Friday, April 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

عصر الديمقراطية الاشتراكية القادم في أميركا

ترى كل دول العالم المتقدمة تقريباً أنها تتبع نظاماً ديمقراطياً اشتراكياً، وهي كذلك حقاً: أنظمة اقتصادية مختلطة تشرف عليها حكومات في غاية الضخامة تؤدي مجموعة عريضة من وظائف الرعاية والضمان الاجتماعي، وتزيل تكتلات الثروة الضخمة وتراكمات السلع من السوق. أما الولايات المتحدة فهي شيء مختلف. أهي حقاً مختلفة ؟ كيفما كانت الولايات المتحدة في الماضي، فسوف يكون لزاماً عليها في المستقبل أن تختار ما إذا كانت ستتحول إلى الديمقراطية الاشتراكية، وأن تحدد مدى هذا التحول.

ذات يوم، طبقاً للأساطير على الأقل، شهدت أميركاً قليلاً من التحرك الاجتماعي نحو الطبقات الأدنى. لكن الحقيقة هي العكس، فقبل الحرب الأهلية كان بوسعك أن تشرع في رحلة بالقطار حاملاً أمتعة خفيفة متجهاً إلى المنطقة الغربية، فيصادفك النجاح على الحدود، ثم ينتهي بك الحال رئيساً للولايات المتحدة ـ هذا إن كنت تدعى أبراهام لينكولن . أما في الجيل الذي أتى بعد الحرب العالمية الثانية، فقد كان بوسعك أن تضمن لنفسك وظيفة صناعية نقابية كعامل من ذوي الياقات الزرقاء، أو تتسلق إلى قمة بيروقراطية الإداريين من ذوي الياقات البيضاء، فيتوفر لك الأمان الوظيفي، ومرتبات أعلى نسبياً، وسلم وظيفي طويل مستقر.

كان هذا دوماً نصف الأسطورة فحسب. فقد كان السفر إلى المنطقة الغربية مكلفاً، ولم تكن العربات المغطاة رخيصة أيضاً. وحتى في الجيل الذي أتى بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كانت أقلية فقط من الأميركيين ـ أقلية بيضاء من الذكور ـ تتمكن من العثور على وظائف مجزية مستقرة في شركات صناعية نقابية ضخمة ذات رؤوس أموال كبيرة مثل جي إم (GM)، أو جي ئي (GE)، أو آيه تي&تي (AT&T).

ولكن حتى إن كان نصف هذه القصة من قبيل الأساطير، فقد كان نصفها الآخر حقيقة واقعة، وعلى الأخص في الأعوام التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. فمع الاستقلال إلى حد كبير عن قيود التعليم أو الأسرة، كان أولئك الأميركيون الذين يُـقَـدِرون الاستقرار والأمان يجدون ضالتهم على هيئة وظيفة " ذات مستقبل ". وحتى بالنسبة لأولئك الذين لم يحالفهم الحظ إلى هذا الحد، فقد كانت المجازفات الاقتصادية ضئيلة إلى حد كبير عادة: حيث بلغ معدل البطالة بين الرجال المتزوجين طيلة ستينيات القرن العشرين 2.7% في المتوسط، وكان العثور على وظيفة مسألة بسيطة نسبياً. وأثناء هذه الفترة ـ من 1948 حتى 1973 تقريباً ـ وجد علماء الاجتماع أن غالبية الأميركيين أصبحوا يعتبرون أنفسهم من الطبقة الوسطى وليسوا من الطبقة العاملة.

تمثل فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية نقطة مرجعية في الذاكرة الجمعية الأميركية، لكنها كانت فترة شاذة على أرجح الاحتمالات. ففي العقود التي تلت الحرب مباشرة، لم تكن المنافسة الأجنبية تشكل أي ضغط على الاقتصاد، وذلك نظراً لانعزال السوق الأميركية القارية عن الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. وفي ذات الوقت، فقد خلقت الحرب طلباً مغلقاً هائلاً على السلع التي تنتج على نطاق واسع مثل السيارات، والغسالات، والثلاجات، وماكينات جز العشب، وأجهزة التلفاز، وما إلى ذلك.

ولقد بدأت سياسة الحكومة آنذاك ببرنامج عسكري مستديم للإنفاق وبرامج البحوث والتنمية، ثم استمرت هذه السياسة عبر برامج ضخمة للأشغال العامة والتخطيط العمراني الحضري، يدعمها برنامج إنشاء الطرق الفيدرالية السريعة وقروض تملك المنازل المدعمة من هيئة الإسكان الفيدرالية. وفي تلك الفترة وصلت المؤسسات التنظيمية الرقابية والقواعد السلوكية، التي تأصلت من خلال برامج التنشيط الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي التي وضعها روزفلت (New Deal) وتطورت أثناء الحرب العالمية الثانية، وصلت إلى كامل قوتها: الضمان الاجتماعي، ونظام خاص بعلاقات العمل النقابي، وتنظيمات السوق.

ولقد كانت ظروف الاقتصاد الشامل المواتية، وغياب المنافسة الأجنبية، ونظام المساندة الحكومية، وتوسع القطاع الخاص في توفير السبل التي كانت قد تعتبر في أوروبا نظاماً عاماً للضمان الاجتماعي، كل هذا مجتمعاً منح أميركا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية العديد من فوائد الديمقراطية الاشتراكية دون أن تتحمل تكاليف هذه الفوائد. ولم يرزح الاقتصاد تحت ثقل الإعانات المالية الضخمة أو الضرائب المرتفعة. ولم يضطر الأميركيون ـ على الأقل الذكور من ذوي البشرة البيضاء ـ للقلق بشأن الموازنات والتسويات بين عنصري الأمن وتوفر الفرصة، وذلك لأن أميركا وفرت مزايا العنصرين. ولقد حلت رأسمالية الرعاية الاجتماعية التي وفرتها الشركات محل ما كان قد يعتبر في أوروبا ديمقراطية اشتراكية حكومية.

وعلى هذا فقد كانت أميركا مكاناً متميزاً ذا خصوصية. فقد حصلت على كعكتها والتهمتها أيضاً: وكانت هذه الكعكة عبارة عن تركيبة مؤلفة من الأمان، وتوفر الفرص، والمغامرة التجارية. آنذاك بدا الأمر وكأن هذا هو الترتيب الطبيعي للأمور. ومن هنا، فلم تكن هناك حاجة ملحة تدعو إلى تأسيس ديمقراطية اجتماعية تكفلها الحكومة: فلماذا تزعج الحكومة نفسها؟ وماذا لهذه الديمقراطية الاجتماعية أن تضيف؟

أما الآن فقد اختلفت الأمور تمام الاختلاف. فلم يعد صاحب العمل الأميركي العادي كشركة جنرال موتورز (General Motors). بل أصبح سوق البورصة في وال مارت هو صاحب العمل. وأصبحت الشركات الخاصة تقدم للعاملين بها أقل القليل في هيئة معاشات تقاعد ذات فوائد محددة، وتأمين صحي، وأشكال أخرى من التأمين ضد المخاطر الاقتصادية التي تزخر بها الحياة.

لقد أدى التفاوت الحاد المتصاعد في الدخول إلى تفاقم مخاطر لعبة الاقتصاد. والحكومة التي تعجز عن موازنة مواردها المالية لا يمكن الاعتماد عليها في توفير الاستقرار لعناصر الاقتصاد الشامل. والحقيقة أن بول فولكر الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يرى أن الولايات المتحدة عرضة للخطر فيما يتصل بالاقتصاد الشامل، حيث تبلغ احتمالات تعرض الدولار لأزمة عميقة تستمر لعدة أعوام قادمة، نسبة 75%.

من المنتظر أن يشهد الجيل القادم تدنياً اجتماعياً هائلاً للعديد من الأميركيين. وإن النزاعات السياسية التي ستتولد عن هذا ستقرر ما إذا كانت أميركا ستتحرك باتجاه نموذج الديمقراطية الاشتراكية الذي تتبناه الدول المتقدمة، أو ما إذا كانت ستجد وسيلة ما لقبول وتسويغ وجودها كدولة تواجه مخاطر اقتصادية بالغة وانقسامات عميقة ناجمة عن الدخل والثروة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured