Thursday, October 30, 2014
2

بديل أخضر للتقشف

أكسفورد ــ على الرغم من المقاومة الاجتماعية المتزايدة التي يواجهها التقشف في أوروبا، فإنه من حيث المبدأ يتسم بالبساطة. ومع احتدام النقاش حول ضبط الأوضاع المالية في مقابل النمو، فمن الواضح أن الاتفاق على كيفية تحريك الاقتصاد ضئيل للغاية بعيداً عن تنفيذ حزم التحفيز على نطاق واسع.

ومن بين الأفكار المطروحة أن التكنولوجيا البيئية قد تغذي حلقة حميدة من الإبداع وتشغيل العمالة. ويرى البعض أن النمو الأخضر يستحضر في الذهن الريف المغطى بطواحين الهواء والأسقف الحضرية التي تصطف فوقها الألواح الشمسية. ولكن الأمر أوسع من هذا. على سبيل المثال، عندما انتقلت شركة اير باص من حقن اللدائن إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد لإنتاج المفصلات المعدنية المستخدمة في أبواب طائراتها، خفضت أوزان هذه الأبواب إلى النصف، الأمر الذي أسفر عن توفير مقادير هائلة من المواد وما يرتبط بهذا من استهلاك الوقود على مدى عمر من طيران هذه المفصلات حول العالم.

من الأسهل رغم هذا العثور على نوادر مثيرة مقارنة بمحاولة إثبات كيف قد يرقى مثل هذا الأمر إلى إعادة تنشيط اقتصاد بالكامل. وهناك فضلاً عن ذلك قدر عظيم من التنوع في الروايات فيما يتصل بالاقتصاد الأخضر ــ ومن المرجح أن تنمو مثل هذه الروايات على نطاق واسع.

في شهر يونيو/حزيران، سوف يجتمع الآلاف من الناشطين وصناع السياسات ورجال الأعمال في ريو دي جانيرو في إطار مؤتمر التنمية المستدامة الثالث الضخم الذي تنظمه الأمم المتحدة (ريو + 20)، والذي يدور موضوعه حول الاقتصاد الأخضر. ومن المنتظر أن يطلق المؤتمر العنان لحجج جديدة بشأن الوظائف الخضراء، وارتفاع التكاليف، وتغير القيم، وخيارات المستهلك ــ اللون الأخضر في كل مكان.

وباعتباري المؤلف المشارك لتقرير "مسار جديد للنمو في أوروبا"، وهو التقرير الذي تم بتكليف من الحكومة الألمانية، فأنا مذنب بالمساهمة في هذا النشاز من وجهات النظر المتكاملة حول النمو الأخضر. كانت مؤسسة المناخ الأوروبية قد نشرت بالفعل "خريطة الطريق 2050، الدليل العملي لأوروبا المزدهرة منخفضة الكربون". ومنذ ذلك الوقت أطلق برنامج الأمم المتحدة للبيئة "تقرير الاقتصاد الأخضر"؛ وكتب ماكنزي عن "ثورة الموارد"؛ كما نشر مجلس النقابات المهنية الدولي تقرير "النمو الأخضر والوظائف اللائقة" ــ على سبيل المثال لا الحصر.

ويتبنى الجميع توجهات مختلفة بعض الشيء ويقدمون توصيات مختلفة، الأمر الذي يجعل من الصعب بالنسبة لصناع السياسات أن يروا الغابة عبر الأشجار. وفي قلب هذا التعدد من وجهات النظر تكمن حقيقة مفادها أن الاقتصادات تناضل من أجل تفسير الكيفية التي يحرك بها النمو والإبداع الاقتصاد ككل. إن نماذج الاقتصاد الكلي التي يعتمد عليها صناع القرار السياسي تشكل أدوات قوية في أوقات التطور السلس التدريجي، ولكن النمو الأخضر لا يدور حول التغير التدريجي.

على سبيل المثال، سنجد أن هدف الاتحاد الأوروبي المتمثل في خفض الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري العالمي بنسبة 80% بحلول عام 2050 يعني ضمناً الإصلاح الشامل للبنية الأساسية في الاتحاد الأوروبي في غضون بضعة عقود من الزمان. ولا ينبغي لنا أن نعتبر عجز خبراء الاقتصاد عن وضع النماذج لهذا التغير السريع الجذري إدانة لهذا الفرع من المعرفة؛ فهو ببساطة انعكاس لحالة معارفنا، ولحقيقة مفادها أن الاقتصاد معقد حقا. والأمر ببساطة أننا لم نملك بعض رؤى محددة بالقدر الكافي للكيفية التي تتفاعل بها كل هذه العناصر في أوقات التغيير البعيد المدى، سواء كان الأمر متعلقاً بأزمة مالية أو طفرة في النمو.

ورغم هذا فإن دراسات النمو الأخضر المذكورة أعلاه تزودنا فيما يبدو بالتفسيرات اللازمة. ولكن بأي شيء تنبئنا حقا؟

في الممارسة العملية، تقتصر كل دراسة على جانب واحد أو جانبين من الاقتصاد، وتصف كيف يتم التفاعل. فتبحث دراسة "النمو الأخضر والوظائف اللائقة" في العلاقة بين الاستثمار والوظائف. وتفحص دراسة "مسار جديد للنمو في أوروبا" تأثير التوقعات والتعلم من خلال العمل. وتركز دراسة "خريطة الطريق 2050" على تخضير نظام الطاقة. ثم يقفز المؤلفون إلى استخلاص النتائج بشأن الاقتصاد ككل.

ولكن رغم أن قيمة هذه الدراسات تتلخص في الضوء الذي تسلطه على الأجزاء، فإن العناوين الرئيسية الناشئة عن ذلك تدور حول الكل، ويجري تفصيلها من حيث الناتج المحلي الإجمالي والوظائف. وكل من هذه الدراسات تصف جزءاً من الاقتصاد الأخضر، ولكن لا يستطيع أي منها منفرداً أن يلخص الكل ــ ليس لأنها مختلفة، بل لأنها ببساطة تتجاوز قدراتنا.

ورغم هذا فإن عجزنا عن الإثبات بشكل قاطع كيف يعمل النمو الأخضر لا يعني أننا لابد أن نتخلى عن الفكرة. فنحن نعرف من التاريخ أن موجات الإبداع، من المحرك البخاري إلى ثورة معلومات الاتصال، أدت إلى زيادات هائلة في النمو الاقتصادي. ولا يمكننا أن نثبت أن موجة من الإبداع البيئي قد تؤدي إلى تأثير مماثل، ولكن دراسات الأجزاء تجعل هذه النتيجة معقولة إلى حد كبير.

إننا كبشر مجهزون بشكل فريد لاتخاذ القرارات استناداً إلى معلومات غامضة ــ بل إننا نفعل هذا دوما. فعندما نختار مهنة ما أو رفيق حياة في حياتنا الخاصة، أو عندما يغتنم أحد الساسة الفرصة من بين مجموعة كبيرة من الاحتمالات، فإن المهمة تتلخص دوماً في اتخاذ قرارات ذات عواقب كبيرة استناداً إلى معلومات منقوصة.

الواقع أن مجموعة ضخمة من التقارير حول النمو الأخضر تدلل على معقولية هذا المسار إلى التعافي من أزمة اقتصادية تاريخية. والأمر الآن متروك لنا لتحقيق إمكانيات هذا المسار. إن النمو الأخضر يعرض علينا بديلاً عملياً لنهج التقشف المتعثر للتغلب على الأزمة الاقتصادية الحالية. ويتعين على صناع القرار السياسي أن يستوعبوا هذا التفكير في سردهم فيما يتصل بمرحلة "ما بعد التقشف"، والتي بدأت تتخذ هيئة واضحة في عدد متزايد من الدول الأعضاء الرئيسية في الاتحاد الأوروبي.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZeger De Vries

    Every 'green' initiative always has implicitly great potential, in theory. And however clever replacing austerity with the 'greening' of the economy may be, it really is a non-starter as long as the European governments will not agree on a commitment to return the EU to economic growth. For that to happen some financial issues seem to have to be solved and out of the way and some money will have to be found to get the idea on the road... So I hesitate to throw this 'plan' in to the trash can straight away - the present economic system will have to be overhauled at some point in the future as far as sustainability is concerned - but it does seem a little far fetched under the present circumstances.

  2. CommentedAlvaro Cedeno

    Great article, very informative and motivational for global leaders.

    Given the global environmental constraints, humanity is quickly growing aware of the collision course between available natural resources and rate of consumption. This leads to the search for innovation that is not only novel, but that also transforms the conflict effectively.

    The kind of innovation that the world urgently needs is one that leads industry, technology, economy and culture towards regeneration of natural ecosystems, constructively moving away from business-as-usual degradation.

Featured