Friday, July 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

لغز سعر الفائدة المحير في أميركا

هناك لغز عظيم في عالم الاقتصاد اليوم، وهو يكمن في استمرار انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل في الولايات المتحدة. وينظر خبراء الاقتصاد الشامل التقليديون مثلي إلى العجز الحالي في الحساب الجاري الأميركي، والذي بلغ الآن 7% من الناتج الإجمالي المحلي، فيدركون أن مثل هذا العجز الهائل لابد وأن يتبعه تخفيض كبير في قيمة العملة. ومن هنا فنحن نتوقع انخفاضاً كبيراً في أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.

إذا ما انخفض الدولار مقابل اليورو بنسبة 20% أخرى في وقت ما خلال السنوات العشر القادمة، فلابد وأن تكون أسعار الفائدة طويلة الأجل في الولايات المتحدة أعلى من معدلات اليورو بمقدار نقطتين مئويتين. وإذا ما انخفض بنسبة 40% أمام الين في وقت ما خلال السنوات العشر القادمة، فلابد وأن تكون أسعار الفائدة طويلة الأجل في الولايات المتحدة أعلى من المعدلات اليابانية بمقدار أربع نقاط مئوية. وإذا ما انخفض بنسبة 60% أمام عملة الصين اليوان في وقت ما خلال السنوات العشر القادمة، فلابد وأن تكون أسعار الفائدة طويلة الأجل في الولايات المتحدة أعلى من المعدلات الصينية بمقدار ست نقاط مئوية. لكننا لا نرى أية دلائل تشير إلى حدوث أي شيء من هذا القبيل.

واللغز المحير هنا ليس فقط أن الأسعار طويلة الأجل منخفضة أكثر مما ينبغي إذا ما نظرنا إليها في السياق الدولي، بل إنها أيضاً منخفضة أكثر مما ينبغي إذا ما نظرنا إليها في السياق المحلي لأميركا. وحتى الآن ما زالت إدارة بوش مستمرة في العمل بلا خطط لخياطة العروق التي فتحتها بانتهاج سياسة اقتصادية ترجع إلى العصور الوسطى، وتفترض أن نزيف العائدات الناتج عن تصرفات الحكومة فيه الشفاء لكل العلل الاقتصادية.

وهذا يعني أنه ما لم ترتفع معدلات الادخار المحلية الأميركية إلى حد هائل ـ وهو ما لا تشير إليه أية دلائل ـ وما لم تظل معدلات الإنفاق على الاستثمارات منخفضة إلى حد غير طبيعي طيلة ما تبقى من هذا العقد، فإن المعروض من الاعتمادات المالية القابلة للإقراض لتمويل الاستثمار ستصبح في وقت بسيط أقل كثيراً من الطلب حين يتقلص العجز في الحساب الجاري إلى مستويات يمكن تحملها. ولكن حين يقل المعروض عن الطلب، فإن الأسعار ترتفع بشدة.

وفي هذه الحالة، فإن أسعار الاعتمادات المالية القابلة للإقراض تعبر عن أسعار الفائدة الحقيقية. حيث أن توقع ارتفاع أسعار الفائدة في وقت ما من العقد القادم يعني ارتفاع أسعار الفائدة على السندات طويلة الأجل اليوم.

إلا أن أسواق التمويل لا تحدد سعراً لتخفيض قيمة الدولار، وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل الذي سيترتب على ذلك التخفيض. وحين نتحدث نحن خبراء الاقتصاد الشامل إلى أصدقائنا في ووال ستريت، فإننا نكتشف أنهم لا ينظرون إلى هذا باعتباره لغزاً محيراً على الإطلاق.

بل إنهم على العكس من ذلك تتملكهم الحيرة بشأن السبب الذي يجعلنا ننظر إلى المستويات الحالية المنخفضة لأسعار الفائدة طويلة الأجل باعتبارها أمراً يثير القلق. وطبقاً لوجهة نظرهم، فإن ارتفاع الطلب حالياً على السندات المالية طويلة الأجل المخصصة بالدولار، أمر يسهل تفسيره: فالبنوك المركزية الآسيوية تشتري بهدف الإبقاء على انخفاض قيمة العملات الآسيوية، كما تقترض خزانة الولايات المتحدة قروضاً قصيرة الأجل (وهي على هذا لا تُـصْـدِر عدداً كبيراً من السندات المالية طويلة الأجل)، وأخيراً فإن شركات الولايات المتحدة لا تتعهد ذلك النوع من الاستثمارات الذي قد يقودها إلى إصدار عدد كبير من السندات المالية طويلة الأجل.

