Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أميركا وتنازلات التجارة الحرة

نيويورك ـ إن هذا القدر العجيب من عدم الاكتراث واللامبالاة الذي يستطيع المرء أن يستشعره في واشنطن من جانب الكونجرس الأميركي والرئيس باراك أوباما إزاء جولة الدوحة من محادثات التجارة العالمية، وما يبديه رجال الدولة في أماكن أخرى من انزعاج وقلق بسبب تكاسل المفاوضات ووهنها، يُعَد بمثابة الإشارة إلى نهاية عصر الزعامة الأميركية لعالم التجارة الحرة المتعددة الأطراف، والذي دام طيلة فترة ما بعد عام 1945.

والواقع أن شواهد القلق والانزعاج خارج الولايات المتحدة كانت واضحة للجميع لمدة سنة تقريبا. فقد استبد القلق بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالقدر الكافي لدفعهما إلى الانضمام إلى الرئيس التركي عبد الله غول والرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو في تعييني أنا وبيتر ساذرلاند كرئيسين مشاركين لمجموعة الخبراء التجاريين العالية المستوى في نوفمبر/تشرين الثاني 2010. ولقد عقدنا هيئة مهيبة في دافوس مع هؤلاء الزعماء، حيث أعربنا بمناسبة تقديم تقريرنا المؤقت عن دعمنا الكامل لإتمام جولة الدوحة. ولكننا لم نتلق أي استجابة من الحكومة الأميركية.

في شهر سبتمبر/أيلول، بادر رئيس الوزراء البريطاني السابق جوردون براون، ورئيس الوزراء الأسباني السابق فيليبي جونزاليس، والرئيس المكسيكي السابق ارنستو زيديلو، إلى تذكير زعماء مجموعة العشرين بأنهم في نوفمبر/تشرين الثاني 2009 في إطار أول اجتماع لهم في لندن أعربوا عن التزامهم بإتمام جولة الدوحة في عام 2010. وقبل أسبوعين، اجتمعت الأمم المتحدة مرة أخرى حول الأهداف الإنمائية للألفية. ويتعلق الهدف الثامن بين هذه الأهداف بأدوات مثل التجارة والمساعدات، والواقع أن الهدف 8أ يلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتطوير نظام تجاري ومالي أكثر انفتاحاً واستناداً إلى القانون، وأكثر قابلية للتوقع، ولا يقوم على التمييز.

ولكن في حين تبنت كل الدول تقريباً اتفاقيات التجارة الحرة التفضيلية اليوم، فإن الولايات المتحدة كنت الرائدة الحقيقية لهذا الانتشار. فمن الواضح أن أعضاء الكونجرس والرئيس باراك أوباما لديهم الكثير من الوقت لمناقشة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية مع كوريا الجنوبية، وكولومبيا، وبنما، فضلاً عن الشراكة الإقليمية عبر الباسيفيكي، ولكنهم لا يجدون الوقت الكافي للتفاوض على جولة الدوحة غير التمييزية، والتي باتت هزيلة واهنة في عامها العاشر من المحادثات.

من الملحوظ أن أوباما ذَكَر جولة الدوحة على الأقل في خطاب حالة الاتحاد في يناير/كانون الأول 2010، ولكنه لم يفعل في خطابه في عام 2011. وقد ألزم أوباما نفسه بتعزيز الاتفاقيات الثنائية المعلقة مع كولومبيا وغيرها من بلدان الأسواق الناشئة.

والواقع أن تراجع أوباما المؤسف عن دعم جولة الدوحة كان نتيجة لعدة عوامل ومغالطات. ولقد تم إبراز هذه العوامل في "خطاب مفتوح إلى أوباما" قمت شخصياً بتنظيمه وإطلاقه بتوقيع ما يقرب من خمسين من أكثر خبراء التجارة نفوذاً على مستوى العالم، ويحض الخطاب على تحول رئاسي في السياسة المنتهجة في التعامل مع جولة الدوحة.

لقد وقع الرئيس الأميركي أسيراً للنقابات العمالية، التي تصدق السرد الزائف بأن التجارة مع الدول الفقيرة تعمل على زيادة صفوف الفقراء في الولايات المتحدة بسبب إسهامها في دفع الأجور إلى الانخفاض. ولكن الكثير من الدلائل تؤكد في واقع الأمر السرد المنافس الذي يزعم أن التغير التكنولوجي السريع والموفر للعمالة هو الذي يفرض الضغوط على الأجور، وأن الواردات من السلع الرخيصة التي يعتمد إنتاجها على العمالة المكثفة والتي يستهلكها العمال الأميركيون تعمل على التعويض عن ذلك الضيق.

ومرة أخرى، صدَّقت جماعات الضغط في واشنطن ذلك الزعم السخيف الذي أطلقه بعض خبراء التجارة مثل فريد بيرجستين بأن المكاسب من جولة الدوحة، تبعاً لما آلت إليه الظروف الآن، لا تتجاوز 7 مليار دولار تافهة سنويا. بيد أن هذا التقدير يتجاهل الخسائر الأعظم كثيراً والتي قد تترتب على خذلان جولة الدوحة، على سبيل المثال بتقويض مصداقية منظمة التجارة العالمية باعتبارها الضامن الرئيسي للتجارة القائمة على القواعد، وبالتحول عن تحرير التجارة بالكامل إلى التحرير التمييزي بموجب الاتفاقيات الثنائية التفضيلية. والآن، يتعين على شخص ما أن يخبر أوباما بأن الواردات أيضاً تساعد في خلق فرص العمل، وأن تأكيده على تعزيز الصادرات الأميركية وحدها يُعَد استراتيجية اقتصادية رديئة.

والأهم من ذلك كله أن أوباما تأثر سلباً فيما يتصل بمسألة التجارة بفعل عدم كفاءة كبار زملائه في هذا السياق. فكانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على سبيل المثال من معارضي تحرير التجارة عندما خاضت انتخابات الرئاسة ضد أوباما، واقترحت "وقف" مفاوضات التجارة الحرة. كما أخطأت إلى حد كبير حين اعتبرت رجل الاقتصاد العظيم بول سامويلسون أحد أنصار الحماية، رغم أنه لم يقل أي شيء قد يشير إلى أمر كهذا. ولكنها لم تتراجع عن زعمها ذلك قط.

وعلى نحو مماثل، بعد أن أصبح وارن بافيت الآن بمثابة المستشار الاقتصادي الأكثر جدارة بالثقة في نظر أوباما، فمن الجدير بنا أن نتذكر أنه في عام 2003 قدم وصفة مدهشة مفادها أن أفضل وسيلة لتقليص العجز التجاري الأميركي تتلخص في عدم السماح باستيراد أي قدر من السلع يتجاوز قدرة صادراتها على تمويله. ولقد لفت سامويلسون المنزعج انتباهي إلى هذه الفكرة الغريبة. ولكن في حين تُعَد وصفة بافيت بفرض ضرائب أعلى على الأثرياء في أميركا أمراً مرغوباً تماما، فهل يدرك أوباما في النهاية أن أي عبقري في مجال ما قد يكون مغفلاً في مجال آخر؟

إن ما نحتاج إليه اليوم هو أن يكف كبار رجال الدولة على مستوى العالم عن ترددهم الشديد وأن يتوحدوا في دفع أوباما نحو خاتمة ناجحة لجولة الدوحة. وهذا وحده من شأنه أن يشكل الثِقَل الموازن للقوى التي تسحبه في الاتجاه الخاطئ. وحتى الآن لم يفت الأوان.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured