Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

استراتيجية البركة في القليل لدعم النمو في أفريقيا

ريكيافيك ـ إذا كان للبلدان الأفريقية أن تتبنى سياسة واحدة لدعم النمو الاقتصادي وتحسين استقرار الاقتصاد الشامل فيتعين عليها أن تعمل على تقليص عدد العملات المتداولة في مختلف أنحاء القارة في أسرع وقت ممكن. إن تحقيق هذه الغاية من شأنه في الأرجح أن يشجع التجارة، كما حدث في أوروبا مع إصدار اليورو، وقد يساعد هذا أيضاً في احتواء التضخم ـ وهو أمر مفيد للنمو دوماً ـ من خلال فرض ضوابط دولية على السياسة النقدية.

يسعى الاتحاد الأفريقي الآن إلى تجميع كافة عملات القارة في عملة موحدة بحلول عام 2028. وفي الوقت نفسه هناك العديد من الاتحادات النقدية الإقليمية تحت التأسيس، هذا بالإضافة إلى الاتحادين النقديين القائمين بالفعل، أحدهما بشكل شرعي والآخر بحكم الواقع.

إن أول وأقدم هذه الاتحادات يتألف من البلدان الأربعة عشر التي تنتمي إلى المجموعة الاقتصادية والنقدية لأفريقيا الوسطى والاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، والتي تستخدم جميعها فرنك الجمعية المالية الأفريقية ( CFA ). ويتألف ثاني هذه الاتحادات من ليسوتو، وناميبيا، وسوازيلاند، والآن زيمبابوي، وجميع هذه البلدان تستخدم عملة الراند الجنوب أفريقية. وباستثناء زيمبابوي، التي تحولت حديثاً وبشكل غير كامل، فإن البلدان الثمانية عشر المنتمية إلى الاتحادين النقديين استفادت من انخفاض معدلات التضخم أكثر من بقية بلدان أفريقيا.

ولكي نتعرف على السبب فلنتأمل حال نيجيريا. فقبل الاستقلال كانت عملة نيجيريا القانونية هي الجنية الإسترليني. ومع تأسيس البنك المركزي النيجيري في عام 1959 صدَّر الجنية النيجيري. وآنذاك كانت قيمة الجنية النيجيري تعادل قيمة الجنية الإسترليني. ولقد ظل ذلك الترتيب قائماً حتى عام 1973، حين تبنت نيجيريا عملة جديدة، وهي النايرا. وظل سعر الصرف بلا تغيير: النايرا الواحدة تعادل جنيهاً إسترلينياً واحداً.

كان المقصود من العملة الجديدة تعزيز استقلال البلاد من خلال تمكين البنك المركزي من متابعة سياسة نقدية خاصة به. وكانت مسألة كرامة وطنية أيضاً. وكان التفكير وراء هذا الترتيب الجديد هو أن السياسة النقدية المستقلة والمرنة من شأنها أن تخدم مصالح الأمة على نحو أفضل من سعر الصرف الثابت الذي كان يربط النايرا بالجنية الإسترليني.

ولكن إصدار عملة النايرا سرعان ما وضع نهاية للتكافؤ مع الجنية الإسترليني. وتجاوز الإنفاق الحكومي العائدات الفدرالية، رغم الارتفاع السريع الذي سجلته حصيلة العملات الأجنبية من صادرات النفط بعد عام 1970. وتم تمويل العجز في ميزانية الحكومة الفيدرالية عن طريق الاقتراض من الخارج والداخل، وبطبع العملة النقدية المحلية، الأمر الذي أدى إلى تضخم العملة الجديدة وانخفاض قيمتها. واليوم تعادل قيمة الجنية الإسترليني 220 نايرا نيجيرية، الأمر الذي يشير إلى أن متوسط انخفاض قيمة النايرا منذ عام 1973 كان حوالي 15% سنوياً.

كان ذلك الانخفاض ليصبح مبرراً لو تمكنت نيجيريا من استخدام عائدات النفط السهلة في تضييق الفجوة بين مستويات معيشة أهل نيجيريا البسطاء وبين هؤلاء الناس الذين يعيشون في بريطانيا. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث. والآن أصبحت القوة الشرائية لنصيب الفرد في دخل نيجيريا الوطني أقل بحوالي 50% نسبة إلى بريطانيا مقارنة بعام 1980.

وفي ضوء هذه التجربة، تخطط نيجريا الآن لإلغاء النايرا لصالح الدخول في اتحاد نقدي مع أربعة أو خمسة بلدان أخرى في غرب أفريقيا (غامبيا، وغانا، وغينيا، وسيراليون، وربما ليبريا). ولكن هذا الاتحاد النقدي المزمع، والذي كان من المفترض تأسيسه في عام 2009، أصبح الآن مجمداً.

ولكن لماذا؟ إن أصغر البلدان لا تظهر أي علامات خوف من أن تكتسحها نيجيريا، وهي الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المجموعة (حوالي 155 مليون من إجمالي 200 مليون نسمة، مجموع سكان البلدان الستة)، خاصة وأن البنك المركزي الجديد لغرب أفريقيا من المقرر أن يتخذ من مدينة أكرا عاصمة السنغال (24 مليون نسمة) مقراً لها. ورغم ذلك فإن آخرين ربما يخشون من تمييع سيادة بلدانهم حين يضطلع البنك المركزي الجديد للمنطقة النقدية لغرب أفريقيا ببعض المسؤوليات المرتبطة بصناعة القرار السياسي في البنوك المركزية الوطنية. ولكن هذا بطبيعة الحال الهدف الرئيسي من تأسيس الاتحادات النقدية.

بعد إنشاء المنطقة النقدية لغرب أفريقيا أخيراً، فإن عدد العملات في أفريقيا سوف يعادل حوالي نصف عدد البلدان. وحين تعود رابطة شرق أفريقيا بأعضائها الخمسة (بوروندي، وكينيا، ورواندا، وتانزانيا، وأوغندا) إلى الظهور كما هو مقرر، فإن عدد العملات سوف يسجل انخفاضاً جديداً.

إن الاعتقاد بأن العملات الوطنية السيادية، من خلال تمكين السياسات النقدية المستقلة والمرنة، تشكل  الوسيلة الأفضل لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية ـ وهي رؤية زعماء نيجيريا في فترة ما بعد الاستعمار ـ أصبح يشكل الآن فكرة عتيقة على نحو متزايد. والواقع أن منطق الكفاءة يملي علينا استخدام أقل عدد من العملات الأعظم قيمة (وهذا ما يطالب به المستمرون الأجانب الذين يخشون العملات الضعيفة المتقلبة).

الحقيقة أن نجاح الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو منذ إصدار اليورو في عام 1999 ترك انطباعاً قوياً في أفريقيا. وهنا نستطيع أن نعيد صياغة عبارة ونستون تشرشل الشهيرة فنقول: "إن العملات شأنها كشأن الديمقراطية: فالوسيلة الأفضل للحفاظ على سلامتها تتلخص في تقاسمها".

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured