حتمية الديمقراطية في الصين
فرانشيسكو جيافاتزي
منذ خمسة عشر عاماً، كان فانج هونجين يعرب عن احتجاجه في ميدان السلام السماوي. ومنذ بضعة أعوام كان يدير واحداً من أكثر البرامج التلفزيونية شهرة في الصين، حيث كان يقيس كل أسبوع مدى تساهل السلطات. واليوم يدير " دراجون تي في "، وهي المحطة الرائدة في شنغهاي، والإعلانات تصوره معلقاً من ناطحات السحاب بالمدينة.
تنتمي هيو شولي إلى نفس الجيل. وهي الصحفية التي تسميها مجلة إيكونوميست " أخطر امرأة في الصين ". ولقد انتقلت هيو من عملها الأول مع صحافة الحزب إلى رئاسة تحرير مجلة كايجنج ، وهي مجلة تتعامل مع عالم الأعمال والتجارة وتنشر تحقيقات حول الفساد وتفضح رجال الأعمال والمسئولين الحكوميين الفاسدين.
ولكن من الخطأ أن نفسر هذه التجارب مع الصحافة الحرة باعتبارها إشارات إلى أن الديمقراطية في الصين باتت قريبة. فالحزب يسمح لمجلة كايجنج بكشف الفساد لأن هذا يساعده في وضع حد لأخطر مرض تعاني منه الصين. يقول يونجتو لونج ، وهو أحد المفاوضين عن الصين لدى منظمة التجارة العالمية : " إن أول الحقوق المدنية ينبع من الفقر ". ثم يضيف " خلال خمسة عشر عاماً نجحنا في انتشال 200 مليون مواطن من الفقر؛ وأصبح بوسع 700 مليون صيني اليوم الاستفادة من خدمة التيار الكهربائي، وهي رفاهية لم تكن معروفة منذ خمسة عشر عاماً. لذا فلابد وأن يكون النمو على قمة أولوياتنا، حيث أن كل ما عدا ذلك هو بصراحة أقل أهمية ."
لكن النمو بهذا المفهوم لا يعني في الواقع سوى انتشال الناس من الفقر. منذ خمسة وعشرين عاماً كان المجتمع الصيني ينعم بمستوى من العدالة الاجتماعية أفضل مما نراه في السويد اليوم. أما الآن فقد أصبح التفاوت هائلاً بين المدينة والمناطق الريفية، وأيضاً بين الأقاليم الغربية وتلك التي تقع على المحيط الهادئ. كما نجد هذا التفاوت أيضاً داخل المدن التي تجتذب دفعات متواصلة من الفلاحين السابقين الذين يبحثون عن عمل في المدينة. في الحقيقة، لقد أصبح توزيع الدخل في الصين اليوم يبدو أقرب إلى مثيله في البرازيل وليس السويد.
لكن المزيد من التفاوت يعني أيضاً المزيد من الفُرَص: فما زال من أصعب الأمور في الصين اليوم أن يصبح المرء ثرياً، لكن هذا لم يعد أمراً مستحيلاً ـ وما عليك لكي تتأكد من هذا إلا أن تدخل إلى إحدى الحانات في وسط مدينة شنغهاي. قد يكون التفاوت بين الناس مقبولاً، ولكن ليس إذا كان هذا التفاوت ثمرة للفساد. وحتى الآن ما زال الفساد يُشَكِل أخطر المشاكل الاجتماعية في الصين، وهي مشكلة أثبت الحزب عجزه عن استئصالها، على الرغم من حالات الفساد التي تفضحها مجلة كايجنج ، وعلى الرغم من عقوبة الإعدام.
هل تستطيع الصين حقاً أن تنجح بدون الديمقراطية؟ منذ بضعة أعوام، عارض فريد زكريا ، الذي كان آنذاك رئيس تحرير جريدة " فورين أفيرز " Foreign Affairs الأولوية التي عادة ما تُمْنح للديمقراطية بتعريفها البسيط الذي يتلخص في إمكانية اختيار الزعماء السياسيين من خلال انتخابات حرة. فالعالم، كما يقول، عامر بالديمقراطيات التي تنتهك حقوق الإنسان على نحو منتظم. ثم يضيف فريد زكريا: " إن الانتخابات عديمة القيمة إذا ما أقدمت الحكومات التي انتخبت بشكل ديمقراطي على تقييد حرية الصحافة واستقلال القضاء ".
وتؤكد إحدى الأساتذة من جامعة تسينجهاو ببكين نفس الرأي الذي ذهب إليه فريد زكريا حين تقول: " من المؤكد أن شنغهاي تنعم بحرية أكثر من تلك التي تنعم بها موسكو ". وربما كانت على حق، إلا أن الهند تُذَكِرنا بأن الانتخابات قد تُشَكِل أحياناً آلية قوية وفعالة لتصحيح المسار الذي اتخذته دولة ما. ويشهد اقتصاد الهند حالياً نمواً يُقارِب نفس السرعة التي ينمو بها اقتصاد الصين، مع زيادة مشابهة في التفاوت الاجتماعي، والفساد إلى حد ما. لكن الناخبين في الهند قد انقلبوا ضد هذا النموذج. ونتيجة لهذا فمن المتوقع أن يتباطأ الاقتصاد في الهند.
من العسير أن نُجزِم ما إذا كان هذا أمراً طيباً أم سيئاً. إنه على الأرجح أمر سيء على المدى القصير، ولكن من يدري ماذا قد يحدث على المدى البعيد؟ القضية هنا أن مجرد توجيه أسئلة مثل " هل نتسبب في الكثير من عدم المساواة والتفاوت؟ "، أمر غير وارد في الصين. والخلاصة هي أنه كلما أفلت زمام مشكلة ما، جاءت محاولات الإصلاح متأخرة وقاسية. ولهذا السبب فلا تستطيع الصين أن تتجاهل مشكلة التحول إلى الديمقراطية.
الديمقراطية ليست مجرد آلية الغرض منها المساعدة في منع وقوع الأخطاء الاستراتيجية. فهناك سبب أكثر ارتباطاً بأرض الواقع يجعل الكثيرين، حتى داخل الحزب، يتصورون أن التحول إلى الديمقراطية أصبح أمراً محتوماً لا مفر منه: فقد بدأ الحزب ببساطة يفقد سيطرته على الدولة.
كان دانج زياوبنج آخر زعيم صيني يتمتع بسلطة لا ينازعه فيها أحد لاتخاذ القرار بشأن السياسة العامة. أما اليوم فإن المكتب السياسي للحزب يتألف من أكثر من عشرين عضواً وكل قرار يتطلب الإجماع. وتتطلب القرارات الأكثر أهمية إجماع عدد أكبر من الأصوات، قد يصل إلى ثلاثة آلاف. على سبيل المثال، يتلخص النشاط الرئيسي للحزب حالياً في إعداد مُسوّدات الوثائق التي ستحصل على الموافقة في مؤتمر الحزب التالي، الذي من المفترض أن يُعْقَد في خريف عام 2007.
إن الفرق في السرعة بين الخطى التي يسير بها الاقتصاد وبين الخطى التي سير بها الحزب تعني أن الدولة تسير بجهود خاصة. كما كان يحدث في الماضي حين كان الضعف يصيب إحدى الأسر الحاكمة، فتبادر الأقاليم المختلفة إلى اتخاذ القرارات وفق هواها. وحتى إبطاء الاقتصاد أمر عسير: فمع الافتقار إلى نظام مالي يتميز بالكفاءة، فلابد من التحكم في نمو الائتمان على نحو مباشرة من خلال المصارف. لكن مدير مكتب جوانجزو التابع لبنك التعمير الصيني، وهو أكبر بنوك الصين، يتشاور مع زعيم الحزب في إقليمه قبل تنفيذ التوجيهات التي يتلقاها من المكتب الرئيسي للبنك في بكين.
وفي ظل هذه المصاعب، فإن بعض أعضاء الحزب يعترفون بأنه لا يوجد سوي سبيل واحد للتقدم نحو الأمام: ألا وهو السماح لشخص واحد بتولي الزمام، بصرف النظر عن كيفية اختياره أو اختيارها، ولو حتى من خلال الانتخاب، شريطة أن تعود الفعالية إلى عملية اتخاذ القرار. وعلى هذا فإن تحول الصين إلى الديمقراطية قد يكون أقرب مما نتصور. ولكن إذا حدث هذا التحول، فهو لن يتم من خلال تجارب ديمقراطية على مستوى القاعدة في المدن والقرى، بل إنه سيكون على الأرجح تحولاً يعتمد على النُخبة حريصاً على الاحتفاظ للحكومة بسلطتها. هذا هو الظرف الوحيد الذي قد يدفع جيش التحرير الشعبي واللجنة العسكرية ذات القوة العاتية إلى قبول الديمقراطية.
فرانشيسكو جيافاتزي أستاذ علم الاقتصاد بجامعة بوتشوني بميلانو.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، يوليو 2004.
ترجمة: مايسة كامل
Translated by: Maysa Kamel
You might also like to read more from فرانشيسكو جيافاتزي or return to our home page.
|
|

