Wednesday, September 17, 2014
0

محاكمة سوء الحكم في أفريقيا

لاهاي ـ بينما يركز العالم على تنصيب أول رئيس أسود لأميركا ويحتفل بعلامة بارزة على طريق النضال المستمر في سبيل المساواة العِـرقية، فإن التطورات الأخيرة على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي تشكل تقدماً ملموساً لحملة عالمية تهدف إلى وضع حدٍ للحصانة التي يتمتع بها مرتكبو الجرائم الجماعية.

في غضون الأيام المقبلة، سوف يقرر قضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ما إذا كان عليهم إصدار أمر بالقبض على الرئيس السوداني عمر البشير بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. وفي السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني سوف تبدأ المحكمة الجنائية الدولية أول محاكمة لها ـ لأمير الحرب الكونغولي السابق توماس لوبانغا دييلو .

الحقيقة أن أياً من الحدثين لا يشكل أهمية عظمى في حد ذاته، إلا أن تزامن وقوع الحدثين يعني أن نظاماً جديداً للعدالة الدولية بدأ في العمل. وبهذا تم إبلاغ قادة الحكومات وزعماء المتمردين في مختلف أنحاء العالم بأن السلوك الإجرامي لن يمر بلا حساب بعد الآن.

رغم أن الإدانة التي باتت غير مؤكدة للرئيس البشير أثارت الاحتجاجات في الخرطوم، فإن لا أحد يتوقع مثوله أمام المحكمة قريباً. أما عن لوبانغا فهو واحد من العديد الذين استخدموا المدنيين في الكونغو كبيادق في لعبة الحرب التي حصدت أرواح خمسة ملايين إنسان أثناء العقد الأخير. ورغم خطورة الاتهامات الموجهة إلى لوبانغا ـ تجنيد الأطفال كمقاتلين ـ إلا أنها لا تكاد تغطي النطاق الكامل للانتهاكات التي ارتُـكِـبَت.

بعد مرور خمسة أعوام منذ بدأت أول محكمة جنائية دولية دائمة عملها، فها هي ذي تترك بصمتها. فقد فتحت المحكمة الجنائية الدولية أربعة تحقيقات نشطة، وأصدرت لائحات اتهام عامة ضد اثني عشر شخصاً، ونجحت حتى الآن في وضع يديها على أربعة منهم والتحفظ عليهم.

ومع ذلك فقد تعرضت المحكمة للانتقادات الشديدة بسبب ثلاثة من أوجه القصور المزعومة.

أولاً، يزعم البعض أن المحكمة الجنائية الدولية تسببت في عرقلة الجهود الرامية إلى تأمين السلام بإقحامها لنفسها في الصراعات الدائرة. ولكن الحقائق والوقائع على الأرض لا تدل على ذلك. ففي شمال أوغندا، ساعدت الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية إلى قادة متمردي "جيش الرب للمقاومة" في إنهاء سنوات من الاقتتال الوحشي، وأدت إلى تهميش زعيم جيش الرب للمقاومة جوزيف كوني .

وعلى نحو مماثل، في منطقة دارفور بالسودان، لم تكن هناك عملية سلام حقيقية لتعرقلها المحكمة، في الوقت الذي تتواصل التقارير عن هجمات ضد المدنيين، حتى بعد أن قرر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إحالة المسألة إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2005. وحتى رغم ذلك فإن الطلب الذي تقدم به مسؤول الادعاء لدى المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار أمر بالقبض على البشير ـ والذي أعلِن عنه في شهر يوليو/تموز الماضي ـ لم يسفر حتى الآن، وخلافاً للمخاوف التي أثيرت، عن فرض تدابير صارمة على المنظمات الإنسانية من جانب الحكومة السودانية. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فربما ساعد ذلك في التعجيل بإلقاء القبض على أحد المتهمين من المستوى الأدنى لارتكابه جرائم في دارفور. ونستطيع أن نقول باختصار إن المزيد من القانون، وليس الإقلال منه، هو المطلوب للمساعدة في منع العنف.

ثانياً، يقال إن المحكمة الجنائية الدولية سمحت لنفسها بالتحول إلى أداة بين أيدي القيادات السياسية الوطنية. والحقيقة أن إحالة ثلاث من القضايا الأربع النشطة من جانب الحكومات الوطنية ـ إلى جانب أنه في كل من هذه الحالات تم توجيه الاتهام إما إلى مسلحين متمردين أو معارضين للحكومة حتى الآن ـ كانت سبباً في تأكيد هذا التصور.

إن الإبحار عبر هذا النوع من التفاعل بين القانون والسياسة ربما يشكل التحدي الأعظم في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية. فمن ناحية، كثيراً ما تؤدي الإجراءات التي تتخذها الحكومة إلى عواقب سياسية: فاتهام زعيم جيش متمرد قد يُـرى باعتباره انحيازاً إلى أحد أطراف الصراع، رغم أن الأسس التي يقوم عليها ذلك الاتهام قد تكون قوية. ومن ناحية أخرى، لا تستطيع المحكمة أن تتهم ـ أو تمتنع عن اتهام ـ أحد كبار القادة السياسيين أو العسكريين المسؤولين عن ارتكاب جرائم خطيرة لمجرد رغبتها في تجنب عواقب سياسية سلبية. وليس من اللائق أيضاً، حين يتفاوت حجم وثِـقَل الجرائم من الناحية المادية، أن توجه الاتهام إلى كافة أطراف الصراع من أجل الحفاظ على شعور زائف بالمساواة.

ويعكس هذان المأخذان مأخذاً ثالثاً: وهو يتلخص في عدم الارتياح إزاء التركيز الهائل من جانب المحكمة على أفريقيا. فيزعم البعض أن هذا يشكل مثالاً آخر للمؤسسات الغربية التي تطبق على أفريقيا المبادئ التي لا تطبقها على نفسها. والحقيقة أن التاريخ الطويل من استغلال أفريقيا يفرض علينا ألا نستبعد ذلك المأخذ من حساباتنا.

بيد أن أفريقيا تشهد العديد من أسوأ الصراعات على مستوى العالم. والمحكمة الجنائية الدولية لا تشكل هيئة أجنبية. فقد صدقت حكومات ثلاثين دولة أفريقية على النظام القانوني المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، والعديد من قضاة المحكمة الثمانية عشر قادمون من أفريقيا، ويصدق نفس الشيء على قسم كبير من موظفيها. ومع ذلك فلا ينبغي للمحكمة أن تتردد في العمل خارج أفريقيا حين يشتمل الأمر على أعمال وحشية جماعية.

إن تجارب محاكم جرائم الحرب الأخرى تشير إلى أن التساؤلات بشأن الانحياز السياسي قد تستغرق أعواماً حتى يصبح في الإمكان التغلب عليها. ولن يتسنى للمحكمة الجنائية الدولية أن تولِّد الدعم الواسع والدائم إلا بإثبات كفاءتها المهنية في أدائها لعملها، واستعدادها لمساءلة شخصيات حكومية كبيرة كلما اقتضى الأمر.

بمرور الوقت، ينبغي لمثال المحكمة الجنائية الدولية أن يساعد في تعزيز الملاحقات القضائية الأكثر فعالية على المستويين الوطني والإقليمي للجرائم الخطيرة مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. وفي الوقت الحالي تستطيع المحكمة أن تواجه المتشككين بالحرص على المزيد من الشفافية في شرح تحركاتها وقراراتها على نحو منتظم للرأي العام العالمي الذي لابد وأن تكون مسؤولة أمامه في نهاية المطاف.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured