Sunday, April 20, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أهي انطلاقة إلى السلام؟

يريفان ـ كانت الدعوة التي وجهها الرئيس الأرميني سيرج سركسيان مؤخراً إلى الرئيس التركي عبد الله غول لزيارة يريفان ليشاهد معه مباراة في كرة القدم بمثابة حدث تاريخي. فنظراً للعلاقات المتوترة بين البلدين منذ أمد بعيد، تشكل هذه الزيارة حدثاً غير عادي في كل الأحوال، ولكن حين نزيد على ذلك أنها تأتي بعد شهر واحد فقط من اندلاع المواجهة الروسية الجورجية، فهذا يعني أنها قد تطرح أملاً حقيقياً في تخفيف التوترات في إقليم القوقاز الملتهب.

لا شك أن بعض القضايا القديمة الشائكة تحدث انقساماً بين أرمينيا وتركيا. ولكن اللحظة حانت الآن لكي تضع كل من الدولتين الماضي خلف ظهرها حتى تتفرغ للتعامل مع المخاوف الأمنية المشتركة. وفي هذا السياق الجديد الذي خلقته الحرب في جورجيا، لم يعد بوسع أحد أن يتجاهل الأهمية التي تشكلها تركيا كجسر حقيقي بين بلدان منطقة القوقاز.

الحقيقة أن هذه الآمال والطموحات تشكل عاقبة حتمية لموقع تركيا الجغرافي وتاريخها. فهي على المستوى المعنوي تحتل موقعاً وسطاً بين الحداثة والتقاليد، بين العلمانية والإسلام، وبين الديمقراطية والطغيان. كما تشكل تركيا على المستوى الفعلي جسراً حقيقياً بين الشرق والغرب. وبالنسبة لشعوب القوقاز فإنها تشكل معبراً إلى أوروبا. فهي عضو في منظمة حلف شمال الأطلنطي، وتشترك في حدودها مع جمهوريات القوقاز الثلاث المنضمة إلى برامج الشراكة الفردية التي قدمها لها حلف شمال الأطلنطي. وهي تطمح إلى الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي، ونجاحها في هذا من شأنه أن يجعل حدود الاتحاد الأوروبي ملاصقة لحدودنا نحن الدول الثلاث، الأمر الذي يعظم من آمالنا في الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي ذات يوم.

الحقيقة أن تركيا لم تفوت فرصة واحدة لتقديم نفسها باعتبارها وسيطاً إقليمياً. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة اقترحت تركيا إنشاء منظمة التعاون الاقتصادي بين البلدان الواقعة على البحر الأسود. وهذا العام حين بدأت جهود الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة للتسوية السلمية في الشرق الأوسط تترنح، بادرت تركيا إلى الاضطلاع بدور الوسيط في كل من النـزاعين الإسرائيلي الفلسطيني والإسرائيلي السوري. والآن في أعقاب الأزمة الروسية الجورجية مباشرة، خطا قادة تركيا خطوة أخرى إلى الأمام منحت تركيا دوراً قيادياً في منطقة القوقاز.

يتعين على العالم أن يستقبل بكل حماس برنامج الاستقرار والتعاون في القوقاز الذي اقترحته تركيا، وإننا لنتمنى أن يكون هذا الاقتراح أكثر جدية وقدرة على الاستمرار من الجهود المشابهة السابقة. ولكن لكي يتسنى النجاح لهذا المشروع يتعين على تركيا أن تلح في الحصول على تعهد من كافة اللاعبين في المنطقة بالتخلي عن اللجوء إلى القوة في تسوية النـزاعات. وإذا ما نجحت تركيا في تأمين ذلك التعهد، وإذا ما احترمت الدول المعنية تعهداتها، فهذا يعني أن الصراعات في المنطقة سوف يُـنظَر إليها في سياق مختلف تماماً يغلب عليه التسامح والتفهم، الأمر الذي يشكل بدوره انتصاراً تاريخياً للسلام.