ولكن مع كل حالة من حالات إساءة تقدير أسعار السوق هناك فرصة للربح: فإذا ما كانت أسعار الفائدة طويلة الأجل منخفضة حقاً، وكانت أسعار السندات المالية طويلة الأجل مرتفعة أكثر مما ينبغي، فإن المستثمرين من حاملي سندات الولايات المتحدة القصيرة طويلة الأجل، سيضعون أموالهم في مكان آخر، وينتظرون حتى تعود أسعار السندات إلى أصلها، ثم يغطون معاملاتهم المالية قصيرة الأجل. وبهذا فإنهم سيدفعون الأسعار حتى تقترب من أصولها اليوم.

لكن أصحاب المصالح في ووال ستريت يقدمون حجة مضادة: ذلك أن أي مؤسسة مالية تراهن بشكل جاد على انخفاض الدولار أمام اليوان خلال الأعوام الخمسة القادمة، تجازف ببقائها وتعرض نفسها للزوال إذا ما اتخذت التجارة وجهة أخرى. وهذا ما يحدث عادة: ولنتذكر انهيار إدارة رأس المال طويل الأجل.

إن وجود جهات فاعلة ضخمة في أسواق التمويل لا تهتم أساساً بتعظيم أرباحها إلى الحد الأقصى يؤكد على مدى فداحة المجازفة في مثل هذه المراهنات. فإذا ما قرر بنك الصين وبنك الاحتياطي الفيدرالي على سبيل المثال أن يلقنا المضاربين درساً من خلال رفع قيمة الدولار نسبة إلى اليوان بمقدار 20% لمدة شهر، وهو أمر وارد، فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى إفلاس العديد من المؤسسات المالية ذات المعاملات المالية قصيرة الأجل.

وعلى نحو مماثل، فإن أي مؤسسة مالية تراهن بشكل جاد على ارتفاع حاد في أسعار الفائدة طويلة الأجل على مدى السنوات الخمس القادمة، تجازف أيضاً ببقائها وتعرض نفسها للزوال. فأين لهم أن يضعوا أموالهم؟

لقد أصبحت عائدات تأجير العقارات وأرباح سوق الأوراق المالية منخفضة، وقد تستمر في الانخفاض بقدر انخفاض أسعار السندات أو ما يزيد، إذا ما تقلبت أسعار الفائدة.
ولن يكون بوسع أي جهة سوى المؤسسات التجارية التي تستطيع أن تقترض على آجال طويلة الآن، وأن تثبت قروضها على سعر فائدة حقيقي منخفض، وأن تستثمر في توسعة مقدراتها وطاقاتها، أن تراهن على المستوى المحلي على ارتفاع أسعار الفائدة في المستقبل. لكن المؤسسات التجارية الأميركية ترى في المستقبل من المجازفة ما يكفي لجعلها أكثر حذراً من أن تتورط في مقدرات غير مستغلة.

يرى خبراء الاقتصاد أن قوى السوق تدفع الأسعار إلى أصولها. لكننا لا نتوخى من الحرص والانتباه ما يكفى لجعلنا نميز بين المواقف التي تتسم فيها قوى استعادة التوازن بالقوة، وبين المواقف التي تضعف فيها مثل هذه القوى. سوف تنخفض قيمة الدولار وترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل في الولايات المتحدة، لكن هذا لن يحدث إلا حين يقرر المضاربون في ووال ستريت وفي أسواق البورصة الأخرى أن الاحتفاظ بالدولار وسندات الولايات المتحدة طويلة الأجل أكثر خطورة وأشد مجازفة على الأمد القصير. وإذا ما حدث هذا، فإن المستقبل البعيد الأمد سيكون الآن.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured