Thursday, October 23, 2014
0

نصر كبير لـ"أوروبا القديمة"

لعله كان لزاماً على إيطاليا أن تهزم فرنسا لكي تفوز بكأس العالم، لكن الفائز الحقيقي في النهاية هو "أوروبا القديمة" التي استهزأ بها دونالد رمسفيلد ذات يوم. فمن منا كان قد يتوقع أن تجري أحداث المباراة النهائية على بطولة كأس العالم لكرة القدم بين فرنسا وإيطاليا؟ يبدو الأمر وكأن الفريقين الوطنيين لـ"رَجُـلي أوروبا المريضين" قد شعرا بالتزامهما بتغيير صورة بلديهما أمام العالم.

ففي حالة إيطاليا، وفي أعقاب فضائح الفساد التي كادت تودي باتحاد كرة القدم الرئيسي في إيطاليا، كان على أفراد المنتخب الوطني أن يعيدوا تأهيل اللعبة في أعين مواطنيهم. ولكن من جانب أكثر عالمية، يبدو الأمر وكأن "أوروبا القديمة" قد قررت أن الوقت قد حان لكي تصحح المسار وتثبت للعالم أنها أكثر حيوية ونشاطاً من قوى العالم الناشئة.

لقد عادت أوروبا الآن وبكل قوة، في ظل التوازن العالمي الجديد الذي جعل من كرة القدم أكثر من مجرد لعبة رياضية. والحقيقة أن ما تجلى أمام أعيننا خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة كان عبارة عن نسخة حديثة ومصغرة من نظام توازن القوى الذي هيمن على أوروبا والعالم طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وإذا ما كانت كرة القدم، وذروة نشاطها الذي يتجسد في بطولة كأس العالم، قد أصبحت وكأنها دين عالمي لعصر عالمي، فإن هذا يرجع في المقام الأول إلى قدرتها، بصورة غير روحانية، على إشباع غرائز متضاربة في الطبيعة البشرية. إن كرة القدم تعظم الفرد وتمجد البطل، لكنها أيضاً تعد بمثابة احتفال بروح الفريق المتعاون. فهي قادرة، أكثر من أي نشاط جماعي آخر، على توجيه مسألة البحث عن الهوية والكيان التي باتت تهيمن على عصرنا هذا.

بفضل كأس العالم لكرة القدم أصبح المرء مواطناً عالمياً، يستمتع بمشهد غير عادي ومعه المليارات من ساكني "كرة القدم الأرضية". وحتى في واشنطن، التي وصلت إليها مع بداية البطولة، اسْـتُـقْـبِلت في المطار بشاشات تلفزيونية تعرض المباريات. وكانت البرامج ناطقة باللغة الإنجليزية، لكن الإعلانات كانت بالأسبانية. ففي مجال كرة القدم على الأقل، سنجد أن تأثير الجالية الأسبانية يعمل على تقريب الولايات المتحدة من أوروبا (بالطبع ليس من حيث مستوى أداء فريقها).

في ذات الوقت، وأثناء أحداث بطولة كأس العالم، لم يكن المشجعون عالميين فحسب؛ بل لقد اتسموا أيضاً بالتفرد، وتمكن كل منهم من التعبير عن اختلافه في إطار من الحصانة. ولكن مما يدعو للأسف أن هذا التعبير قد يأتي أحياناً في صورة عدوانية بل وبأسلوب عنصري في بعض الأحيان. ففي هذا العالم متعدد الهويات أصبح اختيار المرء لفريقه هو في الواقع جزءاً من تقريره لهويته.

من هذا المنطلق، نستطيع أن نقول إن بطولة كأس العالم لكرة القدم هذا العام لم تشهد انتصار الأمم الأوروبية فحسب ـ كانت فرق المربع الذهبي كلها أوروبية للمرة الأولى منذ عام 1982 ـ بل لقد شهدت أيضاً غياب أي لمحة من الحس الأوروبي. ففي بلدي فرنسا، كان من الواضح أن أغلب المؤيدين تحركهم دوافع أقرب إلى فترة ما بعد الاستعمارية منها إلى قضية الولاء الأوروبي. فقد كان الجمهور الفرنسي يميل إلى محاباة وتشجيع الفرق الإفريقية أكثر من تشجيعه للفرق المنتمية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، باستثناء المباريات التي شاركت فيها فرق أفريقية ضد فرنسا.

ولقد اندهشت من نفسي شخصياً أثناء مشاهدتي لمباراة كرواتيا ضد أستراليا في الدور الأول من البطولة، حين أدركت أن عواطفي كانت متجهة نحو الفريق الأسترالي، أياً كانت المعاني الضمنية وراء ذلك، علماً بأن العديد من لاعبي كرواتيا يلعبون في فرق أسترالية.

لا ينبغي لنا أن نخلط بين هذا البحث العميق عن الهوية وبين الاندفاع البسيط نحو القومية. فالحقيقة أكثر تعقيداً. ولا يرجع هذا فحسب إلى أن العديد من مدربي الفرق الوطنية، مثل الأيام الخوالي، هم في واقع الأمر من "المرتزقة الأجانب"، فقد تضمن "الحرس السويسري" لكأس هذا العام المدربين البرازيليين لفريقي اليابان والبرتغال، والمدرب السويدي لفريق إنجلترا، والمدرب الفرنسي لفريق تونس.

إن تفجر القومية المتغطرسة الذي شهده الكأس يخفي وراءه حقائق أكثر إيلاماً. فالحنين لم يعد كما كان فيما مضى. ففي عام 1998 حين فازت فرنسا بالكأس للمرة الأولى في تاريخها كانت الألوان الثلاثة للعلم الفرنسي (الأزرق، والأبيض، والأحمر) ترفرف إلى جانب ثلاثة ألون أخرى (الأسود، والأبيض، والقمحي أو لون بشرة الفرنسيين المولودين في فرنسا لآباء مهاجرين من شمال أفريقيا) تمثل علم الفريق الفرنسي. لكن هذه البراءة ضاعت الآن، فلم يعد من الممكن الاحتفال بانتصار النموذج الفرنسي للتكامل.

الحقيقة أنه بعد أحداث العنف التي شهدها العام الماضي، أصبح لدى الجاليات المهاجرة في فرنسا رسالة مختلفة تماماً: "بدوننا، ما كنتم لتبلغوا ما بلغتموه من نجاح في كأس العالم. أتظنون أنكم تستطيعون الاستمرار في نبذ المجتمعات التي أفرزت لكم نجومكم في كرة القدم؟".

منذ سياسة تنس الطاولة مع الصين، إلى الفريق الأوليمبي الألماني المتحد الذي شارك في المنافسة في عام 1990 قبل التوحيد الفعلي لشطري ألمانيا، كانت الرياضة تشكل دوماً صورة مسبقة من التطورات السياسية المستقبلية، ولقد أدرك الساسة في كل مكان من العالم مدى أهمية كأس العالم. وأصبح النجاح في كرة القدم جزءاً من "القوة الناعمة" للدول. فقد لا تكون لفرنسا نفس القوة العسكرية التي تتميز بها الولايات المتحدة، وقد لا تحقق معدلات النمو التي تشهدها الصين أو الهند، لكن منتخبها الوطني فاز ببطولة كأس العالم من قبل، ثم وصل ��ذا العام إلى المباراة النهائية، فارتفعت مكانته في أنظار المليارات من البشر في كل أنحاء العالم ـ بل وربما كان في ذلك إنقاذاً مؤقتاً لحكومة بلاده التي تفتقر إلى الشعبية.

لكن الرياضة من الممكن أيضاً أن تتحول إلى ستار زائف عملاق تختفي وراءه أنظمة بغيضة ترتكب أفعالاً شنيعة ـ على العكس تماماً من الروح التي تتسم بها الألعاب الأوليمبية وكأس العالم لكرة القدم. فبينما كان العالم يشاهد أحداث كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا، كانت كوريا الشمالية تختبر صواريخها بعيدة المدى، وكان الفلسطينيون من حركة حماس الحاكمة يشنون الهجمات على إسرائيل، التي استجابت على الفور باجتياح دموي لقطاع غزة.

لقد اشتملت بطولة كأس العالم على الدراما والإثارة، ولقد كانت بمثابة حلم، لكنها كانت أيضاً بمثابة "هروب عالمي من الواقع". وربما كان بوسع كرة القدم أن تفسر لنا ما يجري في العالم، لكنها تعجز عن تغييره أو تحسينه. فلقد عدنا الآن إلى الواقع على أية حال.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured