Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

ارتفاع أسعار الفائدة في مصلحة أوروبا

إن محصلة الجمع بين خطأين لا تساوي صواباً بأي حال من الأحوال. وإن فشل الحكومات الأوروبية في تحقيق الوعود التي بذلتها لناخبيها لا يعني بالضرورة إخفاق البنك المركزي الأوروبي في القيام بمهمته التي تتلخص في تعزيز استقرار الأسعار في منطقة اليورو. الحقيقة أن هذا قد يبدو واضحاً، لكن التخلي عن سياسة استقرار الأسعار هو بالتحديد ما ينادي به ويدافع عنه بعض الساسة في أوروبا.

على سبيل المثال، على الرغم من أن الأداء الرديء للاقتصاد الإيطالي مؤخراً يجعل من أهل السياسة في إيطاليا أقل المؤهلين لبذل النصائح للبنك المركزي الأوروبي بشأن السياسة النقدية، إلا أن هؤلاء الساسة يدافعون عن تخفيض أسعار الفائدة. ففي ترجيع لصدى التعليقات التي صدرت عن رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني، قال نائب وزير الاقتصاد ماريو بالاداساري في الأسبوع الماضي إن كل الجهود المبذولة لتعزيز النمو لابد وأن تذهب أدراج الرياح "ما دام هناك من يحرص على وضع العقبات أمام تلك الجهود".

تُـرى من هم الذين يحاول خداعهم بهذا الكلام؟ فإذا كان هناك من يضع العقبات أمام النمو الإيطالي فهو بيرلسكوني ذاته. فهو لم يبذل أي قدر من الجهد في سبيل الإصلاح الاقتصادي طيلة فترة ولايته، ثم نراه الآن يسعى إلى إلقاء اللوم على البنك المركزي الأوروبي عن الأداء الاقتصادي الكسيح لإيطاليا. لكن الحقيقة أن الافتقار إلى الإصلاح الاقتصادي الداخلي هو على وجه التحديد ما جعل من إيطاليا واحدة من أقل الدول قدرة على المنافسة في منطقة اليورو.

لكن ما يحدث هنا يتجاوز "لعبة اللوم" المعتادة. فقد تصاعدت الضغوط التي تطالب البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة ـ والهجمات التي يشنها بيرلسكوني وشركاه ليست سوى محاولة لمنع الارتفاعات المفاجئة في أسعار الفائدة في المستقبل وحمل البنك المركزي الأوروبي على تخفيف سياسته النقدية الصارمة.

لقد أصبحت أسعار الطاقة التي ارتفعت بشدة تشكل سبباً أساسياً لاحتمالات التضخم. لكن ارتفاع أسعار الطاقة في حد ذاته لن يجبر البنك المركزي الأوروبي على تغيير أسعار الفائدة. ذلـك أن العامل الرئيسي هنـا يتمثل فيما يسـمى بـِ "تأثيرات الجولة الثانية" ـ أو التساؤل حول ما إذا كانت أسعار النفط الخام المتصاعدة ستؤدي إلى مطالبة النقابات العمالية برفع الأجور.

حتى وقتنا الحاضر ما زال "الشركاء الاجتماعيون"، كما يحلو لرئيس البنك المركزي الأوروبي جين كلود تريشيه أن يطلق على النقابات، هادئين. ولكن إذا ما تغير هذا الوضع فلسوف يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة حتى إذا ما ظل النمو الاقتصادي الأوروبي راكداً.

لكن الأنباء الطيبة هنا أن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو يميل الآن نحو الارتفاع (حتى في إيطاليا). وعلى الرغم من أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من هذا العام كان ضعيفاً ـ كان المتوسط السنوي لمنطقة اليورو 0.3% فقط ـ إلا أن بيانات الربع الثالث تشير إلى تحسن اقتصادي ثابت خلال النصف الثاني من العام. إلا أن معدلات الاستهلاك ما زالت متأخرة.

 تُـرى كيف سيكون رد فعل البنك المركزي الأوروبي إزاء هذه الأنباء الاقتصادي الطيبة؟ يشعر بعض أعضاء المجلس الحاكم للبنك بعدم الارتياح بسبب بقاء أسعار الفائدة في منطقة اليورو منخفضة إلى حد كبير، حيث لم تتجاوز مستوى الـ 2% لأكثر من عامين. والحقيقة أن خطر التضخم لا يلوح في الأمد القصير، لكن السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي تركز على الأمد المتوسط.

يتلخص أحد المخاوف الجديرة بالذكر في زيادة المعروض من نقود منطقة اليورو عن المستوى المعياري الذي حدده البنك المركزي الأوروبي، الأمر الذي يشير إلى وجود زيادة في المعروض من السيولة النقدية. وإنه لمن غير المؤكد أن يبادر البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة بغرض كبح السيولة الزائدة ما دامت مسألة استعادة النشاط الاقتصادي محل شك. لقد أدى النمو المتباطئ إلى إسكات أصوات خبراء النقد في المجلس الحاكم للبنك المركزي الأوروبي. لكن هذا الصمت لن يستمر بمجرد تأكيد التحسن الاقتصادي الذي طرأ مؤخراً. وقد يأتي ارتفاع أسعار الفائدة عاجلاً وليس آجلاً، وهذا هو السبب وراء تصريحات بيرلسكوني والرئيس الفرنسي جاك شيراك المنادية بتخفيض أسعار الفائدة الآن.

في ذات الوقت قد تكون لنتائج الانتخابات الألمانية التي ستجرى في سبتمبر من هذا العام عواقب مفاجئة بالنسبة للسياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي. وتعتبر آنجيلا ميركيل مرشحة الحزب الديمقراطي المسيحي من الإصلاحيين الذين يحملون الأمل في مستقبل أفضل بالنسبة لألمانيا ـ وبالنسبة لأوروبا.

ولكن مما يدعو للأسف أن حملة ميركيل الانتخابية كانت متعثرة منذ البداية، كما قد يتسبب نزول حزب أقصى اليسار، الذي يترأسه أوسكار لافونتين، إلى ساحة الانتخابات في ضرورة تشكيل تحالف أكبر بين الديمقراطيين المسيحيين والاجتماعيين المسيحيين.

وهذا يشكل أنباءً سيئة بالنسبة للاقتصاد الألماني، وهو ما قد يؤخر قرار البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة. ولأن الاشتباك المتوقع في البرلمان من شأنه أن يقلل من احتمالات الإصلاح، فربما تبادر الشركات إلى تجميد استثماراتها، بينما من المرجح أن يميل المستهلكون إلى الإنفاق بحذر شديد، وذلك لأن السياسة الرسمية ستكون أقل وضوحاً حتى مما هي عليه الآن.

ومن ناحية أخرى، فإن تحالف يمين الوسط بين الديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين الأحرار من شأنه أن يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى الحركة.

كل ذلك يثير نقطة جديرة بالاهتمام. فمن الطبيعي أن يشعر عامة الناس بالارتياح إذا ما قرر البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة، حيث أن ذلك يشير على الأرجح إلى قرب عودة الاقتصاد إلى نشاطه الطبيعي، وهو الأمر الذي طال انتظاره، كما يعني ذلك أن المضاعفات الناتجة عن التضخم تخضع للمعالجة الآن. وبعبارة أخرى فإن ارتفاع أسعار الفائدة يشير إلى أن الاقتصاد يشهد مؤشرات طيبة.

لكن الرأي العام كثيراً ما ينظر إلى ارتفاع أسعار الفائدة باعتباره حدثاً سلبياً من شأنه أن يزيد من معدلات البطالة ويقيد النمو. ومما يدعو للأسف أن ساسة "لعبة اللوم" من أمثال بيرلسكوني الذين فشلوا في وضع الخبز على موائد الناخبين، وأتباعهم المخلصين في أجهزة الإعلام، وأساتذة الاقتصاد "الكينيزيين" الذين لا يفهمون المبادئ الاقتصادية التي أسسها العالم الاقتصادي كينيز ويسيئون تمثيلها، يساهمون إلى حد كبير في ترسيخ هذه الرؤية المشوهة. والحقيقة أن أوروبا ستكون أفضل حالاً إذا ما تبرع أحد بإطلاع عامة الناس على الحقائق.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.