Thursday, October 23, 2014
0

أفريقيا ورحلة البحث عن القوة

لماذا تظل أفريقيا فقيرة؟ الحروب الأهلية والمجاعات والأمراض وميراث الاستعمار ـ كل مما سبق يُشَكِل سبباً معقولاً للفقر الـمُدْقِع الذي تعاني منه القارة والتأخر الاقتصادي. ولكن هناك سبب آخر، ربما كان مرتبطاً على نحو ما بتلك الأسباب السابقة، يلعب دوراً جوهرياً في تعجيز وتحجيم التطور: ألا وهو الافتقار إلى مصادر الطاقة الحديثة.

حتى الآن ما يزال استغلال الإمكانيات الهائلة لقارة أفريقيا في مجال الطاقة أقل مما ينبغي. كان هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي توصل إليه تقرير 2003/2004 الاقتصادي عن قارة أفريقيا، والذي نشرته منظمة التعاون الدولي والتنمية مؤخراً. فبينما تستطيع نصف دول أفريقيا تقريباً، والتي يبلغ عددها 53 دولة، أن تنتج الطاقة الكهربائية بقوة الرياح، فإن استغلال هذه الطاقة الكامنة لم يتجاوز 7%، وذلك بسبب رداءة البنية الأساسية وارتفاع تكاليف الاستثمارات الأولية.

وعلاوة على ذلك، فعلى الرغم من الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة الشمسية المتوفرة في قارة أفريقيا، إلا أنها تساهم بنسبة 1.3% فقط من المرافق العاملة بالطاقة الشمسية على مستوى العالم، وحتى الآن لم تبدأ سوى أربع من دولها في استغلال مصادر الطاقة الحرارية الأرضية. كما أن الدول الإفريقية لا تستهلك محلياً سوى الرُبع من إجمالي إنتاجها من مصادر الطاقة الحفرية ـ النفط في المقام الأول.

كانت التنمية المحدودة في مجالات إنتاج الطاقة في أفريقيا سبباً في انخفاض استخدام مصادر الطاقة الحديثة إلى أدنى المستويات. فإن أكثر من ثلاثة أرباع الأفارقة في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى لا تمتد إليهم خدمة التيار الكهربي، مقارنة بما يقل عن 14% من سكان أميركا اللاتينية، وكذلك سكان شرق آسيا. ونتيجة لهذا فإن أغلب الأفارقة يستخدمون المخلفات الحيوانية والزراعية والحطب لأغراض الإضاءة والطهي والتدفئة.

وكثيراً ما لا تجد الأسر في المناطق القروية وشبه القروية بديلاً عن استغلال ما يرون أنه مصدر مجاني للطاقة. ولكن مع النمو السكاني وزيادة الحاجة إلى الطاقة، تُصبِح أنظمة الحياة البيئية الهشة مُهَدّدة. وعلى هذا فإن الاستغناء عن المصادر الحيوية للطاقة واللجوء إلى مصادر الطاقة الأقل تدميراً بات من الضرورات الـمُلِحّة.

من الواضح أن الدول الإفريقية، بمساعدة شركاء التنمية، تحتاج إلى تنمية الإمكانيات الهائلة للقارة في مجال الطاقة كجزء مـُكَمِّل للجهود التي تبذلها من أجل حث النمو الاقتصادي وتقليص الفقر. ومع التحسينات في إمدادات الطاقة تأتي العديد من الآثار المفيدة. فإن إضاءة المرافق العامة والبيوت، وحفظ الأطعمة بالتبريد، وكذلك حفظ الأدوية والمصل واللقاح، والتدفئة والصحة العامة اللائقة، كل ذلك يساعد على تحسين الظروف المعيشية للسكان. وإن زيادة إمدادات الطاقة وتحسين جودتها من الأمور التي تؤدي إلى زيادة الإنتاج من خلال استخدام سُبل الاتصال المستحدثة، والإنتاجية الـمُحسّنة، وتوفير بيئة أفضل للأعمال والاستثمار.

كما أن الإمدادات الآمنة من الطاقة تؤدي على نحو هائل إلى تعزيز فُرَص التعليم وإمكانية التوصل إلى المعلومات. وبالتالي فإن المواطنين الأكثر علماً واطلاعاً يساهمون بأعداد أكبر وإلى درجة أعظم في عملية اتخاذ القرار في بلادهم. وبهذا تصبح المؤسسات أكثر ديمقراطية والحكومات أكثر شفافية وإحساساً بالمسئولية.

ولقد سَعَت بعض الدول إلى تضييق الفجوة بين الإمكانيات المتوفرة لديها من الطاقة وبين افتقار شعوبها إلى الطاقة. ففي القليل من الدول، أدت مساهمة القطاع الخاص في شركات الكهرباء، مقترنة باستحداث جهات رقابية مستقلة جديدة، إلى توليد الطاقة بقدرات أكبر وأعلى من حيث الكفاءة، كما أدت إلى إيجاد المزيد من فرص العمل، وإلى مضاعفة عدد المستفيدين من خدمة التيار الكهربي.

لقد تحسنت خدمة إدخال التيار الكهربي إلى المناطق الريفية الفقيرة في جنوب أفريقيا وغانا من خلال استحداث جهات مستقلة مسئولة عن تنفيذ خطط كهربة الريف. ومن الضروري أن يتبنى عدد أكبر من الدول سياسات مشابهة من أجل تمكينها من مواجهة تحديات الطاقة بشكل أكثر فعالية.

إنه لمن الضروري أيضاً توجيه المزيد من الاهتمام إلى مبادرات الطاقة الإقليمية والمبادرات بين الأقاليم المختلفة، والتي من شأنها أن تعمل على تمكين دول المنطقة من الاستخدام الأكثر ترشيداً للتوزيع غير المتكافئ لمصادر الطاقة بين الدول. كما أن هذه الإصلاحات تصب أيضاً في مصلحة المستهلكين، حيث تؤدي إلى تخفيض التكاليف وتحسين كفاءة الخدمات. وإن العمل في إطار استراتيجية متكاملة مرتبطة بالسياسات الوطنية للتنمية على مستوى القارة، سوف يمثل شوطاً كبيراً تقطعه القارة في التعامل مع هذه الضرورة المهمة.

ويعمل مشروع الشراكة الجديدة من أجل أفريقيا على تعزيز هذا المفهوم. فلقد بادر رؤساء الدول المشاركة في مشروع الشراكة الجديدة من أجل أفريقيا، من خلال لجنته التنفيذية، إلى مطالبة بنك التنمية الإفريقي بتولي دور الريادة في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية في المنطقة (بما في ذلك النقل والطاقة والمياه إلى آخره)، ووضع المعايير المصرفية والتمويلية لهذه المشروعات.

ولقد بادر بنك التنمية الإفريقي إلى وضع خطة عمل قصيرة الأجل كجزء من العمل في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية في المنطقة. ولقد تم الإعداد للكثير من المشروعات، بعضها في قطاع الطاقة، أو يتم الإعداد لها الآن. كما أعطى البنك موافقته بالفعل على تمويل أربعة مشروعات. ومن الـمُقَدر أن تصل تكاليف المشاريع والبرامج المنصوص عليها في الخطة قصيرة الأجل إلى سبعة بلايين دولار أميركي. وعلاوة على هذا، فقد بدأ العمل في الإعداد لخطة ما بين متوسطة إلى طويلة الأجل، في تعاون وثيق مع اللجان الاقتصادية الإقليمية، وبالتعاون مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي.

وطبقاً لتقديرات التقرير الاقتصادي لإفريقيا ، فقد بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي لقارة أفريقيا نسبة 3.6% في عام 2003، في مقابل 2.8% في عام 2002. وتشير التوقعات لعام 2004 إلى احتمال استمرار معدلات النمو هذه في الازدياد على مدى العامين أو الثلاثة أعوام القادمة. ومع ذلك، فمن المعروف أن متوسط معدلات النمو لابد وأن يتراوح ما بين 6 إلى 8% إذا كان لإفريقيا أن تتقدم بشكل واضح على مسار تقليص الفقر. وإن المزيد من التنمية الـمُركزة واستغلال مصادر الطاقة في أفريقيا يمثل بالضرورة عنصراً في غاية الأهمية في إطار أي استراتيجية حقيقية تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي في أفريقيا.

ومع تَطَـلّع أفريقيا إلى المستقبل، فمن الضروري أن تمنح الأولوية العظمى لتنمية قدراتها الهائلة في مجال الطاقة ـ من خلال الجهود الدولية والمحلية. وفي الحقيقة، فإن تعزيز القدرات في مجال الطاقة سيمثل لإفريقيا أهمية عظمى إذا كان لها أن تنجح في كسر القيود وإطلاق العنان لإمكانيات القارة الاقتصادية والبشرية.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured