الرعاية الطبية.

ويرجع كل هذا إلى أسباب واضحة. ذلك أن قسماً كبيراً من القاعدة الجمهورية، بما في ذلك العديد من أكبر المتبرعين للحزب، يعتقدون أن أي رئيس ديمقراطي يُعَد عدواً غير شرعي لأميركا، وعلى هذا فإن أي مقترحات يقدمها مثل هذا الرئيس لابد أن تكون خاطئة، وبالتالي لابد من إحباطها. وتعتقد الكوادر الحزبية الجهورية في صدق هذا الزعم في حالة أوباما أكثر من حالة كلينتون.

وتؤثر وجهة النظر هذه بوضوح على شاغلي المناصب من الجمهوريين، الذين يخشون الوحش الحزبي الذي يتحكم في الخزائن. فضلاً عن ذلك فإن هؤلاء الذين يتولون زعامة الحزب الجمهوري، منذ انتخاب كلينتون عام 1992، كانوا يعتقدون أن خلق حالة من الجمود كلما وصل ديمقراطي إلى البيت الأبيض، وبالتالي إظهار عجز الحكومة عن العمل، هو المسار الأفضل لإحراز النجاح الانتخابي.

وكانت هذه هي حسابات الجمهوريين أثناء الفترة 2011-2012. ولم تغير انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني موازين القوى في أي دائرة من دوائر الحكومة الأميركية: فقد ظل أوباما رئيسا، وظل الجمهوريون مسيطرين على مجلس النواب، وظل الديمقراطيون مسيطرون على مجلس الشيوخ.

والآن، بات من المحتمل أن يتمرد المشرعون الجمهوريون على زعمائهم، بحجة أنهم خاضوا الانتخابات للوصول إلى الحكم، وليس لإصابة الحكومة بالشلل على أمل أن يكون في هذا ما يمنح الحزب القوة اللازمة للحكم كما يشاء بعد الانتخابات التالية. ومن المحتمل أن يخلص الزعماء الجمهوريون مثل النائبين جون بونر وإريك كانتور وعضو مجلس الشيوخ ميتش مكونيل إلى أن سياستهم التي تقوم على العرقلة كانت فاشلة. ولعلهم ينتبهون إلى أن سياسات أوباما، على الرغم من أن الاقتصاد لا يزال متعثراً وراكداً بدرجة عميقة في أعقاب الأزمة المالية التي أرسوا أسسها، كانت إلى حد بعيد هي الأكثر نجاحاً بين كل السياسات التي تبنتها أي دولة متقدمة أخرى، فيستنتجون أنه كان رئيساً جيداً نسبيا، ويستحق الدعم.

ولكن لا تعولوا على هذا. فالآن يبادر كل سياسي كبير في أميركا إلى إخبار محسوبيهم في الصحافة بأنهم على ثقة تامة من التوصل إلى تسوية بشأن "الهاوية المالية" قبل نهاية ديسمبر. ولكنهم يقولون هذا لمحسوبيهم لأنهم يعتقدون أن التشاؤم الآن من شأنه أن يؤدي إلى توجيه اللوم إليهم عن الوصول إلى طريق مسدود في وقت لاحق.

ويبدو لي أن الاحتمالات تبلغ نحو 60% بأن المفاوضات الحقيقية لن تبدأ قبل أن ترتفع المعدلات الضريبية في الأول من يناير/كانون الثاني. كما يبدو لي أن الاحتمالات تبلغ نحو 60% بأن هذا من شأنه أن يعيد الولايات المتحدة إلى الركود إذا استمرت حالة الجمود إلى عام 2013. ولا يسعنا الآن إلا أن نتمنى أن يكون الركود قصيراً وغير عميق.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (12)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedPaulo Sérgio

    There will be costs for the kind of divisive politics the United States has been entertaining for a decade now. But, it's the same leadership on display across the Atlantic.

    I think, this displays some myopia with regards the period for which slow and zero growth economies will remain influential. But for leading export-led emerging giants, this is a sort of "it's our fiscal cliff, but your problem."

  2. CommentedVan Poppel charles

    sir, thank you for your speedy answer; but you should formulate an efficient strategy and defend it and not blame the other man for not being able to do that;

  3. CommentedVan Poppel charles

    after reading this comment I arrived at the conclusion that even the most sophisticated american economics professors at the most sophisticated US universities do not know anymore to formulate an efficient policy strategy to overcome the actual " big recession" in the biggest economy of the world; that's dreadful for economic science as also Nobel price economists.

      Portrait of J. Bradford DeLong

      CommentedJ. Bradford DeLong

      Interesting. Why did you conclude that? From where I sit, we know very well how to overcome the big recession--but there are a lot of bad and underbriefed actors sending fake messages and confusing people, and assembling the political coalition is very hard.

  4. CommentedPaul A. Myers

    What Washington does has consequences out in the country. But the country does not seem to believe it. So I suspect the country has to "feel it" and then push back on Washington.

    Tens of millions of people are going to need more than just Social Security and Medicare and Medicaid. I suspect the Republicans know this and simply don't want to pay for it. So they work to lock in ceilings now.

    So the Republicans have two goals: lock in low tax rates for the wealthy and spending ceilings on the lower half of the income distribution. These positions will only be overcome by brute political power, not by sweet reason.

    The Republican goal is actually recession, which is a form of austerity. Let's see if their big business allies really want to go down this road!

  5. CommentedCarol Maczinsky

    In short: how to unwreck the right wing of the US political spectrum, how to promote decent conservative policies.

  6. CommentedCarol Maczinsky

    You mix two crisis: First an inevitable economic downturn and the political turmoil that would emerge from it, second a republican policy crisis which promotes extremism. You have a government which supports terrorism, torture and assinations abroad and an insane opposition which makes it look the lesser evil. Where is "conservative" conservatism in the US?

  7. CommentedProcyon Mukherjee

    Betwixt a market that already believes that the fiscal derangement has been avoided and the rising tide of reports that show that compromise is mired by a dithering polity that flourishes on the hopes of an economic revival that is not based on equity and responsibility, but in a recurring rent seeking at the back of far less modest monetary policy that pushes products and services in the expectation of a demand, which falters time and again to actually happen.

    Why call it recessive politics, this is the process that gets the majority to select the best amongst the worst, while the divide is orchestrated over gigabytes of media space and funded by a transparence? Continuation of the divide whether for better or worse is a part of democracy through discussion, as long as it is under the aegis of a public scrutiny.

    Procyon Mukherjee

  8. CommentedCher Calusa

    "let us hope that it will be short and shallow"... I heartily disagree to this notion of "hoping". This is what got everybody into this financial mess. We have consistently closed our eyes tightly and have hoped that all the imbalance in our economic system would somehow go away. Now let's consider that we don't have an economic system separate from any other on this planet. All countries sink or swim together in today's interconnected climate. The problems has always been exploitation and excess. This activity has spread across the entire globe and now we are at the natural end to this system. The more third world economies grow, the less they will tolerate exploitation and this is actually progress. We're ready for something totally new, a world in which balance and cooperation is more important than profits and exploitation. It is destined to happen either by our global creative effort or after a natural collapse. In the wake of this economic configuration we humans have also created imbalance socially and environmentally. May we open our eyes bravely and face the facts!

  9. CommentedZsolt Hermann

    The way things work is that usually there is an objective, absolute state, and than there is the perception of it.
    For example somebody can be very sick, even terminally sick which is obvious to others, but the person himself still thinks he is healthy or maybe a little sick but everything is going to be better by itself as time goes by.
    It is the same with the US and humanity in general.
    We have been talking about climate change, how it will change the weather, our life, and suddenly now we realize it is not going to happen in some faraway future, we are already living through it, hammered by it in a very unpredictable manner.
    We are talking about peak oil, depleted natural resources sometime in the future, the truth is those changes are already upon us, and very significant lack of resources, including water and food resource shortages will hit us very soon, very much within the lifetime of this generation.
    We are talking about financial and economical crisis, political recession happening soon, the truth is we are already in it, simply more and more layers of makeup, cosmetic surgery is holding the rotten body together, but in many very real countries the life of the public is affected by it very severely day to day, and this is spreading fast all over the globe.
    The great American soap opera, highlighted by the more than year long election campaign is finished, the reality starts biting, and very soon a much worse reality will dawn on this country, and to China, and to the whole of Europe than people would like to imagine.
    We have been cheating the global, natural, interconnected and interdependent system for too long and there is no more place or resource to cheat any longer.
    We cannot ignore that the whole socio-economic system we are stubbornly pushing is false, and is built on a fantasy.
    We will wake up very soon, either by conscious examination of ourselves and the system around us, or by a very rude awakening through unpredictable and volatile events hitting us from all sides.

  10. CommentedMark Pitts

    Is this supposed to be political analysis? It reads more like partisan advocacy.
    In any case, we should add to the author's list of extreme political speech the repeated accusation that any one who voted against Obama is a racist.

      Portrait of J. Bradford DeLong

      CommentedJ. Bradford DeLong

      Why? Do you object to the observation that: "Obama broadly follows Ronald Reagan’s (second-term) security policy, George H.W. Bush’s spending policy, Bill Clinton’s tax policy, the bipartisan Squam Lake Group’s financial-regulatory policy, Perry’s immigration policy, John McCain’s climate-change policy, and Mitt Romney’s health-care policy (at least when Romney was governor of Massachusetts). And yet he has gotten next to no Republicans to support their own policies"? If you object to it, what is wrong with it? Simply stating what has happened is analysis, after all...

Featured