Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

التعافي من أجل الجميع

نيويورك ـ على مدى العامين الماضيين، اختارت غالبية بلدان العالم توسيع إنفاقها العام في محاولة لحماية اقتصادها وشعوبها من تأثير الأزمة المالية العالمية. ولكن في عامنا هذا، ومع ظهور علامات تعافي الاقتصاد، تحولت البلدان المتقدمة سريعاً عن التحفيز  المالي إلى التقشف.

والآن تسير البلدان النامية أيضاً على نفس المسار نحو التقشف. وتظهر دراسة مسح أجرتها منظمة اليونيسيف مؤخراً على 126 دولة أن عدداً كبيراً من البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة من المتوقع أن تحد من إنفاقها العام في الفترة 2010-2011.

ويأتي هذا في توقيت سيئ، بعد أن ألزمت حكومات العالم نفسها بتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، مثل الحد من الفقر ومعدلات الوفاة بين حديثي الولادة، والتي تم الاتفاق عليها في شهر سبتمبر/أيلول الماضي في قمة الألفية للأمم المتحدة.

وبالنسبة لأغلب البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، فإن التعافي الاقتصادي الوليد يبدو هشاً ومتفاوتا. والواقع أن العديد من هذه البلدان تظل عُرضة لأسعار السلع المتقلبة، ونقاط ضعف النظام المالي، وانخفاض الطلب من الأسواق العالمية، والنقص في التمويل الخارجي، ومساعدات التنمية الأجنبية، والاستثمار.

والأهم من ذلك وفقاً لتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي، فإن الآثار الاجتماعية المترتبة على الأزمة المالية لا تزال محسوسة من حيث ارتفاع مستويات الجوع، والبطالة، والاضطرابات الاجتماعية. والواقع أن اجتماع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود بالأزمة المالية والاقتصادية أدى إلى تقليص القدرة الشرائية للأسر الفقيرة، فضلاً عن قدرتها على الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، وفرص العمل.

كما اضطرت الأسر الفقيرة فضلاً عن ذلك إلى خفض استهلاكها من الأغذية. وطبقاً لتقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة فإن ما يقرب من مليار شخص يعانون من الجوع وسوء التغذية. وبالإضافة إلى الملايين الذين انحدروا إلى الفقر في الفترة 2008-2009، فهناك 64 مليون شخص آخرين قد ينزلقوا إلى الفقر المدقع أثناء عام 2010 نتيجة للتأثيرات المركبة المستمرة للأزمة.

في ثمانينيات القرن العشرين، كانت برامج التكيف تلزم البلدان بخفض إنفاقها، بما في ذلك الإنفاق على التعليم والصحة والمياه والزراعة، وغير ذلك من القطاعات التي تشكل فارقاً كبيراً بالنسبة للأسر الفقيرة. وكما تساءل الرئيس التنزاني الراحل جوليوس نيريري علناً "فهل يتعين علينا أن نجوع أطفالنا حتى نتمكن من سداد ديوننا؟".

لقد ارتفعت معدلات وفيات الأطفال حديثي الولادة بين الفئات ذات الدخول المنخفضة في العديد من البلدان النامية، كما ارتفعت مستويات التفاوت. وعُرِفَت هذه الفترة "بالعقد الضائع". ولقد استجابت منظمة اليونيسيف بتفعيل مبدأ "التكيف بوجه إنساني"، والذي يرى أن الأطفال لابد وأن يتمتعوا بالحماية الكافية أثناء الأزمات الاقتصادية. وينادي هذا المبدأ بسياسات أكثر توسعاً في إدارة الاقتصاد الكلي بهدف توليد فرص العمل، واستثمارات القطاع العام بهدف خدمة الفقراء، وإنشاء أنظمة الحماية الاجتماعية.

وبعد مرور ثلاثين عاماً لا تزال نفس الرسالة صالحة للتطبيق. فالفقراء في البلدان النامية يضطرون مرة أخرى إلى تحمل أسوأ العواقب المترتبة على الأزمة التي لم يشاركوا بأي جزء في إحداثها. ومن الأهمية بمكان ألا يؤدي هذا إلى عقد آخر ضائع من التنمية، وألا تعاني الأسر الفقيرة ـ وخاصة الأطفال ـ كما حدث في الثمانينيات.

بيد أن احتمالات تكرار ما حدث في الثمانينيات مرتفعة للغاية. فقد وجد الاستطلاع الذي أجرته اليونيسيف على 126 دولة أن تدابير التكيف المشتركة بين ما يقرب من نصف البلدان التي تعمل على خفض الإنفاق العام تشتمل على خفض أجور القطاع  العام، وسحب إعانات دعم الغذاء، واستهداف وتقنين أنظمة الحماية الاجتماعية الهزيلة بالفعل.

وكثيراً ما يتم تبني تدابير التكيف هذه من دون أي دراسة متروية لأبعادها الاجتماعية. فكم عدد الأطفال الفقراء الذين سوف يعانون ـ أو يموتون ـ بسبب نقص الغذاء والرعاية الصحية؟ وكم عدد الأطفال الذين سوف يتسربون من التعليم بسبب غياب المعلمين نتيجة لانخفاض أجورهم، أو ببساطة لأن الأطفال الفقراء لابد وأن يعملوا لتكميل دخول أسرهم؟

إن خفض الإنفاق العام من شأنه أن يزيد من مخاطر التعافي الذي يميز بين الفقراء والأغنياء، وبالتالي يغذي قدراً أعظم من التفاوت في البلدان النامية. والانكماش المالي السابق لأوانه و/أو إلغاء تدابير مواجهة التقلبات الدورية يهدد الدعم العام الذي يشكل ضرورة أساسية لتعزيز التعافي بين هؤلاء الأكثر تضرراً من الأزمة.

ومع انحسار الركود العالمي، فإن الضرورة الأكثر إلحاحا تتلخص في ضمان التعافي للجميع ـ التعافي الشامل الذي يعمل على توسيع فرص العمل، وتقليص فجوة التفاوت، ودعم عملية التنمية.

إن كل هذه الغايات قابلة للتحقيق. وهي تتطلب أن تكون المساعدات المقدمة إلى البلدان الفقيرة مستدامة؛ وأن تركز الحكومات على سياسات الاقتصاد الكلي التوسعية التي تدعم تشغيل العمالة والأنشطة الاقتصادية الواسعة النطاق؛ وأن يتم تقديم المخططات الجديدة بحيث تمتد إلى الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية للفقراء؛ وأن تحصل الاستثمارات في التعليم، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، والزراعة، والأمن الغذائي، على الدعم الذي تحتاج إليه.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.