Sunday, April 20, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
3

أميركا ولحظة مجموعة الصفر

نيويورك ــ كانت الأزمة المالية في عام 2008 بمثابة النهاية للنظام العالمي كما كنا نعرفه. ومن المستحيل قبل انعقاد قمة مجموعة الثماني المرتقبة أن نتجاهل حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة، للمرة الأولى في سبعة عقود من الزمان، أصبحت عاجزة عن قيادة الأجندة الدولية أو تقديم الزعامة العالمية فيما يتصل بكل المشاكل الأكثر إلحاحاً اليوم.

الواقع أن الولايات المتحدة قلصت حضورها في الخارج عندما رفضت المساهمة في إنقاذ منطقة اليورو، أو التدخل في سوريا، أو استخدام القوة لاحتواء الطموحات النووية الإيرانية (على الرغم من الدعم الإسرائيلي القوي). فقد أنهى الرئيس باراك أوباما رسمياً الحرب في العراق، وهو الآن يسحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان بوتيرة لا يقيدها إلا ضرورة حفظ ماء الوجه. إن أميركا تسلم الآن عصا القيادة ــ حتى ولو لم تكن أي دولة أخرى أو مجموعة من الدول راغبة أو قادرة على حملها.

باختصار، قد لا تقل السياسة الخارجية الأميركية الآن نشاطاً عن أي وقت مضى، ولكنها آخذة في التضاؤل وأصبحت أكثر تشدداً فيما يتصل بتحديد الأولويات. ونتيجة لهذا فإن العديد من التحديات العالمية ــ تغير المناخ، والتجارة، ونُدرة الموارد، والأمن الدولي، وحرب الفضاء الإلكتروني، والانتشار النووي، على سبيل المثال لا الحصر ــ من المحتم أن تصبح أعظم خطراً الآن.

مرحباً بكم في عالم "مجموعة الصفر"، بيئة أكثر اضطراباً وأقل يقينا، حيث سقط التنسيق فيما يتصل بقضايا السياسة العالمية على جانب الطريق. ومن عجيب المفارقات هنا أن هذه البيئة الجديدة، على الرغم من قسوتها، إلا أنها أقل إزعاجاً بالنسبة للولايات المتحدة؛ بل إنها توفر لها فرصاً جديدة للاستفادة من وضعها الفريد. إن عالم مجموعة الصفر ليس سيئاً بالكامل بالنسبة للولايات المتحدة ــ إذا لعبت أوراقها بشكل سليم.

إن العديد من مواطن القوة المتبقية تكتسب قدراً أعظم من الأهمية في مثل هذا العالم، وتظل أميركا تمثل القوة العظمى العالمية الحقيقية الوحيدة وتظل صاحبة أضخم اقتصاد على مستوى العالم ــ فلا يزال حجم اقتصادها ضعف حجم اقتصاد الصين. ويمثل إنفاقها الدفاعي ما يقرب من نصف ما ينفقه العالم أجمع على الدفاع، ويتجاوز إنفاق الدول السبع عشرة التالية للولايات المتحدة على الدفاع مجتمعة. ويظل الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية في مختلف أنحاء العالم، ويؤكد تكالب المستثمرين على ديون الحكومة الأميركية مع كل ارتفاع حاد لها في وقت الأزمة منذ عام 2008 على وضع أميركا باعتبارها ملاذاً آمنا (حتى في الأزمات التي أحدثتها أميركا).

وعلى نحو مماثل، لا تزال الولايات المتحدة تحتل مركز الصدارة في مجالات مثل ريادة الأعمال، والبحث والتطوير، والتعليم العالي، والإبداع التكنولوجي. فضلاً عن ذلك فإنها الآن الدولة الأكبر على مستوى العالم في إنتاج الغاز الطبيعي وتصدير الوحدات الحرارية، الأمر الذي قلل من تعرضها لصدمات الأسعار أو نقص المواد الغذائية.

ولا تنافس أي دولة الولايات المتحدة في ترويجها لسيادة القانون، والديمقراطية الليبرالية، والشفافية، وحرية المبادرة. ورغم أن بلدان أخرى تدعم نفس القيم بلا أدنى شك، فإن الولايات المتحدة وحدها كانت الدولة التي تتمتع بالقدر الكافي من الرغبة والصحة والحجم لضمان سيادة هذه القيم. لذا، فرغم أن أميركا تحد من زعامتها العالمية، فإنها سوف تجد المزيد من الطلب عليها.

ولنتأمل هنا آسيا على سبيل المثال. مع تنامي أهمية الصين الاقتصادية ونفوذها الإقليمي، فإن جيرانها يسعون إلى تعميق علاقاتهم بالولايات المتحدة. ومؤخراً أتمت اليابان وأستراليا وإندونيسيا وتايوان اتفاقيات تجارية وأمنية مع الولايات المتحدة. وحتى بورما لحقت بالركب وقررت استئناف العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة مع العمل في نفس الوقت على الخروج من ظل الصين.

بعبارة أخرى، في عالم مجموعة الصفر، تعمل البيئة العالمية المتزايدة العدائية على جعل الولايات المتحدة أكثر جاذبية في نظر البلدان التي تسعى إلى تأمين رهاناتها. ونتيجة لهذا فإن الولايات المتحدة لديها الفرصة للعمل بشكل أكثر دقة بما يتفق مع مصالحها الخاصة. إن تقديم قدر أقل من الزعامة يسمح للولايات المتحدة بوضع تكاليف كل فرصة على الميزان قبل اتخاذ أي قرار، كما يسمح لها هذا باختيار القضايا والظروف التي تناسبها. وفي هذه البيئة فإن التدخل العسكري في ليبيا لا يفرض نفس الشيء في حالة سوريا.

ويتبقى أن نرى مدى استفادة الولايات المتحدة من هذه الفرص. والحق أن المزايا التي تتمتع بها الولايات المتحدة في الأمد القريب تشكل العقبة الأكبر أمام مستقبلها في الأمد البعيد. ولنطلق على هذا "لعنة الملاذ لآمن": فطالما ظلت الولايات المتحدة بمثابة الميناء الأكثر أماناً في أي عاصفة، فإنها لن تواجه أية ضغوط مباشرة قد تحملها على معالجة نقاط ضعفها.

على سبيل المثال، على الرغم من كل الكتابات عن الدين الوطني الأميركي، فإن المستثمرين سوف يستمرون في إقراض الولايات المتحدة. ولكن في الأمد البعيد يتعين على صناع السياسات في الولايات المتحدة أن يحرزوا تقدماً ثابتاً في استعادة الثقة في صحة البلاد المالية من خلال خفض البرامج المقدسة سياسياً مثل الضمان الاجتماعي، والرعاية الطبية، والدفاع. وسوف يكون لزاماً على المسؤولين أن ينحوا جانباً الدوافع القصيرة الأمد والعقيدة الحزبية لتعزيز البنية الأساسية المتهالكة في أميركا، وإصلاح أنظمة التعليم والهجرة، والسعي إلى ضبط الأوضاع المالية في الأمد البعيد.

إن المزايا التي تتمتع بها الولايات المتحدة في عالم مجموعة الصفر تمنحها الفرصة للاستثمار في المستقبل. ولكن بالتحوط ضد المخاطر المفجعة فإن نفس المزايا من شأنها أن تسمح للولايات المتحدة بالمماطلة. يتعين على الساسة الأميركيين أن يدركوا واقع مجموعة الصفر الجديد وأن يعملوا على إعادة بناء مصادرة القوة المحلية لأميركا، حتى ولو بشكل تدريجي. وإذا فعلوا هذا فإن الولايات المتحدة سوف تتمتع بالقدر الكافي من القوة والمرونة لصياغة النظام العالمي المقبل.

إن النظام السياسي الأميركي يعمل بشكل جيدة في الأزمات عادة. ولكن بفضل مزاياها المتبقية في عالم بلا زعامة، فإن الولايات المتحدة لن تضطر إلى الاعتماد على الأزمات للتعجيل بالعمل. وما عليها إلا أن تغتنم الفرصة التي تمنحها إياها لحظة مجموعة الصفر.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    I would like to add some observations.
    What has started in 2008 is just the beginning and we still only scratching the tip of the iceberg, we are not in a crisis but in a system failure.
    The present socio-economic system, based on constant growth, expansion, and constant self calculation on the expense of others, has become self destructive since it is unsustainable in a closed, finite system, and we have passed the tipping point in 2008.
    Whatever happened since is just a series of desperate cosmetic adjustments, simply deepening the problem instead of solving it, like pumping a terminally ill patient full of morphine.
    What is happening now in Europe will appear in the US and other parts of the world very soon due to the inevitable natural laws governing our global, integral system.
    Since the US is the epitome of our excessive, overproduction, over consumption lifestyle that is collapsing, they will feel it possibly more than any other country.
    On the other hand the foundations, and resources of the US are good, thus there is good base to start recovery from, but only if they understand what went wrong and how we need to adapt to our global, interdependent conditions in order to recover.
    And it will be difficult because the new attitude humans need in relation to each other is totally opposite to how Americans viewed themselves and world for decades.
    Even in this article the writer is already analyzing how the US can use the global troubles ahead for their own purposes and benefit without any thought of others. This is impossible in our interconnected system.
    From now on each and every one of us need to take the whole system into consideration before individual or even national self calculations.
    The motivation to do so against our present thinking would come from the full understanding of our 21st century global, integral network, and how we fit into this network.
    Thus we need to take into consideration the countless of objective scientific data already surrounding us regarding this.
    Otherwise we do not stand a chance.

Featured