بل ما الذي يمنعنا من التقدم بفكرة هذا التحالف خطوة أخرى إلى الأمام؟ فنحن في هذه المنطقة نستطيع، بل يتعين علينا، أن ندعو إلى عدم الانحياز في منطقة القوقاز، لتصبح خالية من التكتلات الأمنية والتحالفات المناوئة. فالحقيقة أن التحالفات والضمانات الأمنية لا تؤدي إلا إلى خلق المزيد من خطوط الصدع والانقسام، بكل ما تحمله من تحديات أمنية.

إن الفترات التاريخية التي عاشتها بلداننا وشعوبنا تحت مظلة مشتركة أطول كثيراً من الفترات التي عاشتها في فُرقة وانقسام. واليوم نتقاسم رؤية مشتركة في التكامل مع أوروبا، وفي هذا السياق الأعرض يتعين علينا أن نحل نـزاعاتنا. ولقد أثبتت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وزيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل إلى جورجيا وروسيا مؤخراً عدم وجود أي بديل لأوروبا حين نتحدث عن إحلال السلام في القوقاز. إن أوروبا وحدها القادرة على الاضطلاع بدور الوسيط الأمين في هذا الجو الذي يخيم على المنطقة من التشكك والحساسية المفرطة.

ولكن في نهاية المطاف يتعين علينا نحن أن نكون على استعداد للعمل نحو تحويل المنطقة إلى حيز للسلام والتعاون. والحقيقة أن مساحة منطقة القوقاز أصغر من أن تشتمل على حدود مغلقة وصراعات متفجرة. ورغم أن بعض هذه التوترات تبدو ثنائية محضة، إلا أن النـزاع الجورجي الروسي يؤكد أن هذا لم يعد وارداً في عالمنا الذي تحكمه العولمة، وليس في هذه المنطقة المترابطة المتشابكة المصالح بكل تأكيد.

الحقيقة أن السلام الحقيقي في القوقاز يتطلب تحولين إستراتيجيين رئيسيين. الأول مستمد من درس تاريخي يتلخص في عدم إمكانية تجاهل المصالح الإستراتيجية لروسيا في المنطقة. وأي اعتقاد أو سلوك مخالف لهذه الحقيقة من شأنه أن يقود المنطقة إلى الفوضى. والدرس الثاني يتلخص في أن تركيا وأرمينيا ليس من الممكن أن يظلا خصمين إلى الأبد. وعلى هذا فلابد من تطبيع علاقاتنا حتى يتسنى للقوقاز أن يندمج في منطقة واحدة عاملة.

من عجيب المفارقات هنا أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة تدركان أن هذا يصب في مصلحتهما. فروسيا تنظر إلى العلاقات الطبيعية بين تركيا وأرمينيا باعتبارها وسيلة لتقليص دور جورجيا الإستراتيجي في المنطقة. أما الولايات المتحدة فإنها تنظر إلى الانفتاح على تركيا باعتباره وسيلة لتقليص اعتماد أرمينيا الحقيقي والمتوهم على روسيا.

بعيداً عن التأثير العاطفي لزيارة الرئيس غول ليريفان، يتعين علينا أن ندرك أن التحسن الحقيقي في العلاقات التركية الأرمينية يتطلب فتح الحدود المغلقة بين كل من الدولتين ـ وهي آخر الحدود المغلقة في أوروبا. أو من الممكن كبداية إعادة تشغيل السكة الحديدية التي تربط بين الدولتين. وإذا لم يحدث هذا في غضون الأسابيع والشهور القليلة القادمة، فإن تركيا بهذا تكون قد أثبتت أن كل ما بدر منها من أفعال لم يكن سوى استعراض عديم الجدوى.

إن زيارة الرئيس غول تشكل خطاً فاصلاً ـ إما باعتبارها فشلاً في صناعة التاريخ، أو باعتبارها بداية لعصر جديد.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured