شيكاغو ــ تُرى إلى أي حال قد تنتهي أزمة منطقة اليورو في الأسابيع القليلة المقبلة؟ بقليل من الحظ قد تحظى إيطاليا قريباً بحكومة وطنية جديرة بالثقة، وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني سوف تحظى أسبانيا بحكومة جديدة تتمتع بصلاحيات تسمح لها بالتغيير، وسوف تبذل اليونان القدر الكافي من الجهود لتجنب تعكير صفو الأسواق. ولكن من غير الجائز أن نعتمد على أي من هذا.
ماذا يتعين علينا أن نفعل إذن؟ أولا، لابد من إعادة رسملة بنوك منطقة اليورو. وثانيا، لابد من إتاحة التمويل الكافي لتلبية احتياجات إيطاليا وأسبانيا على مدى العام المقبل أو نحو ذلك إذا نضب معين البلدين فيما يتصل بقدرتهما على الوصول إلى الأسواق. وثالثا، لابد من التعامل مع اليونان، الدولة الأكثر مرضاً في أوروبا، على النحو الذي يمنع انتشار العدوى إلى دول أخرى على أطراف منطقة اليورو.
وكل هذا يحتاج إلى تمويل ــ فقد تحتاج إعادة رسملة البنوك وحدها إلى مئات المليارات من اليورو (ولو أن هذه الاحتياجات يمكن تخفيفها بعض الشيء لو بدت الديون السيادية المستحقة على الدول الكبرى في منطقة اليورو أكثر صحة).
ولكن من غير المحتمل أن تخصص ألمانيا (وشمال أوروبا بشكل عام) المزيد من الأموال لصالح دول أخرى. والواقع أن الألمان يشعرون بالاستياء إزاء مطالبتهم بدعم الدول التي لا تبدي أي رغبة في التكيف أو التعديل ــ على النقيض من ألمانيا التي أصبحت قادرة على المنافسة لأنها تحملت سنوات من الألم: زيادات في الأجور المتدنية لاستيعاب العمال من ألمانيا الشرقية سابقاً وإصلاحات عميقة لسوق العمل ومعاشات التقاعد. والواقع أن عزوف الأغنياء اليونانيين عن سداد الضرائب المستحقة عليهم، أو عدم رغبة أعضاء البرلمان الإيطالي في خفض امتيازاتهم الخاصة، من الأمور التي تؤكد المخاوف الألمانية. ولكن في الوقت نفسه، كان أداء الساسة الألمان هزيلاً للغاية في شرح وعرض حجم المكاسب التي حصلوا عليها من اليورو للشعب الألماني.
ولكن هناك بصيص من الأمل يتمثل في استعداد أوروبا لاستخدام مرفق الاستقرار المالي الأوروبي بشكل إبداعي خلاق ــ باعتباره رأسمال أو تغطية لأول خسارة. فمن الواضح أن بعض أموال مرفق الاستقرار المالي الأوروبي لابد وأن تذهب لإعادة رسملة البنوك غير القادرة على جمع الأموال اللازمة من الأسواق. أما عن البقية، فمن الممكن استخدام المبالغ التي لم تخصص بالفعل للبلدان الطرفية لدعم اقتراض مبالغ يمكن إقراضها فيما بعد لإيطاليا وأسبانيا.
ولكن لا يوجد على الرغم من ذلك إجماع حول كيفية القيام بذلك. فالبعض يقترح تمكين البنك المركزي الأوروبي من الاستفادة من أموال مرفق الاستقرار المالي الأوروبي. وهذه في واقع الأمر وصفة للمتاعب. ذلك أن إعطاء البنك المركزي الأوروبي دوراً شبه مالي، حتى لو كان معزولاً إلى حد ما عن الخسائر، يهدد بتقويض مصداقيته. ففي حالة حصول إيطاليا على المساعدة فإن الرئيس القادم للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي الإيطالي سوف يتعرض للانتقادات بصرف النظر عن شدة احتياج إيطاليا. فضلاً عن ذلك فإن التمويل لابد وأن يكون مصحوباً بشروط، ولكن هذه المؤسسات لا تمتلك الخبرة اللازمة ولا تبتعد بالمسافة الكافية عن البلدان المعرضة للخطر، حتى يتسنى لها تطبيق وتنفيذ الشروط المناسبة.
وأخيرا، يعتمد كل من مرفق الاستقرار المالي الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي في نهاية المطاف على نفس موارد منطقة اليورو لاكتساب قوته المالية. وإذا بدأ الهلع في التمكن من الأسواق بشأن عجز الدول الكبرى في منطقة اليورو عن سداد ديونها، فقد تتشكك فيما إذا كانت حتى ألمانيا الراغبة تمتلك القدرة اللازمة لدعم مرفق الاستقرار المالي الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي مجتمعين. ولكن بعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن هذه المؤسسات لا تشكل مصدراً خارجياً للقوة جديراً بالثقة وغير تضخمي.
والواقع أن المشاكل التي تعاني منها منطقة اليورو قد تصبح قريباً أضخم من أن يتمكن أعضاؤها من معالجتها. والعالم أجمع لديه مصلحة في حل هذه المشاكل، ولديه مؤسسة قادرة على توجيه المساعدات: صندوق النقد الدولي. وبوسع صندوق النقد الدولي أن يبتكر أداة خاصة على غرار ترتيباته الجديدة للاقتراض، والتي يمكن تمويلها بطبقة الخسائر الأولى من جانب مرفق الاستقرار المالي الأوروبي، مع الاستعانة برأسمال صندوق النقد الدولي في تأليف طبقة ثانية.
وبوسع هذه الأداة الشبيهة بترتيبات الاقتراض الجديدة أن تقترض بقدر الحاجة من بلدان مثل الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن الاستفادة من الأسواق المالية. وهذا من شأنه أن يوفر خطوطاً ضخمة من الائتمان للبلدان التي تواجه مشكلة نقص السيولة، مثل إيطاليا، بموجب شروط تهدف إلى مساعدة مثل هذه البلدان على استئناف الاقتراض من الأسواق بتكاليف معقولة.
ويحتاج الأمر إلى أداة خاصة لأن المبالغ التي يجب أن تتاح تتجاوز إلى حد كبير ما قد تتمكن الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي من الوصول إليه عادة، ومن المنطقي أن تتحمل منطقة اليورو قسماً كبيراً من أي خسائر محتملة ما دامت تسعى إلى تأمين مثل هذه المبالغ لأعضائها. ومن ناحية أخرى، سوف تعمل الموارد الرأسمالية لدى الصندوق على دعم هذه الأداة في حالة تآكل احتياطي الخسارة الأولى المقدم من جانب منطقة اليورو؛ وبهذه الطريقة فإن السوق سوف تدرك إمكانية الاستعانة بقوة من خارج منطقة اليورو.
إن صندوق النقد الدولي ليس بالمؤسسة التي قد تبث في المتعاملين معها مشاعر الدفء والود. ولكنه في الوقت نفسه لا يلعب دور الواعظ الطائش الذي يبشر بالتقشف المالي كما يتهم أحيانا ــ ويتعين عليه أن يبدأ في أخذ زمام المبادرة في إدارة الأزمة، بدلاً من الوقوف في المؤخرة. إن منطقة اليورو تحتاج إلى تقييم مستقل من الخارج لكل تحرك ينبغي القيام به، والتنفيذ السريع قبل أن يفوت الأوان وقبل أن يصبح من المستحيل السيطرة على هروب الأموال من البنوك.
لا شك أن صندوق النقد الدولي غير قادر على التحرك من دون الحصول على الإذن من سادته، الدول الكبرى. ويتعين على منطقة اليورو أن تعمل على قمع أي شعور بالكرامة الجريحة، وأن تعترف بأنها في حاجة إلى المساعدة، وأن تسارع إلى توفير ما وعدت به بالفعل. كما يتعين على الولايات المتحدة أن تستمر في ممارسة الضغوط من أجل التوصل إلى حل. ويتعين على الأسواق الناشئة أيضاً أن تلعب دورها، بمجرد توفير بعض الضمانات لأموالها. ذلك أن هذه الأزمة لن تستبقي أحداً إذا تركت بلا حل.
أما عن اليونان، منشأ أزمة اليورو، فإن إعادة هيكلة ديونها تكاد تكون ضرورة حتمية. ولكن لابد أولاً من توفير هياكل التمويل المناسبة لإيطاليا وأسبانيا قبل الاستقرار على أي حل. ومن الجدير باليونان أن تخطو بعيداً عن حافة الهاوية بينما يتقدم كل من الأطراف الأخرى للاضطلاع بدوره.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.